إيلا جورو العشاء الأخير للملبدين
القاهرة ـ «القدس العربي»: بداية من فكرة الحداثة وما صاحبها من فكر وفن يقيني، يثق ثقة مطلقة بالعقل ـ العقل الأوروبي ـ القادر على تشييد النماذج العليا، والمُثل الحضارية التي يجب اتباعها، إلا أن هذه المُثل لم تمنع من قيام حرب عالمية ثانية، زادت من معاناة الإنسان، فوقف الفنان حائراً، وقد فقد الثقة، فأسقط العقل، وحل الشك محل اليقين الذي كان، وبدأت إرهاصات مرحلة «ما بعد الحداثة» التي أتاحت للأصوات الهامشية بعيداً عن مركزية العقل الأوروبي، أن تتصاعد وتعلو، ومعها أزال الفنان الحدود بين القوالب الفنية، وأعلى من شأن التجريب وابتدع أشكالاً تليق بقلقه المزمن. وتزامن صعود تيار ما بعد الحداثة مع صعود الرأسمالية، إلا أنه بعد سقوط سور برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، صار لزاماً تجاوز مرحلة ما بعد الحداثة، لتبدو إرهاصات «بعد ما بعد الحداثة» محاولة البحث عن يقين ذاتي بالأساس ـ دون يقين العقل الجمعي الأوروبي في مرحلة الحداثة ـ فمن اليقين إلى اللايقين، وصولاً إلى الإيمان بالذات، كبداية جديدة لمحاولة الفهم والتواصل مع العالم.
بعد ما بعد الحداثة
تعد «بعد ما بعد الحداثة» ظاهرة ثقافية جديدة في الفكر الإنساني، تعود في تاريخها إلى العقد الأخير من القرن العشرين، وبدايات القرن الحالي، مؤكدة الرفض غير الصريح لما بعد الحداثة، إلى جانب السعي نحو استعادة الأسس الفكرية للحداثة، التي فقدت قيمتها مع ما بعد الحداثة، انطلاقاً من إيمانها بفكرة أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، فهي لا تسعى إلى مركزة طرف معين، وترك آخر، بقدر ما تسعى إلى مركزة جميع الأطراف. واستناداً إلى ذلك فهي تؤكد في جوهرها على الجمع بين الحداثة وما بعد الحداثة، وبما أنها ظاهره ثقافية شاملة، لا بد أن تنعكس على الفن، باعتباره جزءاً من الواقع الثقافي والفكري للمجتمع، وامتدت لتشمل العمارة والسينما والفن والأدب، وتسعى بعد ما بعد الحداثة إلى عودة الاهتمام بالذات الإنسانية، بدلا من تهكم وسخرية وفوضى ما بعد الحداثة، حتى أنها ـ بعد ما بعد الحداثة ـ جاءت تهذيبا للحداثة وما بعدها.

الملبدون يرتدون ملابسهم كمهرجين احتجاجا علي جائزة تيرنر
التلبيدية
نشأت «التلبيدية» في إنكلترا عام 1999، وهي مجموعة فنية أسسها تشارلز طومسون وبيلي تشيلدش، مع أحد عشر فناناً آخرين. أما اسم الحركة فقد اشتقه طومسون من إهانة وجهتها له صديقة تشليدش الفنانة تريسي إيمن، حين وصفت لوحاته بأنها «ملبدة، ملبدة، ملبدة، لا شيء فيها سوى الرسم». قاصدة أن صديقها ما زال يرسم على القماش بالفرشاة والألوان، ولم يوظف الفيديو أو التجهيزات، أو الأداء على الطريقة المعهودة في فن ما بعد الحداثة. (أنظر معن الطائي وأماني أبو رحمة. الفضاءات القادمة الطريق إليّ بعد ما بعد الحداثة، أروقة للدراسات والترجمة، القاهرة،2011). فهو لم يزل (عالق) في ما مضى. ومن هنا جاءت الفكرة بإنشاء الحركة للاعتراض والمطالبة بالعودة لفن الحداثة وما قبله ورسم الموضوعات والأشخاص عوضاً عما يفعله الفنانون المفاهيميون ـ ما بعد الحداثيين ـ الذين أخفوا معالم الفن حسب رأي طومسون.
مانيفستو التلبيدية
أصدر المؤسسون بيانهم الأول في العام نفسه من تدشين حركتهم، والذي انتقدوا فيه بشدة فنون ما بعد الحداثة والمفاهيمية، خاصة التوجه الجديد للتخلص من اللوحة في الفنون. مؤكدين على أهمية الفرشاة واللون للتعبير الإنساني الصادق للمشاعر والخبرات، وتضمن البيان 20 بنداً، يمكن اختصارها في بعض السمات الأساسية.. فقد وصلت ما بعد الحداثة، في محاولاتها البلهاء المراهقة لتقليد مهارة وحرفية وبراعة الفن الحداثي، إلى طريق مسدود. وما كان في يوم من الأيام محرضاً ومثيرا واستكشافيا، كالدادائية مثلاً، غدا بفضل ما بعد الحداثة وسيلة بارعة للاستغلال التجاري. ولذلك تدعو التلبيدية إلى فن حي على أصعدة الخبرة الإنسانية كافة. وتتوق إلى توصيل أفكارها من خلال توظيف الأصباغ البدائية، وإلى اختبار نفسها بوصفها ليست براعة أو حرفة على الإطلاق.
فاللوحة ما هي إلا وسيلة لاكتشاف الذات، والفنان الذي لا يرسم، ليس فناناً، فالفنان المقصود ليس مهنياً، بل هو هاو محب للفن. إنه يخاطر بالرسم. وإذا كان هاجس الفنان المفاهيمي هو الحرفية والمهارة ودقة الصنعة فإن الفنان الملبد هو أن يكون مخطئا على الدوام.
ونستطيع أن نستنتج من هذا البيان أن الحركة في مُجملها ضد ممارسات ما بعد الحداثة في الفن، بداية من القيمة الاستهلاكية لفن ما بعد الحداثة، التي حوّلت العمل الفني إلى (سلعة) وقبل ذلك حوّلت الفنان نفسه إلى سلعة في سوق كبير، فكان الارتداد إلى حداثة واعية في شكل جديد تعتمد اللوحة التقليدية والروح الفنية، بعيداً عن ترهات ما بعد الحداثة ورُعاتها من مستهلكي الفن.

بيلي تشايلدش السكير