من فلسطين وبلاد الشام انتشر الزيتون في العالم…عداء المستوطنين أباد منه مليون شجرة في الضفة الغربية فياض فياض: جبل الزيتون في القدس يحتاج وصفه لكتب… يحاربنا المحتل بقطع الزيتون لأنه رمز صمود وطني

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:  حين تواصلت مع رئيس مجلس الزيتون والزيت في الأراضي الفلسطينية المحتلة فيّاض فيّاض كنّا في زمن الشعانين والفصح. زمن القيامة والسلام والمحبة. كانت شموع الأطفال ومذابح الكنائس تتزين بأغصان الزيتون في شرقنا الواسع، وكان السلام يسيل دماً في غزّة والضفة، ومضطربا في غيرها، وأطفال يدفنون قبل أن يتمكنوا من إقتناص لحظة فرح.

أردته حواراً يحكي عن شجرة الزيتون الرمز ولماذا يكرهها المستوطنون الصهاينة؟ شجرة ذُكرت في القرآن الكريم والكتاب المقدّس. وإذ بمدير عام مجلس الزيتون والزيت فياض فياض يخبرني عن كنائس جبل الزيتون التي كان السيد المسيح يؤدي صلاته فيه. يقول: زودنا كافة الأشجار الموجودة في كنائس جبل الزيتون بالمعدات والأسمدة واشرفت بنفسي على ذلك. وفي جبل الزيتون تأملت وخاطبت كل شجرة في تلك الأماكن المقدسة. أشجار ثابتة ومتجذرة في الأرض، تتفوق على الاحتلال الزائل لا محالة.
هنا حوار مع فياض فياض:

○ تتصاعد المجازر على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة منذ حوالي السنتين. كيف تصف حال شجر الزيتون في ظل هذا الواقع؟
• منذ احتلاله لفلسطين لدى المشروع الصهيوني برامج لإبعاد المزارع الفلسطيني عن شجرة الزيتون بكافة السبل. شجرة الزيتون الفلسطينية وبسبب ممارسات الاحتلال هي الأقل إنتاجية في الإقليم. والسبب أن الاحتلال يمنعنا من خدمتها، ويمنع الأسمدة النيتروجينية، يغلق الطرق ويمنع التجول، ويعتقل المزارعين. متوسط الإنتاج في فلسطين في السنوات الـ 10 الماضية 100 ألف طن زيتون أو 22.5 ألف طن زيت. إنه عطاء الـ 10 ملايين شجرة زيتون، أي أن متوسط إنتاج شجرة الزيتون الفلسطيني هو 10 كيلو زيتون أو 2.5 كيلو من زيت الزيتون. بعد الحرب التي نعيشها تفاقم سوء الأوضاع. من عادة شجرة الزيتون أن تمرّ بسنة إنتاج وفير يُسمّى «ماسي»، وأخرى ضعيف جداً يُسمّى «شتلوني». مؤخراً مررنا بموسمين سيئين، وآخر جيد فقط.
○ ماذا عن حال أهل قطاع غزّة مع موسمين متتاليين للزيتون وهم يسقطون بالمئات شهداء؟
• عُرفت غزّة ببلد الحمضيات والنخيل والكرمة. تفاقمت ملوحة التربة والمياه، واُستبدلت الحمضيات بالزيتون الذي حقق نجاحاً باهراً، مسجّلاً إنتاجية من بين الأعلى في العالم. بلغت إنتاجية الدونم الواحد من الزيتون 1200 كيلغرام زيتون في السنة. وسجّلت غزّة قبل حرب الإبادة نهضة في تطوير المعاصر لتتناسب مع تنامي زراعة الزيتون. العدوان الحالي دمر قطاع الزيتون بشكل كبير. سابقاً تجاوز مجموع أشجار الزيتون في غزة المليون شجرة، ولا إحصاء رسميا موثوقا حول العدد المتبقي. فالاحتلال جرف الأراضي بنسبة 75 في المئة، والمواطنون قطعوا أشجار الزيتون لاستخدامها كمصدر وقود بديل عن المحروقات الممنوعة عنهم. وتم تدمير المعاصر الحيوية والأساسية بشكل ممنهج.
○ وماذا عن أشجار الضفة مع تواصل العدوان على المخيمات وسواها؟
• في الضفة الغربية ومنذ بداية الاحتلال أبيد حتى الآن مليون شجرة زيتون.
○ إذا أردنا وصف طبيعة مدينة القدس سابقاً والآن فماذا تقول؟ وكم خسرت من زيتونها بفعل المستوطنين؟
• محافظة القدس بصورة عامة ومدينة القدس بصورة خاصة، فيها زيتون ولكنها ليست محافظة زيتونية، تأتي في آخر السلم في إنتاج الزيتون. القدس محافظة أشجار فاكهة، كما العنب والتين والسفرجل والتفاح واللوزيا، حقول الزيتون فيها محدودة. سيطرة الاحتلال على محافظة القدس لم يسمح لها خلال 58 سنة من تطوير أي قطاع زراعي أو صناعي أو تجاري.
○ وما عن حال جبل الزيتون في مدينة القدس؟ هل تصفه لنا شكلاً وجغرافيا؟ وما هو موقعه في تاريخ المدينة المقدّسة؟
• ولأننا عشنا قبل أسبوعين عيد القيامة، وذكرنا جبل الزيتون، ففي كنيسة ويستمنستر في لندن، وأثناء مراسم تتويج الملك تشالز الثالث، مسح يديه ورأسه وصدره، بزيت الزيتون المقدسي. حبّات ذاك الزيتون العتيق جرى جمعها من دير مريم المجدلية في جبل الزيتون، ومن أشجار يتراوح عمرها بين 800 و2000 عام. وهناك تُدفن جدة الملك لوالده الأميرة أليس. عُصرت حبات الزيتون بدائية في أحد الأماكن المقدسة في بيت لحم، ونُقلت ثانية إلى كنيسة القيامة في القدس، وصلّى عليها رئيس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية البطريرك ثيوفيلوس الثالث، ورئيس أساقفة الكنيسة الإنجيلية الأسقفية المطران حسام نعوم.
وفي وصف لجبل الزيتون، إنه سلسلة من الهضاب ويقع في الجهة الشرقية من البلدة القديمة للقدس. وهو أعلى نقطة في المدينة المقدسة، ويرتفع 818 مترا فوق سطح البحر، وكانت تلاله مكسوة بأشجار الزيتون العتيقة. ولهذه السلسلة من الهضاب وأعلاها جبل الزيتون قدسيتها لدى الديانات الثلاث. إنما قدسيتها مميزة لدى معتنقي الديانة المسيحية، فمن هناك صعد السيد المسيح إلى السماوات العليا، وهناك كان السيد المسيح يعلّم تلاميذه.
ويضم جبل الزيتون العديد من الكنائس والأديرة الخاصة بطوائف مسيحية مختلفة، من أشهرها: كنيسة الدمعة وتقع في دير الرحمة، حيث بكى المسيح على نبؤة خراب القدس، ودير القديسة مريم المجدلية، وكنيسة الجثمانية، ودير الكرمل. وفي دير الصعود كنيستان هما: كنيسة الصعود اللوثرية، وكنيسة الصعود الأرثوذكسية، حيث يُعتقد أن المسيح صعد إلى السماء من ذاك المكان. وهذان الديران هما مزاران لجميع الطوائف، ودير الجليل الصغير، وكنيسة دومينوس، وكنيسة باتر نوستير وكنيسة كل الأمم، إلى عدد آخر من الكنائس. وفي وادي النار التابع لجبل الزيتون يقع قبر السيدة مريم العذراء.في الواقع يحتاج وصف جبل الزيتون إلى كتاب، وليس فقط سؤالا في مقالة.
○ هل يكره المستوطنون الزيتون بالأساس أم يكرهون الفلسطينيين الذين يحبونه كما أبنائهم؟
• يدرك المحتلون بكل أصنافهم وألوانهم أن شجرة الزيتون الفلسطينية هي رمز فلسطين، وان قدسيتها متصلة بقدسية الأرض المقدسة، وثبات المواطن في أرضه مرتبط بثبات شجر الزيتون فيها. ويظن الاحتلال والمستوطنون أن خلع المواطن من أرضه يبدأ بخلع شجرة الزيتون. كان عدد أشجار الزيتون عند بداية الاحتلال أقل باضعاف منه الآن حيث وصل لما يقارب 13 مليون شجرة. وقبل احتلال الضفة الغربية سنة 1967 كان لا يتجاوز الـ 5 ملايين شجرة. الصهاينة بصورة عامة، والمستوطنون الحرديم بصورة خاصة، يكرهون غير اليهود وخاصة الفلسطينيين لأي دين انتموا.
