لندن – “القدس العربي” :لا جديد يذكر ولا قديم يعاد. لعب الكائن الفضائي ليو ميسي دوره المعتاد، كمنقذ ومخلص لبرشلونة، بتدمير ليفربول بثلاثية نظيفة في موقعة ذهاب الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا، ليضع العملاق الكتالوني قدما في المباراة النهائية قبل سهرة بعد غد الثلاثاء، التي يستضيفها ملعب “أنفيلد”، لتحديد هوية من سيواجه الفائز من أياكس أمستردام وتوتنهام في نهائي “واندا متروبوليتانو” مطلع الشهر المقبل.
اختراعات كلوب
كما شاهدنا مساء الأربعاء، حُسمت معركة الذهاب بالتفاصيل البسيطة، لكن يعاب على المدرب الألماني يورغن كلوب مبالغته في إدارة المباراة، بالكاد سار على نهج الفيلسوف بيب غوارديولا عندما يتفنن بشكل زائد على الحد في المباريات المصيرية في البطولة ذاتها، أيضا كلوب، أراد أن يثبت لنظيره في البارسا ارنستو فالفيردي، أنه يملك من الذكاء ما يكفي لهدم معبد “كامب نو”، بطريقة مختلفة عن طريقته التي يلعب بها مبارياته في البريميرليغ، وتجلى ذلك باللعب بأسلوب 4-1-2-1-2، بدلا من إستراتيجيته المفضلة 4-3-3، وما زاد الطين بلة، اعتماده على لاعبين في مراكز غير مراكزهم، وإراحة عناصر في قمة انسجامها وتألقها، والإشارة إلى الهولندي فينالدوم، الذي لعب في دور رقم (9) الوهمي، على أمل أن يؤدي دور المصاب روبرتو فيرمينو، بجانب سذاجة إراحة أفضل ظهير أيمن في البريميرليغ هذا الموسم بلا منازع ألكسندر أرنولد، ليعتمد على العائد لتوه من الإصابة جو غوميز في مركز المدافع الأيمن، هنا بدا وكأن الريدز، يخوض المباراة بتسعة لاعبين وليس 11 ضد البرغوث ورفاقه. دعك من لغة الإحصائيات الكاذبة، التي تعطي أفضلية لليفربول في ما يخص نسبة الاستحواذ، فهي في الأساس جزء من خطة فالفيردي لأنه يعرف جيدا، أن المبالغة في الاستحواذ ونقل الكرة في وسط الملعب، قد ينقلب عليه بكوارث أمام منافس يملك اثنين من أسرع لاعبي العالم. عزيزي القارئ، هل كنت تعتقد أن فينالدوم يلعب المباراة؟ أو على الأقل لاحظت وجوده في الشوط الأول؟ بالطبع لا، وهذا في حد ذاته، أفقد الفريق ما يزيد على 40% من قوته في الهجوم، وجعل الاستحواذ بلا أدنى قيمة، اللهم إلا الفرص التي أهدرها ميلنر وساديو ماني، بجانب فرصة صلاح، لكن هل لاحظت شيئا في الفرص التي أتيحت للفريق الإنكليزي؟ جلها جاءت من كرات عرضية أليس كذلك؟ عكس أسلوبهم في الهجوم، بضرب المنافسين إما بأسلوب الضغط العالي من منتصف ملعب الخصم، لافتكاك الكرة واللعب على سرعات صلاح وماني، أو بالوصول لمرمى المنافس بأقل عدد تمريرات في الثلث الأخير من الملعب، وبدرجة أقل استخدام الكرات الثابتة، لكن ليفربول هذا، لم يكن له وجود حقيقي في “كامب نو”.
