القاهرة ــ «القدس العربي»: لا يقتصر العمران على البنايات التي نسكنها، بل يمتد ليشمل علاقة المبنى وما يحيطه من شوارع وميادين مع ساكنيه ورواده، مكان عمل كان أو سكن، أو حتى مكان ترفيه. فأشكال العمارة وتطوراتها لا تأتي مصادفة، بل من خلال صياغة علاقة اجتماعية وسياسة بين الناس والمكان. حول هذه العلاقة وتبعاتها جاءت محاضرة كل من الباحثتين أمنية خليل وداليا وهدان، في إطار مشروع (سكة معارف) بالتعاون مع جمعية النهضة/الجيزويت في القاهرة.
الشخصي والسياسي
بداية لا تفرق الباحثة أمنية خليل ما بين الشخصي والسياسي، وترى أن هذه المقولة ظهرت في ستينيات القرن الفائت، وتعني أن التاريخ الشخصي للإنسان يبدو سياسياً في الأساس، ومرتبطا بما يحدث في العالم. فما يحدث في البيت هو جزء مما يحدث في الشارع، فلا فارق بين خاص وعام، وإن كان الأخير له أكبر الأثر في صياغة أو إعادة صياغة حياة الناس.
وكل شخص له علاقة وحكاية مع المكان، سواء العيش أو العمل، وجوهر هذه العلاقة تحدده كلمة (العمران). فما تقوم به دولة من الدول في مجال العمران، من تخطيط مدن وعزل بعضها عن بعض، أو حتى ترحيل بعض السكان من منطقة لأخرى، كل هذه القرارات تتحدد وتتشكل معها أنماط حيوات أخرى، بل وتنتج صيغة أخرى يعيش الناس من خلالها.
عمارة الاستعمار
وبالنظر إلى التخطيط العمراني لمنطقة وسط البلد في القاهرة، على سبيل المثال، نجده وقد انتقل من باريس ــ فكرة ميدان كبير تخرج منه شوارع فرعية ــ الأمر نفسه تكرر في نيودلهي في الهند، هذه العمارة التي انتقل طرازها من الدول الاستعمارية إلى المستعمرات، فسميت بعمارة الاستعمار، ولكن التفكير من خلال العمارة يوضحه أكثر فالتر بنيامين في عدة نقاط أو مظاهر شديدة التأثير في علاقات وحياة الناس وأنماط معيشتهم.
من طراز لويس الرابع عشر إلى السَرْمَكَة
يتحدث بنيامين عن عدة مظاهر أو ثيمات، نذكر منها.. ثيمة (الداخل)، فكيف يبدو المكان من الداخل، أو كيف لابد أن يبدو من الداخل، حتى يحمل سمة التحضر والحداثة. كيف سيكون شكل البيت أكثر تحضراً، وينتمي إلى عصر جديد من خلال أثاثه، كطراز مفروشات تحت اسم (لوي فيليب)، الذي تطور حتى الأثاث ينتمي إلى (لويس الرابع عشر)، ومن هنا نجد أن هذه التصميمات تغيرت وتطورت وأصبحت رهناً باللحظة السياسية والاجتماعية.
تشير الباحثة داليا وهدان إلى فكرة المشروعات القومية واختلافها باختلاف النظام السياسي وتوجهاته، ومدى علاقة هذه المشروعات بفكرة المواطنة على أرض الواقع، الذي يتمثل الآن في مستثمر ودولة تخدمه وناس مغلوبين على أمرهم.
الأمر نفسه التفت إليه ــ حسب الباحثة ــ صنع الله إبراهيم في رواية «ذات»، التي كانت تأريخاً اجتماعياً لتبعات عصر السادات وبداية عصر مبارك، كيف كانت حياة الناس في الستينيات، وكيف تحولت إلى النقيض في السبعينيات، وتستدل الباحثة بحكاية إصرار ذات على تغيير بعض مظاهر بيتها، وقد أطلق صنع الله إبراهيم على هذه العملية (الهدم والبناء) ساخراً من شعار سياسي معروف وقتها، كما أطلق على ما تقوم به ذات بـ»سياسة السَرمَكَة»، أي وضع السيراميك على حيطان وأرضية الحمامات والمطابخ، كانت موضة وقتها، ومظهر من مظاهر التطور والتمدن، وهو ما أتى به وارد الخليج من العمالة المصرية، رغم كونه لا يتماشى والمناخ المصري.
المتاريس وقصر عابدين
وبالعودة إلى فالتر بنيامين، نجده يتحدث عن ثيمة (المتاريس)، التي بدأت مع الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، وقتها أقامت الجماهير الحواجز في صراعهم مع الأمن/السلطة، حتى أتى المخطِط العمراني (هاوسمان)، وقلب شكل باريس، فلا وجود لشوارع ضيقة، بل ميادين وشوارع واسعة حتى يتم تأمين المدينة من الحرب الأهلية، ومن الاحتجاجات تحت نظام الطوارئ، متفادياً بذلك حرب الشوارع.
الأمر نفسه حدث في تصميم (قصر عابدين) في القاهرة، فالقصر يطل على ميدان كبير، وبذلك يستطيع الحاكم أن يرى كل ما يحدث أمامه في الميدان، فالمساحة الواسعة المكشوفة لا تتيح لأحد الاختباء، وهي الفكرة التأمينية نفسها التي نفذها هاوسمان في باريس لتأمينها من الخارجين على السلطة.
المواطن الفاضل في المدينة الفاضلة
من ناحيتها تشير الباحثة داليا وهدان إلى فكرة المشروعات القومية واختلافها باختلاف النظام السياسي وتوجهاته، ومدى علاقة هذه المشروعات بفكرة المواطنة على أرض الواقع، الذي يتمثل الآن في مستثمر ودولة تخدمه وناس مغلوبين على أمرهم. أو يصبح الأمر من قبيل (الأمن القومي) ــ شكل دولي من الاستثمار ــ كإخلاء بعض الأراضي في سيناء، وبالتالي تغيير الهوية والوضع القانوني لساكنيها.
العنف
وتضيف وهدان بأن هناك العديد من مظاهر العنف غير المباشر المتعلقة بالعمران، فسياسة البلدوزر لم تعد هي الحل الأمثل أو الوحيد، فهناك الكثير من الأمثلة.. كإلغاء إصدار بطاقات الهوية الشخصية في منطقة ما، حتى لا يتم إثبات انتماء سكانها إليها. نشر الإشاعات بين الناس بأن يتم إخلاء جزء من منطقة دون آخر، فلا يتحد أصحاب الجزء الآمن مع الآخرين، وفي النهاية يتم إخلاء المكان بالكامل.
هذا ما تقوم به الدول تجاه المواطنين، أما عنف المواطن مع المواطـــــن/المالك مع المستأجر فله شكل آخر.. فالمالك في بعض الحالات يُجبر المستأجريـــن على التوقيع على إيصال أمانة بمبلغ الشـــقة! حتى منظمات المجتمع المدني، التي تقوم بمشروعات تنموية في بعض المناطق الموصومة بالعشوائية ــ حسب وصف الدولة ــ فعملها مرهون بأن تحقق أرباحاً في خطة زمنية محددة.
مواطنة متمردة
وفي الأخير ترى الباحثة أنه بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني ظهر انتعاش في تشييد المناطق الأهلية من قِبل مواطنيها، فعمليات البناء كانت تتم في سرعة شديدة ــ بيت مكوّن من خمسة أدوار يُبنى في ما لا يتعدى العشرة أيام ــ هذه الحالة العمرانية التي يطلق عليها مصطلح.. المواطنة المتمردة.