باريس ـ «القدس العربي»: ضيق المكان غير مشروط بحدود للأفق. في أحد الأحياء الباريسية الراقية يضع الباحث الأكاديمي متحف عايد ترابين ملامح آلاف من السنوات وآثارها في شقة صغيرة المساحة.
ترابين، فلسطيني مستقر في مدينة باريس، هو باحث في جامعة السوربون، ممثلا للاتحاد الأوروبي للمؤرخين الأثريين الفلسطينيين في القارة الأوروبية، ومنسقا دوليا للجنة الوطنية للمتاحف الفلسطينية في المجلس الدولي للمتاحف التابع لليونسكو في باريس، وذلك بعد رحلة علمية بدأت من روسيا مرورًا باليابان وصولاً إلى فرنسا، مكنته اليوم من امتلاك خبرة نظرية وعملية في طرق إدارة الدبلوماسية الثقافية الدولية، التي طورها من خلال خبرته ودارسته لمجال لعلم المتاحف الروسي والياباني والفرنسي والسويسري، كما يري لـ«القدس العربي».
معتمرا كوفيته، ومرتديا ثوبا مع زنار فلسطيني مطرز وعليه عباءة تقليدية ومستندا إلى الخبرة المتراكمة والإرادة الجامحة لتطوير علم المتاحف الفلسطيني والمساهمة في حفظ وصيانة التراث الفلسطيني، قرر الباحث متحف ترابين أن يؤسس أكاديمية علم المتاحف الفلسطيني والعربي في باريس، والتي تتضمن من بين أمور أخرى متحفا سمي «متحف تراث من عبق التراب»، لإعادة احياءٍ متحف العائلة الذي كان في فلسطين، والذي أسس في عام 1790، وكان حينها أول متحف خاص في فلسطين ومعترف به من السلطات العثمانية، وبقي فاعلا حتى عام 1948، يروي الباحث.
في هذا السياق، يشرح متحف ترابين أن إعادة إحياء متحف العائلة كانت وصية جدته الطبيبة حليمة عايد ترابين، التي كانت آخر مديرة لمتحف العائلة في فلسطين، مشيراً إلى أنها هي من سمّته «متحف»، وأوصته بالتسمك بتراث العائلة.
في متحفه الصغير بقلب باريس من حيث الحجم والكبير من حيث المضمون، يوجد كنز مما لا يقل عن 5 آلاف قطعة، بما في ذلك مقتنيات نادرة، يؤكد متحف ترابين، مشيراً إلى أن العديد من الباحثين والمهتمين من جنسيات مختلفة، يتردون عليه. من القطع التي تجذب اهتمام الزوار: الألبسة والمطرزات الفلسطينية، والحلي، والطوابع والعملات، والسيراميك، والخزف والمنحوتات الصدفية، والنحاسيات والتمائم. يُضاف إلى ذلك الكتب والمستندات واللوحات الفنية ومواد أخرى. كما تُعرض بعض القطع المتنوعة التابعة لمجموعات خاصة، من أبرزها مجموعة من مقتنيات جامع الفن والتراث الفلسطيني لؤي بشارة.
ويوضّح الباحث لـ«القدس العربي» أنه بحكم المساحة الصغيرة للمقر، يصعب جدا عرض كامل المجموعة بشكل مناسب حتى يعاينها الزوار من باحثين ومهتمين في التراث الفلسطيني، وذلك بسبب أن الأكاديمية تواجه تحديات مالية كبيرة تمنعها من اللجوء إلى مقر أكبر مساحة، لتوفير عرض للمقتنيات وغرف كافية لاحتياجات الدراسة والبحث والتخزين، ناهيك عن الرغبة في مخطط لتأسيس مختبر لترميم المقتنيات النسيجية الفلسطينية، بما في ذلك المطرزات والسجاد. وكذلك إقامة مختبر لترميم المقتنيات الأكثر عرضة للتلف والاندثار، بالإضافة إلى مخطط في إنشاء قسم داخل الأكاديمية يتخصص في الطب الشعبي الفلسطيني.
اليوم، يروي ترابين أن المتحف هو المختبر الحي لأكاديمية علم المتاحف الفلسطيني والعربي التي أسّسها في باريس عام 2022، وتمثل نقطة انطلاق جديدة للباحثين والمختصين في مجال الثقافة والتراث. ويوضح الباحث: «المتحف يغذي الأكاديمية من جهة أولى بمقتنيات عديدة ومختلفة، التي تحتاج إلى دراسات وأبحاث وصيانة، ومن جهة ثانية تحوي الأكاديمية على مكتبة علمية ضخمة تضم أكثر من ألفي مرجع صادرة بعشر لغات مختلفة، وتشكل هذه المكتبة العلمية رافعة مهمة لفهم ودراسة قطع التراث الفلسطيني المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، تهتم الأكاديمية أيضا بدراسة وتوثيق الموروث الشعبي الفلسطيني المتعلق بثقافة الطب الشعبي. فهي تسعى في نهاية المطاف لبناء مشروع يوازن بين الحفاظ على الذاكرة وصيانها وأيضا الحفاظ على الجسد وصيانة صحته. ويوضّح الباحث أن الاهتمام بالتوازن ما بين الذاكرة والجسد يشكل المضمون الأساسي لمصطلح علم المتاحف الفلسطيني، وأن هذا الدمج هو أحد الميزات التي يختلف بها المتحف عن مفهوم علم المتاحف في الثقافات الأوروبية المختلفة. ومن خلال هذا المفهوم تشكلت رؤيا أن تكون الأكاديمية عبارة عن «مستشفى ثقافي» للحفاظ على صحة الذاكرة والهوية والجسد، وهذه مفاهيم يؤكد الباحث متحف عايد ترابين، لـ«القدس العربي» دائماً، أنه ورثها عن أجداده وأسلافه.
من أهم إنجازات الأكاديمية ، ان لم يكن أهمها كان تأسيس اللجنة الفلسطينية للمتاحف – ايكوم فلسطين – ضمن المجلس الدولي للمتاحف وهو بمثابة انجاز كبير تم التوصل اليه بعد جهود حثيثة دامت لمدة 6 سنوات. حيث من الواضح أن الخبرة التي استطاع الباحث ترابين أن يراكمها في مجال الدبلوماسية الثقافية الدولية، وهي خبرة طورها من خلال دراسته لعلم المتاحف الروسي والياباني والفرنسي والسويسري. والاعتراف بـ” ايكوم فلسطين” هو بمثابة انجاز وطني مهم، وهو أمر حرمت منه فلسطين منذ تأسيس المجلس الدولي للمتاحف منذ عام 1946 .