سلبيات بالجملة
يعرف المشجع البسيط قبل شيخ المحللين، أن الميزة الأهم في خط هجوم أحمر الميرسيسايد، تكمن في “اللا مركزية” بين الثلاثي الأمامي، سواء بتبديل الأماكن أو بتعديل المركز، أحيانا يأتي الهجوم من على الأطراف وأحيانا من العمق، المهم هناك تنوع. لكن في “كامب نو”، شاهدنا الفرعون منعزلا بمفرده في الجبة اليمنى، بدون مساندة لا من الظهير ولا من رأس المثلث الهجومي الذي يرتكز عليه، فكانت النتيجة، مجموعة من الانطلاقات العنترية الفردية التي قام بها صلاح في أقصى الطرف الأيمن، وليس في العمق أو بالتواجد داخل مربع العمليات، ونفس الأمر ينطبق على ماني في الجبهة اليسرى، رغم تقدم أندي روبرتسون من وقت لآخر للقيام بدوره الهجومي، وسبب الخلل في المنطقة الأمامية، يرجع في الأساس لمغامرة الاعتماد على فينالدوم في مركز جديد عليه، فهو لا يعرف متى يتحرك على الطرف لأخذ المدافعين معه، ومتى ينطلق في العمق وكيفية الاستلام تحت ضغط وظهرك للمرمى، ولأن كلوب لم يكن في يومه، أتيحت له فرصة نادرة لتصحيح هذا الخلل، عندما أصيب نابي كيتا في أول 25 دقيقة، بديهي أن يعيد الأسمر الهولندي إلى مكانه المفضل في الوسط، ليكون اللاعب الثالث على الدائرة بجانب جيمس ميلنر وفابينيو، على أن يقحم سيرج أوريغي مكان الغيني المصاب، لكنه أصر على تقديم المباراة على طبق من فضة أمام فالفيردي، بإشراك جوردان هيندرسون. هذا التغيير بالذات، كان منعرج اللقاء، لأنه من سوء الطالع بالنسبة لكلوب، جاء هدف البارسا الأول بعد دقيقة واحدة من خروج كيتا، ويبدو لي، أن كلوب انخدع في نسبة استحواذ فريقه على الكرة، وظن في بعض اللحظات، أن هدفه الأول يطبخ على نار هادئة، بعد حالة الغضب التي سيطرت على الجماهير، حين أطلقت صافرات الاستهجان ضد كوتينيو وبعض اللاعبين، اعتراضا على سوء الأداء، وإلا لما أصر على اللعب بأربعة في وسط الملعب يؤدون نفس الدور (ميلنر وهيندرسون وفابينيو وفينالدوم) بعد تعديل الطريقة لـ4-4-2 مع بداية الشوط الثاني، أقل ما يمكن قوله، أنه فعل عكس ما قاله في تصريحاته قبل المباراة، بتهكمه على “كامب نو”، الذي قال عنه “مجرد ملعب كبير وليس معبدا لكرة القدم”، أما على أرض الواقع، فلم يظهر رغبة حقيقية للعودة بنتيجة إيجابية، بتأخره في استغلال فترة تراجع المنافس وتوتر جماهيره، ظل منبهرا بالاستحواذ السلبي، منها يهدد تير شتيغن من حين لآخر، ومنها زيادة عددية في وسط الملعب، لتفادي ترك مساحات أمام ميسي وسواريز، هذا برذم وإيقاع لعب بطيء جدا لا تفوح منه حتى رائحة المفاجأة، وأيضا في حالة ذعر وخوف مبالغ فيها من فان دايك في مواجهاته المباشرة مع الفضائي. ولعل من شاهد المباراة لاحظ “هلع” المدافع الهولندي من ميسي، كما وضح في مشاهد استنجاده بزملائه كلما جمعته الظروف بالقصير المكير، صحيح هو أفضل مدافع في العالم في الوقت الراهن، لكنه في هذه المباراة بالذات، افتقد الجرأة والشجاعة، وتحول لمجرد مدافع جيد، أو دعونا نكون منصفين في الوصف “خارت قواه أمام من لا يرحم”، والحالة العادية التي كان عليها أفضل لاعب في البريميرليغ، تسببت في انكشاف مساوئ إدارة كلوب، الذي دفع ضريبة باهظة الثمن، بتدخله السلبي في الرباعي الدفاعي، والدليل على ذلك، الهدف الأول جاء من هفوة من غوميز، بترك خوردي ألبا، يرسل العرضية التي استغلها سواريز على أكمل وجه.