○ عداء الصهاينة لشجر الزيتون كم هو ناتج عن إحساسهم الداخلي بعدم انتمائهم للأرض التي يقفون عليها؟
• يتاثر قطاع الزيتون في فلسطين من الاحتلال بثلاثة محاور:
المحور الأول: الاحتلال وقوانينه بمنع إدخال العديد من الأسمدة وتداولها في السوق، إغلاقات الطرق والمعابر، الحواجز التي تجاوزت الـ 900 حاجز في الضفة الغربية، منع التصدير للخارج والذي يمتد لأشهر وليس لأيام. المسافة بين رام الله ونابلس 50 كم تحتاج أحياناً الى 6 ساعات لتجاوزها، ومنع المزارعين من دخول أراضيهم.
المحور الثاني: اعتداءات الجيش والمستوطنين، وهو محور ينقسم إلى عدة محاور. الأول: الاعتداء المباشر على أشجار الزيتون، بالقطع أو الخلع أو التجريف أو التسميم أو الإغراق بالمياه العادمة. الثاني: أرض المستوطنات مسروقة من أصحابها. وتحيط بالمستوطنة المغلقة مساحة كبيرة تسمى حرم المستوطنة، يُمنع أصحابها من دخولها بدون تنسيق أمني. وغالبا يستعين أصحاب هذه الأراضي بوفود أجنبية متضامنة مع الشعب الفلسطيني يتم استقطابهم ليدخلوا أراضيهم. وفي الواقع لا نعلم خلفية هؤلاء الحقيقية. الثالث: الاعتداء على المزارعين في حقولهم وسرقة المحصول بعد قطفه وجمعه، وسرقة الحيوانات والمعدات. ولا يجرؤ المعتدى عليه التقدّم بشكوى، وإذا فعل فالعواقب مخيفة تصل إلى فقدان حياته، أو حياة أحد أفراد العائلة. الأشجار التي خلعها المستوطنون منذ الاحتلال بلغت مليون شجرة. رقم متداول لا يستند إلى وثائق. ومنذ بداية الحرب أصحاب هذه الأراضي لم يتمكنوا من وصولها، ولا قطفها.
المحور الثالث: جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل بعد الانتفاضة الثانية، يقع خلفه مئات الآلاف من الدونمات، وهو متعرج كالأفعى يبلغ طوله 670 كم. الولوج عبره يحتاج لتصريح خاص يُعطى لصاحب الأرض فقط وليومين، الأول للحراثة، والثاني للقطاف. ومنذ العدوان الذي بدأ في اكتوبر سنة 2023 على غزّة لم يتمكن أي شخص من دخول أرضه وبقيت الثمار على الأشجار. وعام 2024 حصل البعض على تصاريح متأخرة جداً لم تمكنهم من قطف الثمار، لأن الأعشاب أكلت الأشجار، والأرض أهملت لعامين متتاليين. وفي موسم عام 2023 فقدت فلسطين 20 في المئة من موسم الزيتون بسبب منع أصحاب الأراضي من الوصول إلى أراضيهم، وأنا أحدهم.
○ كيف يستعد الفلسطينيون لموسم الزيتون؟
• ينتظر الفلاحون والعمال والشركات العاملة بالزيتون بفارغ الصبر هذا الموسم. 100 ألف أسرة تستفيد من قطاع الزيتون، منهم 70 ألف أسرة من أصحاب الحيازات الزراعية، و 30 ألفا من العمال والعاملين في المعاصر، وشركات النقل والتسويق والتجارة ومحلات الأدوات الزراعية. ومع مرور الأيام تراجع اعتماد الأسرة على موسم الزيتون، لتنفيذ المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس أو استكمال البناء أو غيره، بسبب تفتت الملكية. فنسبة 70 في المئة من الحيازات في فلسطين هي أقل من 5 دونم. والسائد أن الموظفين يتركون إجازاتهم السنوية إلى موعد قطاف الزيتون، وخلاله يضج الريف بالحيوية والعمل والخير والبركة.
بالعودة إلى التاريخ القديم والأبحاث يتبين أن فلسطين هي الموطن الأصلي لشجرة الزيتون. وأنها أرض التين والزيتون. ومن بلاد الشام انتقل الزيتون إلى أوروبا وازدهرت زراعته أيام حكم المسلمين في الأندلس. ولم يكتسب الزيتون مكانته بعد اكتشاف أهميته العلمية فقط، لكنه اكتسبها بذكره في القرآن الكريم، وفي سبعة مواضع نذكر أربعة منها:

1ـ يقول الله تعالى في سورة الأنعام:
(وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99).

2ـ ويقول تعالى في سورة المؤمنون:
(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)20.

3ـ وقال سبحانه في سورة النور:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)35.

4ـ وأقسم به في سورة التين بقوله:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ـ1ـ وَطُورِ سِينِينَ ـ2ـ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ـ3ـ).

وفي أحد الشعانين والذي يليه عيد الفصح بعد أسبوع احتفالاً بقيامة السيد المسيح، تُزين أغصان الزيتون شموع الأطفال ومذابح الكنائس. ولأن السيد المسيح أتى رسول سلام على هذه الأرض ارتبطت قيامته بأغصان الزيتون. وهو الذي كان يقصد جبل الزيتون في القدس للصلاة في بستان جِتسمانيّة. ويرمز الزيتون في الديانة المسيحية إلى النصر والسلام، وإلى عودة الحياة. وبالعودة إلى طوفان نوح، نرى الحمامة التي أرسلها نوح تعود إليه حاملة غصن زيتون علامة على عودة الحياة وإنحسار المياه. وفي زياح الشعانين يرمز غصن شجرة الزيتون إلى افتتاح زمن السلام مع وصول الملك المنتظر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية