من أحد عروض المهرجان
القاهرة ـ «القدس العربي»: تم افتتاح الدورة الـ(31) لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، وسيستمر حتى الحادي عشر منه. بدأت العروض المختلفة، سواء المشاركة في المسابقة أو على هامشها، وكذا الندوات والورش الفنية في اليوم الثاني من أيام المهرجان. بخلاف عرض الافتتاح المصري «صدى جدار الصمت» للفنان وليد عوني.
تدور الندوات في مجملها حول عنوان (المسرح وصراع المركزيات)، ونستعرض بعض ما جاء في ندوتين بعنوان.. «النماذج الجمالية ومقاومة المركزية»، و»تعويم الهوية المسرحية»، حيث تمت مناقشة العلاقة بين المسرح العربي والغربي، وهل بالفعل يمتلك المسرح العربي هوية دالة على وجوده، أم مجرد تابع للتجارب المسرحية الغربية؟
تجربة أكثر ضياعا
عبر ورقتها البحثية المعنونة بـ«نظرية المسرح وتمثيل المرجعيات بين التحوّل والاضطراب» ترى الأكاديمية الأردنية نجوي قندقجي أن تجربة المسرح العربي تلعب دوماً دور المتلقي والمستهلك والمُقلد والمُجاري، رغم أطروحات التأصيل ومحاولات إيجاد هوية للمسرح العربي، إلا أنها لم تستطع تجاوز الفجوة التاريخية، حيث لا يمكن تجاهل بحث المسرح العربي عن طرق لتمثيل مرجعياته، وهو الذي ولد من خارج مرحلة التأسيس ــ بمعنى أنه جاء تقليداً للمسرح الغربي، دون المرور بظروفه الاجتماعية والسياسية، كأغلب النظريات والمظاهر الثقافية الأخرى ـ سواء كانت على صعيد الموضوع أو الشكل أو الأدوات. وأضافت قندقجي أنه مع انشطار النظرية المسرحية إلى مسارات غير واضحة المعالم، تصبح التجربة المسرحية العربية أكثر ضياعاً. واختتمت كلمتها بعدة تساؤلات مهمة، منها، ما هي مرجعيات العرض المسرحي العربي اليوم؟ وكيف يستطيع التجريب أن يملأ الفجوة الفاصلة بين تحوّلات المسرح الغربي وفوضى التجربة العربية؟
الديكولونيالية وتجاوز المركز
من جانبه قدّم الناقد التونسي حاتم التليلي، ورقة بحثية بعنوان «نحو مـسرح ديوكولونيالي»، عارضاً بعض الأسئلة اللافتة عن طبيعة المسرح الأوروبي وحداثته، منها ما الذي سيتبقى من المسرح الغربي لو لم يعد برشت إلى ثقافة النّو والكابوكي؟ أو لم يقم بيتر بروك بمعالجة (المهابهاراتا) مسرحيا؟ أو لم يلجأ انطوان آرتو إلى ثقافة الشرق؟ وكذا لو لم يعد المسرح الغربي إلى الثقافة الافريقية؟ وبالتالي.. ما الذي سيتبقى من المسرح العربي لو استأصلنا منه مناهج المسرح الغربي وتوجهاتها الجمالية والفكرية؟ وهل يمكن اليوم الحديث عن مسرح ديوكولونيالي، تتبدد من خلاله النزعة المركزية للآخر ومنه تنتهي أسطورة التمركز الغربي؟ ويرى التليلي استحالة التجريب دون تبديد الأضاليل الفكرية والجمالية ومزاعم التثاقف، وأن التجريب يعد سلاحاً لتحطيم النماذج المسرحية السائدة، سواء عربية أو غربية. وما (الديكولونيالية) إلا رهان جمالي وثقافي خارج فكرة التمركز وتجلياتها المختلفة.
وعي الإخراج المسرحي
وفي ندوة (تعويم الهوية المسرحية) قدّم الناقد المغربي عبد الواحد بن ياسر، ورقة بحثية بعنوان «تعويم الهويات في المسرح المعاصر»، متقفاً إلى حدٍ كبير مع حاتم التليلي، وإن كان من وجهة مختلفة، موضحاً أن التداخل والتمازج الثقافي في المسرح المعاصر، يعود لكون مفهوم الإخراج المسرحي نفسه حديث العهد، ولم يلجأ إلى هذا التداخل بشكل واع يستند إلى أسس جمالية واضحة إلا مع التجارب الطليعية لكل من مایر خولد، بریشت وآرتو، وبشكل أعمق مع المجموعات الفنية المختلطة والتي تتداخل فيها ثقافات وجنسيات مختلفة، كما تدل على ذلك تجارب بروك ومينوشكين. كما يمكن اعتبار منطقة الإخراج المسرحي أهم وأنجح مختبر تتم فيه مساءلة كل التمثلات الثقافية. ودلل بن ياسر بمسرحية (ريتشارد الثاني) لآريان مينوشكين، التي لجأت إلى المسرح الياباني القديم كشكل وفضاء مسرحي، إضافة إلى أسلوب الأداء المعتمد على فن الكابوكي.
فكرة عبثية
ويرى السفير العراقي علي شيبو ضمن ورقته البحثية «المرجعيات المركزية الاجتماعية ومفهوم التجريب في المسرح»، أن المسرح بالأساس ليس فناً أصيلاً في الثقافة العربية، لذا يصبح البحث عن هوية في الوقت الحاضر أمراً عبثياً، والأهم الآن هو الاهتمام بالفن ذاته، بأن يصبح المسرح جزءا أو مشروعا ضمن مشاريع الثقافة العربية، يوثق ويؤكد هذه الثقافة.
هجرة الهويات
ومن خلال بحث بعنوان «المسرح وصراع المركزيات»، يقول الأكاديمي المغربي مصطفى رمضاني.. لا ننتظر أن يبدع الناس جميعا شرقاً وغرباً وفق شعرية واحدة، باعتبار أنه لا توجد مركزية واحدة مؤثرة وفاعلة، وأخرى تابعة ومتأثرة، فلا توجد هوية خالصة، بل هناك هجرة دائمة للهويات وتداخل في ما بينها إلى درجة يصعب معها التعرف إلى ما هو أصيل فيها وما هو دخيل. ويضيف، من هنا نفضل الحديث عن تلاقح المركزيات بدل صراع المركزيات، ذلك بأن مبدأ الصراع قد يوحي بما يفيد معنى القضاء على الآخر، في حين أن الأمر يتعلق بحتمية تفاعل تقتضي الأخذ والعطاء، حتى إن توهمت إحدى المركزيات أنها الأقوى، أو هي المركز والآخر مجرد هامش، فهناك ما نسميه بالإرث المشترك الذي يفرضه تنوع المركزيات المعرفية وضرورة تفاعلها. وقد تعمق الوعي بذلك التلاقح بعد تطور وسائل التجريب المسرحي ووسائل التلقي معاً، إذ صار المتلقي لا يقنع بالجاهز ولا بالمألوف مما هو متداول في الشعريات التقليدية، وهذا ما فتح المجال أمام المبدعين المسرحيين وصناع الفرجة كي يطوروا أساليب إبداعاتهم بانفتاحهم على شعريات الحضارات الأخرى كما تؤكد ذلك التجارب المسرحية شرقا وغرباً.