في أواخر القرن التاسع عشر وجد الكاتب والفيلسوف الأمريكي (إلبرت هوبارت) الخواء الروحي مستفحلاً في أبناء بلده وأنّهم مُنكبّونَ على إشباع بطونهم وحاجاتهم المادية التي أصبحت تتحرك من خارج إلى داخل دائرة الحاجات الأساسية بفعل الثورة المادية العالمية، فقال ‘لن تصبح هذه البلد ذات حضارة حتى تُنفق على الكتب أكثر مما تنفق على شراء العلكة’.
أنا الآن أكتب من هذه المدينة الميّتة روحياً، لا أهتم كثيراً للنّهاية التي وصلت إليها لأنّ النهايات في حقيقة أمرها نتائج، أما البدايات فهي الأسباب المسئولة تماماً عن أي نهاية.
كنت أتجول قبل أيام في أحد شوارع هذه المدينة – التي لا أعرف كيف تنتمي لهذا الكوكب حتى الآن، وكيف لم تُدفن بعد – حيث أردتُ أن أقصد مكتبةً مركزيةً فيها، وقد كانت آخر مرة زرتها فيه قبل عام تقريباً، فقد كانت تحتوي على كُتب ذات عناوين ومجالات مختلفة وموزّعة على جدرانها الأربعة وهي بمساحتها لم تكن تتجاوز ال100 متر مربع تقريباً، وعلى صغر مساحتها إلا أنها كانت تُعدُّ من أكبر المكتبات في هذه المدينة. ولما وصلتُ، اشتبه عليَّ المكان نظراً لأعمال بناء وترميم غيّرت ملامحهُ، غير أنّي كنت واثقاً تماماً بأنّني أمام المكتبة التي أعرفها، ولكنْ بدلاً من أن أرى كتباً معروضة في المكان رأيت ‘أحذيةً’!. فقطعت الشكَّ باليقين ودخلته وسألت رجلاً يجلس أمام مكتب صغير فيه ‘وين المكتبة اللي كانت هنا؟’ فأجابني ضاحكاً ‘بطّلت توفّي مع صاحبها وأنا هنا الآن صار لي أكثر من ستة شهور’، فخرجت مصفوعاً بكفٍّين من الذهول والعجب . الأمر ليسَ أنّ مكتبةً حلَّ مكانها محل لبيع ‘الأحذية’ فحسب، ولكن، هذه المكتبة هي الوحيدة في شارع هذه المدينة الرئيسي، وهي إحدى ثلاثة مكتبات مركزية فيها على الإطلاق.
لعلي أكون محقّاً لو سمّيت هذه الفترة من تاريخ هذه المدينة ‘فترة الانحدار والهبوط المدوّي على المستوى الثقافي والمعرفي’، وليسَ ذلك بسبب ما حصل من إحلال ‘الأحذية’ محل ‘الكتب’ على وجه الخصوص، ولكنَّ الحالة الثقافية والمعرفية في الحقيقة تبدو بالية تماماً في السنوات القليلة الماضية على مستوى هذه المدينة، ويبدو أنَّ كلّ يومٍ تالٍ في التاريخ رقمياً، هو يوم أو سنة للخلف معرفياً وثقافياً ! وكثير من الأحداث التي تُشيرُ إلى هذا الانحدار التي ربّما تخفى عن ‘ السلطة الرابعة ‘ ولكنّها لا تخفى عن العين الرائية والطّلُعة والتي ترصد هذا الانحدار بكل بساطة، إنّها عين القارئ الذي اعتاد أن يكون حراً فيما يقرأ، والذي يعرفُ مدى الرقي أو الانحطاط الذي في البلد بناءً على هذه النظرة وفقط.
أحاول أن أحصر أسباب هذا الانحدار الثقافي والمعرفي الذي يسْهُلُ على أي شخصٍ حتى الذي لا يعرف القراءة أن يقولَ أوّلها بعفويةٍ تامة، أولاً: تردّي الحالة السياسية السائدة والذي ينعكس تلقائياً بأن لا يُعارَ هذا الجانب الجانب الثقافي أيَّ اهتمام، لأنّ المستفيدين من هذه الحالة السياسية لا يرون في ‘الثقافة الحرّة’ ولا في ‘العقول المستنيرة’ مصلحةً لهم، بل إنهم يرون في ذلكَ خطراً يتربص بهم، فيضعون قيوداً على الكتب المعروضة في المكتبات العامة، ويمنعون نشر كتبٍ يعتبرونها مثلاً ‘تابو’ أو أنها ‘كوميديا سوداء’!. وفي الحقيقة هذه كلمات حقّ يُرادُ بها باطل. فمثلاً، في معرض غزّة للكتاب في أكتوبر 2012، كانَ هناكَ مسخرة ثقافيةً حقيقة ومسْخ للثقافة الحرّة إلى أدنى شكل ممكن أن يعرفه التاريخ المعرفي الحديث، ففي هذا المعرض، لم يكن مسموحاً أن تُنشر كُتب ذات دلالات دينية أو فلسفية أو حتى أدبية ‘خادشة للحياء’ كما يرونها. كنت مع صديقٍ يومها هناكَ فرأيت كتاباً عنوانه ‘وليمة لأعشاب البحر’، للوهلة الأولى ظننتُ أنّهُا الرواية الشهيرة للأديب السوري حيدر حيدر، فأخذته مباشرةً وفتحتُ صفحته الأولى وإذ به كتاب يضربُ أسافينَ ويلعن ويُكفّرُ صاحب وقارئ وكل من يروّج لهذه الرواية! .. وهذا مثالٌ واحدٌ من كثير.
ثانياً : يبدو أنَّ الصراع بين الثقافة والجهل أزليٌّ أبديٌّ، وهذه – كغيرها – مرحلةٌ عابرة من تاريخه، ويبدو أيضاً أنّ الجهلاءَ في هذه الجولة يحرزون انتصاراً حقيقياً، وكما قال ونستون تشرشل ‘المدخّن الشره الذي يقرأ كثيراً عن أخطار التدخين، لا بدَّ يوماً أن يُقلعَ عن القراءة ‘، إنّهم هؤلاء الذينَ يرونَ في أنَّ الأشياء المادية البالية كالأحذية مثلاً أفضل وأيسر لتحقيق الكسب والمتعة من تلك الكتب التي لا تضاهيها في ذلك.
أكتُبُ الآنَ من مدينةٍ عُرِفت أولى حضاراتها قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، وعلّمتِ البشريةَ فنونَ الكتابة والصناعة والبناءِ وغيرها، وهذه المدينة التي مرّ عليها الكنعانيّون والفينيقيّونَ والأموريّون والكلدانيون والفرس والرّوم والمسلمونَ وغيرهم تبدو وكأنّها لا تعرفُ هؤلاءِ الأسلاف العِظام، الذينَ أعطوها إسمها، وعرّفوها بِبحرها ورملها. يبدو أنّها الآنَ تولى رغيفَ الخبزِ على كلِّ هذا الإرث العظيم، وأكرر ما قاله الأديب الأمريكي راي برادبوري ‘ليس عليك أنْ تحرق الكتب لتدمر حضارة، فقط اجعل الناس تكفّ عن قراءتها سيتم ذلك’.
أكتبُ الآن من هذه المدينة التي تحترق الآن، ليسَ حرقاً ‘نيرونيّاً’ بأنْ يُشعل أحدهم فتيل الأرض من أولها فيحرقها من عند آخرها. ولكن من نوع آخر يؤدي نفس الغرض، فهذا الحريق الثقافي والمعرفي يلتهم الشباب الذي هم الغد، ولست بصدد التهجّم على المتسببين في هذه الحالة – مع أنّه من المفروض التهجهم عليهم وفضحهم وتعريتهم – ولكنّي بصدد إثارة هذا الموضوع ليعرفَ الذينَ يقدّرون قيمة القراءة والثقافة في أيِّ مكانٍ إلى أيِّ مستوى بائس وصلَ إليه أهل هذه المدينة التي تغمّدها الله برحمته منذ فترة، وفي الحقيقة نعيشُ على هيكلها، نقتاتُ كالدّودِ مما تبقّى من موادّ هذا الهيكل العضوية، والبوم والغربانُ حولنا تُكملُ المشهد! ..
*أديب فلسطيني