القاهرة ــ «القدس العربي»: «والأفندي أحسن منّي في إيه؟ هو راجل وأنا راجل.. لكنه بيلبس بدلة يعني؟ ما أنا راخر بلبس جاكته على الجلابية، وفي رجلي جوز جزمة مُعتبر.. والنبي ومِن نبّى النبي نبي، أنا لو إني ما اعرفش أقرا ولا أكتب، لكن عندي مفهومية أكتر من مليون أفندي.. أصل حظي وحِش وتربيت يتيم». (عم إبراهيم أبو فانوس مطفي).
تأتي مؤلفات عالم الاجتماع المصري سيد عويس (1913 ــ 1988) كاشفة عن أدق تفاصيل المجتمع المصري وتطوراته، خاصة أن الرجل كان دوماً يبحث في تأصيل المظاهر الاجتماعية التي ينتهجها المصريون، وينتجون صيغة حياتهم من خلالها. الأمر الآخر الذي يعطي لمؤلفات عويس أهميتها، هو الاهتمام بالصوت الأضعف ــ الناس وسواد الشعب ــ بعيداً عن صوت النخبة، سياسية كانت أو ثقافية، فيوضح بذلك كيف يعيش (المتن) وينتج ثقافته، وكيف يرد (الهامش) بعيداً عن السلطة ذات الصوت الصاخب، وهو بالتالي وفي الأغلب يكون إلى الحقيقة أقرب. فمن خلال الممارسات الشعبية ـ العادات والطقوس ـ يحتفظ الشعب بما يؤمن به حقاً، بعيداً عن مؤسساته الرسمية، التي تفرض عليه نمطاً معينا من الاعتقادات والشعائر.
فالمنهج البحثي كان دوماً ضد الخطابات الكبرى، لذا تعد أبحاث الرجل ومؤلفاته أقرب للنهج ما بعد الحداثي، الذي انتهكه الكثيرون في تقليد أعمى للكتابات الغربية، بدون وعي أو معرفة.
ومن مؤلفات سيد عويس نذكر، «من ملامح المجتمع المصري المعاصر»، «ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي»، الخلود في التراث الثقافي المصري»، الخلود في حياة المصريين المعاصرين»، «نظرة القادة الثقافيين المصريين نحو ظاهرة الموت ونحو الموتى»، «هتاف الصامتين»، وسيرته الذاتية، التي سجلها في مؤلف بعنوان «التاريخ الذي أحمله على ظهري». كما حاز عويس جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية عام 1965، وجائزة الدولة التقديرية عام 1986.
الثقافة المصرية
بداية لا يقول سيد عويس بوجود شخصية مصرية، بل بثقافة مصرية استمرت آلاف السنين، بغض النظر عن ديانة المصري التي تغيّرت، وهذا ما يظهر في احتفالات طقوس الولادة والموت، هذه الطقوس التي استمرت رغم تبدل الأديان وتعاقبها. فظاهرة (الكتابة إلى الموتى) على سبيل المثال كانت موجودة في التاريخ المصري القديم، وظلت متواصلة حتى الوقت الراهن، متمثلة في إرسال الرسائل إلى أولياء الله الصالحين. الأمر نفسه يمكن تلمسه في (الموالد الشعبية)، فمكانة الآلهة المصرية انتقلت في فترات التحول التاريخي المصري بعملية توفيقية إلى الأنبياء والقديسين، ثم الأولياء في النهاية. فلا تعجب أن تجد امرأة مسيحية تصوم شهر رمضان كي ينجح ابنها، أو تزور السيدة زينب، أو تجد مسلمة تصوم صيام العذراء، أو تزور مارى جرجس أو القديسة دميانة.
من وحي المجتمع المصري
ومن خلال مؤلفه «من وحي المجتمع المصري المعاصر» يناقش سيد عويس عدة قضايا لم تزل محل نقاش وجدل، بدون أن تخبو أو تصبح من القضايا الهامشية، فلم يزل المجتمع المصري يعيش من خلالها، ولم تزل المشكلات تتفاقم، بدون القدرة على تجاوزها، مهما تظاهر المجتمع بغير ذلك. صدرت طبعة جديدة مؤخراً من الكتاب عن الهيئة العامة لقصور الثقافة/سلسلة الدراسات الشعبية، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت عن دار الهلال عام 1989.
يرجع عويس ظاهرة كتابة ونشر أنباء الموتى على صفحات الجرائد، إلى علاقة وثيقة بالخلود، الذي يراه المصريون، كاستمرار للوجود الروحي للأشخاص بعد موتهم.
البحث عن الخلود
يرجع عويس ظاهرة كتابة ونشر أنباء الموتى على صفحات الجرائد، إلى علاقة وثيقة بالخلود، الذي يراه المصريون، كاستمرار للوجود الروحي للأشخاص بعد موتهم. ولا أدل من ذلك من حالة التواصل مع الموتى من الرسائل التي يرسلها الناس إلى (الإمام الشافعي) ـ الأولياء الصالحين بشكل عام ـ فالمصري القديم وقبل الأديان الإبراهيمية بجّل الموت، وجعله الهدف من رحلته الدنيوية، التي إن صلحت، صلحت بذلك حياته الأبدية بعد الموت. وهنا يخلع المراسلون على الإمام ألقاب التعظيم، وكأنه شخص ذو سلطان يعيش بينهم، فهو صاحب المقام الرفيع والموكب العظيم، وقاضي الشريعة، القادر حتى على فناء إسرائيل!
ويقول عويس «وجدتُ في إحدى الرسائل يطلب مرسلها من الإمام الشافعي .. بأن تحضر معك في الجلسة الشريفة سيدنا الحسن وسيدنا الحسين والست زينب أم هاشم، وجميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم». فالمصري القديم كان يعتقد أن للموتى نفوذاً كبيراً، إلى درجة أنهم يؤثرون في مصائر الأحياء. كما أن هذه المحكمة التي يترأسها الإمام الشافعي، والتي تعرف بـ(المحكمة الباطنية) كان لها نظيرها لدى المصري القديم، وكان اسمها (محكمة الإله الأعظم في مدينة الأموات).
القاضي الأعظم
ويستمر المصري في تشكيل الشخصيات ودلالاتها وفق مخيلته ووعيه الحضاري الذي لا ينضب. فبينما تحوّل الثالوث المقدس أوزوريس وحورس وإيزيس إلى الآب والابن والروح القدس في المسيحية، جاء الأمر مشابهاً إلى حدٍ كبير، لكنه هذه المرّة مرتدياً عباءة إسلامية، ليصبح أوزوريس هو (الشافعي) تارة، أو هو (الحسين) سيد شهداء أهل الجنة، وتصبح إيزيس هي الســـيدة زينب أم هاشم، أو أم العواجز كما يُطلق عليها العامة في دعواتهم.
أن تحيا أنت والآخرون
يرى عويس أن المصري ـ هذا السلوك يتم عمداً تشويهه الآن ـ وإن كان مسلماً وفقاً للأغلبية، فهو يضم في جنباته بصمات الديانات السماوية، وقبلها ديانته الأصلية القديمة. فالتراث الاجتماعي المصري تبنى مفهوم (التسامح الثقافي)، أي الاعتراف بحق الآخر في تباين السلوك والرأي «فالآلهة المحلية عاشت في وفاق مع آلهة طيبة وممفيس، ولم يكن كهنة مصر من المتعصبين … ولهذا حين وجه إخناتون حملة شرسة ضد كهنة طيبة، فإن الشعب تنفس الصعداء حين مُنيت بالهزيمة».