من وصلة «قل للمليحة» إلى الوصلة الإشهارية

شاهدت منذ سنوات غير بعيدة، وأنا في بورتو في البرتغال، إشهارا فنيا للسياحة الشتوية، في شكل مونتاج سينمائي ذكي: زوج يعود ليلا إلى بيته، والثلج يتساقط، ويفتح الباب بكل لطف وهدوء؛ ويقترب من باب الصالون، ويطل من ثقب المفتاح؛ فيرى زوجته جالسة إلى المدفأة، في ثوب شفيف. وينزع ثيابه، ويدفع الباب؛ ليباغَت وهو عارٍ تماما، بوالدي زوجته قابعين في أريكة خلفية. وترتسم الجملة الإشهارية «أنا لا أنسى أن هناك سياحة شتوية للشيوخ والعجائز في هذه البلدان» وتكتب أسماء بلدان وفنادق مع صور خاطفة لعالم الصحراء والنخل.
كان هذا الإشهار وقتها، والبرتغاليون يحتفلون في بورتو عاصمة للثقافة الأوروبية؛ محور نقاش بيننا حول فنية الإشهار وأدبيته، شد انتباه الكثيرين منا؛ فقد كان إخراجه ذكيا جدا. وكان في صوره الخاطفة، قدر كبير من المتعة والإغراء، على بساطة صوره أو لقطاته، حتى ليصلح أن «يُتنقل به» كما قلت لأصدقائي التونسيين وأنا أروي لهم لقطة الإشهار هذه. و«يُتنقل» من «النقل» بضم النون، أي «المزة» بالشرقي و«الكمية» بالتونسي؛ وهو ما يؤكل على الشراب كما كان يقول العرب، عن الأشياء حلوة المنظر، أو الكلمات عذبة المنطق التي كانوا يشبهونها بفتات السكر. ومما زاد ذلك الإشهار متعة، الصور خفيفة الظل وكأنها «هايكو» سينمائي. وربما كانت تلك الوصلة الإشهارية سببا من أسباب إقبال البعض على السياحة الشتوية في بعض البلدان الآسيوية أو الإفريقية المتوسطية، وهي السياحة التي يكاد يطويها النسيان في ما طوى من تقاليدنا في تونس على الأقل.
إنه لأمر طبيعي في سائر المجتمعات الحديثة، أن يخصص أي تلفزيون وصلات أو وقفات إشهارية تتخلل شتى البرامج، لما فيها من خدمة للبائع والمنتج والمستهلك وللاقتصاد عامة. ولا أظن أن هناك من يجادل في ذلك أو يماري بعد أن أصبح للإشهار مؤسساته وعلومه النفسية والسوسيولوجية والسيمولوجية، بل أحابيله وفخاخه. والمادة الإشهارية الجيدة هي تلك التي تستأنس بقواعد التحليل النفسي، وتخاطب النوازع والميول، وكل ما يتحكم في سلوك الفرد أو في ذائقته وتفضيله بضاعة على أخرى. ولعل هذا ما يفسر أو يسوغ اعتماد هذه المادة، في الأغلب الأعم على «أنا» مضمرة أو مفترضة، حيث يُسند الكلام إلى «أنا» المشاهد؛ وكأنه هو الذي يروج السلعة أو البضاعة المعروضة، في مشهد احتفالي يتخلله عادة الغناء والرقص؛ أو من دونهما كما في الوصلة التي افتتحت بها هذا المقال. وبذلك يصبح المخاطَب مخاطِبا والمستمع متكلما، لأن من ألطف وظائف الإشهار جلب المستمع أو المشاهد، والحصول على ما يشبه التزاما منه باقتناء السلعة المعروضة، أو إثارة سخطه على سيارة أو ثلاجة قديمة لديه، أو راديو أو جهاز تلفزيون عتيق، أو مائدة عنده عتيقة؛ حتى إن لم يأكل الدهر عليها ولم يشرب؛ بل لم يأكل عليها هو ولم يشرب، لأن الزوجة تفضل عادة أن تحتفظ بهذه الأشياء كما هي؛ للضيوف أو للزينة أو التباهي، وليس للاستعمال. ومن المأثور عن فقهاء الإشهار أن التاجر لا يبيع المرأة فستانا جميلا، وإنما يبيعها قواما جميلا، ولا يبيعها حذاء جميلا، وإنما يبيعها أملا في قدمين جميلتين. ويعرف أهل الأدب منا أن قصيدة الدارمي الشهيرة «قل للمليحة في الخمار الأسود» كانت قصيدة إشهارية بامتياز، وقد كتبها الشاعر دعاية للون من الخمار كسد. وما أن شاعت القصيدة حتى نفد، ولم تبق مليحة في المدينة إلا تزينت بهذا الخمار، وتحجبت به.
كل هذا أصبح من المألوف المتواتر في حياتنا اليومية، وفي ما نشاهده على شاشة التلفزيون؛ ولا هدف منه إلا تسويق المنتوج التجاري والثقافي عامة بما فيه الأدبي؛ على أساس من استراتيجية يتحكم فيها مهندسو الاستهلاك، ويبرعون؛ وبعضهم ممن رُزق حظا وافرا من الخيال ومن المعرفة بالنفسيات والطبائع.
لا أحد يجادل في ذلك كما أسلفت، وربما لا إشكال في الأمر؛ فتلك هي الحياة العصرية ولا فكاك من أحابيلها. إنما الإشكال ولا أدري ما إذا كنا نعيه حقا فيكمن في المادة الإشهارية التي يكون الأطفال أبطالها وضحاياها في الآن ذاته. وقد بينت بحوث غير قليلة، أن توظيف الطفل في الإشهار، أو التوجه إليه بأساليب خادعة ملتوية، له أثر بالغ على الطفل؛ وقد ينال من صحته مثلما ينال من ثقافته. وفي هذا السياق يبين فرانسوا برين أن الطفل يحب الإشهار كما يحب الحلوى والشكولاتة من دون أن ينتبه إلى أمراض «التسوس الثقافي» الذي يمكن ان ينجم عنه.