ما فعله كلوب بالضبط، أنه فرط بمحض إرادته في الجبهة اليمنى، بتحويلها من مصدر قوة لنقطة ضعف، أو على الأقل لمنطقة مستباحة، ففي وجود صلاح بمفرده في هذا الشارع، بذل ألبا مجهودا خرافيا، فما بالك لو تواجد أرنولد بالحالة الرائعة التي كان يؤدي بها في الأسابيع الماضية، أبسط شيء، كان سيخف الضغط في هذه المنطقة، بإجبار ألبا على التواجد في وسط ملعبه على طول الخط، ولا ننسى أن الشاب الإنكليزي، يملك ميزة لا يستفيد منها إلا صلاح، بعمل مراوغة في وسط الملعب، ومن ثم ضرب المدافعين بتمريرة لصلاح، تماما كما كان يفعل أليكس تشامبرلين قبل إصابته، هذا المد، حُرم منها النجم المصري، فظل يقاتل بمفرده في مكان لا يظهر خطورته، كما أراد فالفيردي، الذي رد بشكل عملي على كل المشككين في فلسفته. هذا الرجل، بقدر ما هو ينسف مدرسة يوهان كرويف، التي طورها بيب غوارديولا وخلفائه إلى “تيكي تاكا”، فهو أضاف أشياء كثيرة كان يفتقدها الفريق طيلة هذه الحقيبة، وهي نوعية اللاعبين المحاربين في وسط الملعب، دائما يُضرب ببرشلونة المثل، كفريق يقدم كرة قدم “خرافية” بمواهب يغلب عليها طابع “لاماسيا” أكثر من القوة، أي أغلبهم أصحاب قامة قصيرة، لكن بقدرات وإمكانات فريدة من نوعها، أما الآن، لم يَعد لهذه الفلسفة وجود، لأنه ببساطة شديدة يتعامل بواقعية، يعرف جيدا أن تشافي وإنييستا وبويول وتيري هنري ودافيد فيا وهذه المجموعة، لن تتكرر مرة أخرى، ربما في العقود المقبلة، وأيضا الأساليب الحديثة، تحتاج نوعية معينة من اللاعبين، لوقف تكتيكات المنافسين، وهو ما فعله بشكل نموذجي أمام ليفربول، بالاعتماد على آرتورو فيدال في وسط الملعب، بالوصف الشهير لجوزيه مورينيو “ككلب سعران” في وسط الملعب، تارة يغلق الحياة على صلاح في اليمين، وتارة أخرى على ماني في اليسار، بجانب قتال بدرجة الاستماتة على الكرة في وسط الملعب، وخلفه سيرجيو بوسكيتس، الذي لعب أمام قلبي الدفاع أكثر من لعبه في مكانه الطبيعي كلاعب ارتكاز، كل هذا، لخداع كلوب بالكرة، إلى أن قلب الموازين بعد أول ربع ساعة في الشوط الثاني، بإشراك السريع سيميدو على حساب عدو الجماهير كوتينيو، وهو ما أضاف عنصر السرعة، التي كان يفتقده الفريق في نقل الكرة إلى ميسي، على عكس كلوب، الذي لم يغامر بأحد العناصر القادرة على إضافة عنصر السرعة، مثل شاكيري أو أوريغي أو حتى ستاريدج، كلها عناصر تجيد اللعب والتحرك بين الخطوط، لكنه لم يتحرك إلا بعد انفجار ليو بهدفيه الـ25 والـ26 في الأندية الإنكليزية، من مشاركته في 33 مباراة، ومن حسن حظ كلوب، أن المباراة انتهت بثلاثية نظيفة، بعد الاندفاع في الدقائق الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهت فرص ليفربول في اللعب في النهائي للعام الثاني على التوالي؟
ريمونتادا الإياب
نظريا ومنطقيا، الفرص تبدو ضئيلة جدا، صحيح لو عدّل كلوب أوضاعه ولم يتفلسف في مباراة بعد الغد، قد يتمكن من تسجيل أكثر من هدفين، لكن من يضمن أن يخرج ليو بلا أهداف؟ بدون مبالغة، ميسي يفعل أشياء لا علاقة لها بكرة القدم التي يمارسها الملايين في مختلف أنحاء العالم، والأعجب بحق، أن الكرة نفسها تبحث عنه بدون بقية اللاعبين، كما شاهدنا جميعا في لقطة الهدف الثاني، فبعد “البروبغاندا”، التي انتهت بارتداد الكرة من العارضة، ذهبت إلى صدره ليودعها في الشباك بهذه السهولة، وبعدها أطلق رصاصة الرحمة الثالثة بطريقته المفضلة في الآونة الأخيرة، بتسديدة أقل ما يقال عنها “عبقرية”، اكتفى أليسون بأخذ لقطة سينمائية بمحاولة استعراضية للتصدي للكرة، وهذا بالعامة الدارجة “الطبيعي” أو “المعتاد” منه إذا كان في حالته العادية، وقلنا الأسبوع الماضي، إن نسبة 50% الخاصة ببرشلونة، متعلقة بين قدمي ليو، وهو ما حدث، وبنسبة كبيرة سيحدث في “أنفيلد”، إلا إذا وجد كلوب طريقة لإيقافه، أو كان يعاني من الإجهاد والتعب، كما كان أمام روما في مباراة “ريمونتادا” ملعب “الأولمبيكو” الموسم الماضي، وفي الحقيقة، هذا يبدو مستبعدا، في ظل الحالة البدنية التي ظهر عليها، وجزء كبير منها يرجع لفالفيردي، الذي تعلم من درس الموسم الماضي، بإراحة ميسي وإجلاسه على مقاعد البدلاء في المباريات التي لا تحتاج مجازفة، تماما كما كان يفعل زيدان مع رونالدو في ريال مدريد، لذا، سيناريو “ريمونتادا” الأنفيلد، يبدو صعبا ومعقدا للغاية، على عكس توتنهام، الذي برغم خسارته في المباراة الأولى على ملعبه الجديد أمام أياكس، ما زال يتعلق ولو ببصيص من الأمل لحجز مكان في المباراة النهائية، ليست مزحة بكل تأكيد، صحيح الفريق الهولندي كان يمكنه الفوز بأكثر من هدف، لكنه لم يهدد مرمى هوغو لوريس، بنفس الكثافة ولا الكم الهائل من الفرص، التي هدد بها الريال واليوفي خارج قواعده، ومن حسن حظ المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، أن إصابة يان فيرتونخن، جاءت لتنقذه من كمين اللعب بثلاثة مدافعين، أمام منافس لا يتهاون في عملية الضغط العالي من الأمام، مثل ليفربول ومانشستر سيتي، من الصعب اللعب أمامهم بثلاثة مدافعين، ونلاحظ بعد مشاركة بن ديفيز مكان فيرتونخن بعد إصابته، وقف الإعصار الهولندي في وسط ملعب السبيرز، في أول نصف ساعة، بدا وكأن أياكس يخوض المباراة في “يوهان كرويف آرينا”، بحصار سبيرز في منتصف ملعبهم، لكن مع الوقت، دخل الفريق اللندني أجواء المباراة، وكأن بوتشيتينو عثر على حل لمجاراة سرعة الطاحونة البرتقالية. فقط مشكلته الوحيدة، كانت تكمن في غياب المهاجم السريع، لخلخلة الدفاع وإجبار ماتياس دي ليخت ورفاقه على البقاء أكثر في وسط ملعبهم، هذا الدور الذي قام به لوكاس مورا بمفرده، إلى أن استنقذت طاقته في منتصف الشوط الثاني، وذلك في الأساس، لعدم وجود المهاجم الكوري هيونغ مين سون، المعاقب بالإيقاف مباراة، لكنه سيعود في مباراة العودة، وقد يلعب دورا محوريا في عودة فريقه بريمونتادا، على غرار ما فعله في مباراة مانشستر سيتي في إياب الدور ربع النهائي، حين سجل هدفين أعاد بهما فريقه إلى الحياة في قلب “الاتحاد”، بعدما كان متأخرا بهدف في أول دقائق المباراة، ولا ننسى، أنه في العادة، يلعب فريق المدرب إيريك تين هاغ خارج ملعبه أفضل بكثير من مبارياته التي يخوضها بين جماهيره، أي أنه في الغالب لن يقدم الفريق أفضل مما قدمه في “وايت هارت لين” الجديد، ومنافسه هذه المرة، من النوع الذي يجيد تماما خارج ملعبه، ويلعب بتحرر وبلا قيود، لذا، من الصعب التسليم بأن أياكس حسم المهمة ولو بنسبة تزيد على 60%، فمن كرة ثابتة أو بهجمة مرتدة قد يقلب سون الموازين في أول 10 دقائق، وأيضا زياش ورفاقه، الذين يقدمون أفضل كرة قدم في العالم في الوقت الحالي، لديهم من الجودة والكفاءة ما يكفي لتأكيد تفوقهم في مباراة الإياب، كما فعلوا في الذهاب، لذا ستبقى كل الاحتمالات قائمة في موقعة “يوهان كرويف آرينا”، التي لن تقل إثارة عن موقعة بعد غد… مشاهدة ممتعة للجميع.