بيروت ـ «القدس العربي»: للمرة الثالثة تضيف الفنانة رين صعب إلى سجلّها المهني أنها مخرجة ومنتجة لعملها المسرحي. فقد عرضت على خشبة مسرح دوّار الشمس مسرحيتها الجديدة و«انطفت» والتي سبق وتوقفت بفعل الانتفاضة في 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 ومن ثمّ أجّلتها طويلاً جائحة كوفيد. وإذ به عرض يحاكي واقع الحال اللبناني، ويقرأه قبل أن يُفصح بوضوح عن نفسه. أما المسرحيتان اللتان سبقتا «انطفت» فهما «هالقد رخيص» و«فلتانة». ففي «انطفت» أدّت صعب دور البطولة بجدارة. وإلى جانبها تميز الممثلون بحضور جلي كل في دوره، إلى جانب التناغم والتواصل الإيجابي الذي ساد الفريق.
إلى ذلك تعمل رين صعب كمنتجة ومدرّبة تمثيل وأداء. وقد سبق انفرادها بالإخراج المسرحي مشاركتها لزميلتيها نتالي كتورة ونتالي سلامة في إخراج مسرحية «الزودة». كذلك في رصيدها عدد من الأفلام القصيرة. تجذبها الشاشة الصغيرة بدون شك لكنّها لن تستبدلها بالحضور على المسرح. فللمسرح وقعه الآسر، والتواصل مع الجمهور لا يعوضه أي فن آخر.
مع رين صعب هذا الحوار:
○ رين صعب خريجة معهد الفنون ممثلة ومخرجة. هل أنت متفرّغة كلياً للفن؟
•أعمل كأستاذة جامعية في جامعتين خاصتين، حيث أتولّى فيهما تدريس كتابة السيناريو والمسرح والآداء. إلى جانب التدريس أمتلك محترف تمثيل خاص بي منذ سبع سنوات، إلى جانب عملي كمنتجة وممثلة ومخرجة. إذ يمكن القول بأن حياتي محاصرةٌ بالفن تقريباً.
○ »انطفت» هي أحدث مسرحياتك فأين تقع في حياتك المهنية؟
•المختلف في «انطفت»، أننا ناضلنا معاً. فهي انتظرت الفرص، وعانت كما عانيت تماماً. عشنا معاً أصعب السنوات التي مرّت على لبنان والعالم. وهذه الحقيقة تجعل منها منعطفاً هاماً في حياتي المهنية، أكّد لي أنّي جديرة بعملي، وأن شغفي ما زال هو هو رغم الأحداث الهستيرية التي حلّت بنا. «انطفت» كيان بحد ذاته، سبقت واقعها بسنتين، وهي بالتأكيد علامة فارقة في مسيرتي المهنية.
○ بذلت جهداً كبيراً جسدياً وذهنياً في دور «صلاح» كما شعرنا كمتفرجين. ما هي مشاعرك حيال هذا الدور؟
•صلاح شخصية مركبة، تطلّبت مني جهداً كبيراً لتخرج بالشكل الذي شاهده الناس. فهي تعكس النفس البشرية بكل ما تنطوي عليه من تناقضات، امرأة من الطبقة المسحوقة التي لا تملك حولاً، عنيدة، و«قد حالها» استطاعت هزم واقعها المزري. وبالنهاية انتصر عليها شرّها. هكذا هو الإنسان يقف بوجه كل شيء ويضعف أمام مشاعره، أليست هذه السيرة جديرة بأن تكون شخصيّة مسرحية فريدة؟ لقد أحببت شخصية «صلاح» وتأثرت بها، وأكثر ما يجعلها مميزة، هو إفتقارها الى المثالية. فهذا هو جوهر الكيان البشري.
○ لماذا اختيار اسم «صلاح» لهذه الشخصية؟ هل لأنها شخصية امرأة «أخت الرجال»؟
•لإسم صلاح حكاية أخرى في حبكة المسرحية، إلّا أن الدلالة الفنية قريبة من قراءتك. انتظر الوالدان ذكراً، فكانت صلاح، الأنثى. اسم صلاح تضمين لكل أنثى صَدَمَت بولادتها ذكور القبيلة.
○ كم يقارب نص «انطفت» قضايا المرأة في مجتمعنا وكيف؟
•»انطفت» تتبنى قضايا المرأة بصورة واضحة، وتعرضها في قوالب شتّى، كالتنميط والأحكام المسبقة والاضطهاد والاستغلال الجنسي. ولكن المعالجة الدرامية لهذه القضايا لم تَعرِض حكماً واضحاً، بل اكتفت بعرض هذه المشاكل للمشاهد، مع كشف أبعادها ومدى تأصلها في المجتمع ليتمكن من التعاطي معها بنضوج، وهذا ما يجعل من العمل مقاربة ناجحة للواقع الذي تعيشه المرأة اليوم.
○ بين عرض تشرين الأول/اكتوبر 2019 وأيار/مايو 2022 هل احتفظ نص «انطفت» على صيغته الأولى أم طرأت عليه تعديلات؟
•نص «انطفت» عُرِض بكتابته الأولى كما هو، لم تمسّه تعديلات، وهذا شكل صدمة للكثير من المشاهدين. فالعرض ينطوي على مشاهد وظواهر مجتمعية وتعابير لافتة لم تكن موجودة حين كُتب، ثم تحوّلت إلى واقع نعيشه، فمن سيصدق أنّ عبارة «كلّن يعني كلّن»، سبقت انتفاضة تشرين بسنة كاملة؟ هذه المفارقة شجعتني على إبقاء النص على ما هو عليه.
○ وماذا عن الممثلين هل كان اختيارهم مريحا؟
•كل بطل من أبطال المسرحية أدّى دوره على أكمل وجه، وهذا ما بدا جلياً للمشاهدين. ولعّل أداءهم الإبداعي المتفاني، الممزوج بروح الشخصيّة خير دليل على الراحة التي لمستها لدى اختيارهم. كوهاريغ كيروبيان، وميري بو خرس، وجوانا تيمازو، وعمر بقاعي، وجاد سعد. جميعهم شكّلوا خياراً صائباً بلا شك.
○ النص صريح وفصيح بنقده للسلطتين الدينية والقضائية، هل نقول أن صدر الرقابة رحب أم غضّوا الطرف لأن المقصود جمهورية «تاهانا»؟
•لم يكن للرقابة صدر رحب بقدر ما تتصورين، فـ «انطفت» بقيت في ضيافة الرقابة ما يقارب 3 أشهر لاعتراض بعض السلطات الدينية على محتواها. للأسف استحصلنا على إذن العرض بعد إجراء تعديلات. في الواقع هي تعديلات ظاهرية لم تؤثر على روح العمل. وفيما يخصُّ بالسلطة القضائية فلم يواجه النص أية عقبة، وأعتقد أن السبب يعود للهدف من النقد. فالنقد على خشبة المسرح يهدف للتغيير، والتحسين، لا للهدم، ونقدنا لمماطلة القضاء وفساده لا يعدو كونه دعوة لإصلاحه.
○ لنتعرّف إلى تعاونك مع الكاتبة نور رجب في كتابة نصوص مسرحياتك؟
•هذا هو تعاوني الثالث مع الكاتبة نور رجب. بدأنا التعاون الفني كثنائي إخراج – كتابة في مسرحية «هلقد رخيص». حتماً «انطفت» ليس العمل الأخير الذي سيجمعنا. لتعاوننا معاً أبعاد مختلفة. تعاون قريب من الفن، بعيد عن «البيزنيس» وهذا ما يجعل من كل نص نعمل عليه، عالماً مختلفاً بشخصياته وأبعاده. أهم ما يميز الكاتب هو قدرته على الخلق، والتوقع، والصياغة الإبداعية. ونور متمكنة من الحرف والحدث معاً، وهذا ما يجعل من نصها نصاً استثنائياً ويشجعني على اعتناقه كمخرجة بكل سرور وحماس.
○ هل من تناغم في الأفكار بينكما وكيف يتجلّى في النص؟
•تناغم الأفكار بيني وبين نور واضح، وهذا ما أثمر استمراراً في العمل المشترك، ليس في المسرح فقط بل في أعمال فنية عديدة. وأعتقد أن هذا التناغم ينعكس إيجاباً على أعمالنا ويبدو ظاهراً بوضوح، امتلاكنا للشغف عينه، وهو الفن. أما على صعيد النص، فما يؤدي لتظهير التناغم ووضعه في الواجهة، هو اقتراب خيال الكاتب من خيال المخرج، وهذا ما نتفق عليه أنا ونور رجب، الأمر الذي يجعل العمل أكثر تماسكاً وديناميكية.
○ كيف سارت درب الفن معك؟ ما هي المراحل التي قطعتها وصولاً إلى يومنا هذا؟
•درب الفن «بدو نفس طويل» وأنا نفسي طويل، ومستمرة. الفن الذي لا يبتغي الربح يتصف بصعوبة التنفيذ. إلا أنّ حلاوته تطغى على مرارته، ومن يعيش للفن لا يحيى بسواه، وقد مشيت على هذا الدرب بخطوات ثابتة. وأنا على يقين بأنني سأواجه صعوبات كثير. وما زلت أتعامل مع الأخيرة كتحصيل حاصل للتقدير الذي يحصده العمل الفني الأصيل.
○ هل جذبك التمثيل بغير المسرح؟
•يجذبني التمثيل في شتّى أشكاله، إلّا أن المسرح آسر، ومختلف، ولا أعتقد أن التمثيل أمام الشاشة يغنيني عن «وقفة المسرح» والتعاطي المباشر مع الجمهور. إلا أنني لا أمانع بالمشاركة ببعض الأعمال الفنية المصورة بين حين وآخر.