ومن لطائف العربية أن «سوس» لا تعني وقوع السوس في الطعام أو في الصوف والخشب والثياب ونحوها فحسب، وإنما الاحتيال على الشخص كأن تزين له أمرا، وتحسنه وتزخرفه لتغريه به وتغويه. والتسوس بهذا المعنى أقرب ما يكون إلى «تهجين» لغوي يجعل الخطاب الإشهاري مثار جدل وخلاف، خاصة أنه سمة مفارقة وأمارة على تفاوت أدبيته أو فنيته؛ بسبب من مؤثرات لغوية وحضارية شتى.
ولعل في هذا ما يسوغ القول بأنه خطاب قلق لا يكاد يجري على وتيرة حتى يحرفها على أخرى. ومرد قلقه إلى هذه اللغة التي تقترب من «المشترك» اللغوي أو «العامي» وتتدانى منه، وتلحقه بالصورة وتدمجه فيها؛ وهي تجتره دونما انقطاع، وتضعه في مواضيع متنوعة جدا، إذ لا يختص به موضوع دون موضوع كما نرى في تونس. ولكنها «تطعمه» في الآن نفسه بالغريب أو الروسم [الكليشيه] المستعار من العامي وما تجري به الألسنة، بل هو خطاب يصطنع رواسمه الخاصة؛ كلما تعلق الأمر بإعادة استعمال كلمات وصيغ بعينها أو بإطلاقها «رواسم» في فضاء الذاكرة المرئية، حتى تبتعثها وتحملها ثانية سلطة جديدة. لنقل إنه في مجتمعاتنا، خطاب لا يستثني أكثره ألفاظ العوام «المبتذلة» في صناعة الإشهار، بما فيها الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم الصحيحة.
ومهما يكن فهذا باحث غربي يتناول موضوع التسوس الثقافي، ونحن نتوهم عادة أن شعوبنا تعاني منه أكثر مما تعاني منه شعوب الغرب. ومرد الأمر إلى أن ثقافة الإشهار ليست ثقافة استهلاك وحسب، وإنما هي دعوة إلى نمط من الحياة مخصوص هو النمط الغربي وتحديدا الأمريكي، على نحو ما نرى في الدعاية لـ«بيبسي» و«الكوكاكولا» والجبنة والحواسيب والهواتف الذكية… بحيث تغرز في الطفل وهْم الحصول على قوة خارقة بمجرد تناوله لهذا المنتوج أو ذاك؛ وكأنه يحصل على «شعرة» شمشون الجبار أو على طاقية الإخفاء. وكأنْ قد صار لزاما على الشعوب أن تبادر بقطع الصلة بنماذجها الثقافية الخاصة، وأن تنخرط في نماذج الآخر؛ أي التخلي عن نظام العلاقات الاجتماعية وتقنيات الإنتاج وتقاليد المعرفة، كما لو أنها فقدت الجدوى أو هي لا توائم الحياة الحديثة.
ومن هذا الجانب يمكن الحديث عن الإشهار من حيث هو «واسطة لإعادة إنتاج ثقافة الغالب في أفق الدمج الكلي للمغلوب في هوية الغالب» بعبارة الكاتب المغربي محمد الجويري. وقد يكون الطفل أيسر سبيلا إلى ذلك؛ والطريق إلى نفسه مُوطأة سالكة. والإشهار يتسلل بسهولة إلى عقله الصغير، ليبذر فيه رؤية للواقع أو طريقة في التفكير كثيرا ما تتعارض وأسس التربية السليمة. وليس أدل على ذلك من إعجاب الأطفال عامة بهذه الوصلات الإشهارية التي يرددون نغماتها، ويتغنون بكلماتها من غير أن يميزوا غثها من سمينها. فلا غرابة أن عمدت بعض الدول المتقدمة إلى سن قوانين صارمة تحمي الطفل من التضليل الإشهاري، وهو في طور التعلم والتقليد. وفي فنلندا مثلا قرأت منذ سنوات غير بعيدة، أن القانون يمنع ظهور أي طفل في الإشهار. وفي هولندا لا تبث بعض الوصلات الإشهارية الخاصة بالأطفال إلا بعد السابعة مساء، حتى يتسنى للآباء مراقبتها. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وُفقتْ بعض الجمعيات الأسرية، في مقاومة استغلال الأطفال في الإشهار؛ وفي الحد من الوصلات التي يمكن أن تحولهم إلى مجرد كائنات استهلاكية.
إن موضوع الإشهار أعمق وأشمل من أن يتحمل التلفزيون وحده مسؤولية ما يمكن أن ينجر عنه من آثار على الصحة، أو على التربية؛ فثمة الملصقات الفيسبوك واليوتوب وشتى مواقع التواصل الاجتماعية، وثمة الملصقات الجدارية الإشهارية وغيرها من طرائق الدعاية وأساليب الإغراء التي تتبع النهج ذاته. ولكن الصورة المرئية الحية تظل أوسع حيلة وأرشق معرضا. وفي مستطاعها أن تأتي على عمل المعلم، وتنسخ تأثير الأسرة؛ وهي التي تمالق الغريزة وأدنى الشهوات، وتسف بالعقول، خاصة الصور التي لا جمال فيها ولا حق. وما أريد أن أسمي بعضها حتى لا يتحول هذا المقال إلى وصلة إشهارية مجانية.
٭ كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية