بيروت-“القدس العربي”: يبتكر أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان على الدوام سبل حياة وتعبير متجددة، منتفضين على ظروف عيش قاسية تلفهم. دائماً هم قادرون على المفاجأة، عبر منصات تخصهم. “ناستوبيا” فسحة تعبير حديثة العهد أتاحت للشباب وعبر وسائل التواصل الاجتماعي السائدة تسليط الضوء على المبادرات الإيجابية في تلك المخيمات. هي صور تقابل الصور النمطية التي ينقلها الإعلام العربي أو الغربي عن حال الشعب الفلسطيني اللاجئ في لبنان. فقد دأب هذا الإعلام على تصوير البؤس، الأزقة الضيقة، شرائط الكهرباء المتدلية والتي تتجاور مع أنابيب المياه. هي الحقيقة دون شك، لكن في المخيمات إرادات تتحدى ظروف الحياة، المرض أو الإصابة، وأفكار مشعة تحتاج لأن تعبر عن نفسها وأن تصل عبر الإعلام للعالم بأجمعه.
منصة “ناستوبيا” أطلقت مؤخرا “مهرجان الأفلام المخيماتي” تقدم إليه العشرات. خضعت الأفلام لتحكيم محترف، وصدرت النتائج بفوز ثلاثة منها.
مع مدير منصة “ناستوبيا” وائل فرغاوي هذا الحوار:
*ماذا عن تفاصيل المنصة؟
** “ناستوبيا” منصة إعلامية شبابية أنشِئت في أب/اغسطس 2018 من قبل مجموعة من شباب فلسطين بتمويل من “مشروع الشباب الفلسطيني” التابع لمنظمة “آرك”. شكلت المنصة فريقاً من كافة المخيمات الفلسطينية في لبنان، ولدينا مراسلون في معظمها، وفي بعضها أكثر من مراسل حسب حجم المخيم. يتألف فريق العمل من ثلاثة منسقين للجنوب، بيروت والشمال. المنسقون يشرفون على المراسلين ويتابعون إنتاجهم البصري.
*ما هي أهداف “ناستوبيا”؟
**الهدف الأول يتمثل في تقديم القضايا المخيماتية بطريقة معاصرة وحديثة عبر الإعلام الرقمي. نستخدم الفيديوهات القصيرة وهو أسلوب معتمد في قناة “الجزيرة” وغيرها. الهدف الثاني لتشجيع المبادرات الإيجابية في المخيمات. منصتنا لا تغطي الأحداث، بل نتعامل مع قضايا قائمة في حد ذاتها. نضيء على قصص النجاح أكاديمية، طبية، تحديات إنسانية وغير ذلك. والهدف الثالث كسر الصورة النمطية المنشورة عن المخيمات والتصويب على النماذج الإيجابية، محاربة المخدرات، التطرف الديني، والتطرف السياسي الحزبي الضيق. والتركيز على الهوية الوطنية الجامعة. والهدف الرابع إتاحة فرص عمل لمجموعة من الشباب والشابات العاطلين عن العمل.
*تسعى منصتكم للتعويض عن تقصير الإعلام الكلاسيكي في حق المخيمات؟
** صحيح. الإعلام الكلاسيكي يتجاهل حدود الظواهر الإيجابية في المخيمات. هناك طفرة في شبكات الواتسآب التي ولدت منذ خمس سنوات حتى الآن، وبغض النظر عن الكفاءة المهنية والشفافية في تقديم القضايا. هو بالتأكيد حضور إعلامي يكرس النظرة النمطية ويتناول السلبيات خاصة الأخبار الأمنية، ويتجاهل كلياً ما هو إيجابي في المخيمات. وما من أحد يسعى للإضاءة على ظروف الناس المعيشية واليومية، ولا يحثون ذاتهم على قراءة ظروفهم المجتمعية. والأهم في كل هذا أن الإعلام لا يتعاطى مع المخيمات كمجتمع قائم في حد ذاته، بل كتكتلات سياسية.
*ما هو عدد العاملين في منصة “ناستوبيا”؟
** نتعاون مع 22 مراسلاً ومراسلة، أي 12 شابة و10 شباب، وثلاثة منسقين كما سبق الذكر. طاقم المنصة 25 فرداً موزعين على كافة المخيمات من الشمال إلى الجنوب.
*جميعهم متفرغ وبأجر؟
**طبعاً. ما تقدمه المنصة ليس أجراً بقدر ما هو بدل تطوع، فقيمته ليست مرتفعة.
*عمر منصتكم صغير وكان لكم مهرجان سينمائي. كيف ولد؟
** ولد بإلحاح وضرورة لإتاحة الفرصة أمام الشباب لتعزيز الثقافة البصرية والسينمائية في المخيمات. في المخيمات العديد من الأفلام المصورة القصيرة من إخراج الشباب والشابات، ولا مكان لعرضها. تُصور هذه الأفلام عادة كمشروع تخرج جامعي. من خلال “مهرجان الأفلام المخيماتي” نتيح الفرصة لهم لتقديم أفلامهم. تمّ الإعلان عن المهرجان في كافة المخيمات ودعونا الجميع للمشاركة ضمن شروط محددة، تتمثل في الابتعاد عن أي محتوى تحريضي، وكل ما يبعد عن التمسك بالهوية الوطنية. أضافة لإحترام حقوق الطفل والإنسان. وتالياً المحتوى، فيما حلّ الشكل أخيراً. لأننا نعرف عدم قدرة الشباب الفلسطيني على التصوير بطريقة محترفة، فقد تقدم للمسابقة أفلام كانت مصورة سابقاً من قبل مخرجين، وأخرى لا تتعدى أربعة أفلام تمّ تصويرها بناء على الإعلان. بعد شهر من الإعلان تلقينا ما يقارب 35 فيلماً للمشاركة في القائمة الطويلة. وحددت لجنة تحكيم الأفلام التي وصلت للقائمة القصيرة. ضمت اللجنة الدكتور كريم عرمان وهو مسؤول مادة الإخراج في الجامعة اللبنانية الدولية، ومارون اسمر مخرج لبناني، وفادي دباجة مخرج فلسطيني. وهكذا تولت التحكيم لجنة من خارج منصة “ناستوبيا” بهدف الحيادية والموضوعية، وهي التي رشحت خمسة أفلام للقائمة القصيرة. وفازت من بينها ثلاثة أفلام، وكانت لمخرجيها جوائز مادية رمزية بهدف التحفيز.
*ما هي خلاصة لجنة التحكيم عن تلك الأفلام؟
**وصفت من قبلهم بأنها حقيقية وواقعية ولم تختلق روايات. ومن خلال هذا المعيار تمّ اختياها. فهي أفلام غطت قضايا المخيمات. ونحن كمنصة احتفظنا بموقفنا إلتزاماً بالشفافية. وإن امتلكنا القدرة ستكون لنا لقاءات سنوية مع مهرجان الأفلام المخيماتي.
*أليس لهذه الأفلام المشاركة في مهرجانات الأفلام القصيرة في لبنان؟
**لا مانع من ذلك، لكن أفلامنا قضيتها مخيماتية، وأظن أن حظوظها بالوصول إلى القائمة الطويلة أقل. ترغب منصتنا التركيز على قضايا المخيمات وليس القضية الفلسطينية.
تجارب إنسانية تتحدى الواقع
“القدس العربي” التقت ثلاثة شبان من الذين وصلت أفلامهم إلى القائمة القصيرة، وعبروا عن فرحهم بمهرجان الأفلام المخيماتي.
*”أربعة” هو عنوان فيلم بكر موعد يسلط الضوء على ناصر، شاب من مخيم نهر البارد في شمال لبنان أصيب برصاصة في يده خلال “ثورة في المخيم سنة 2012”. خسر ناصر ابهامه وتضررت يده اليمنى. درس قبل الإصابة “غرافيك ديزاين” وكان شغوفا بالرسم، التصوير والكتابة. بعد بتر أصبعه لفه اليأس بقوة، لكنه في لحظة قرر التحدي.
رفض أن تكون تلك الإصابة سبباً لتدميره من الداخل. عاد للعمل في مجاله ولم يترك يده اليمنى مقصية، بل تتعاون مع اليسرى التي اكتسبت مهارة الحركة بالتدريج.
تشارك بكر موعد مع شقيقه في انجاز فيلم “أربعة” كرسالة تخرج جامعي للأخير، وتولى مهمة مساعد المخرج. يقول: صحيح تمّ إنتاج الفيلم بهدف جامعي، لكنه في الوقت عينه يشكل رسالة للشباب الفلسطيني لطرد اليأس رغم الظروف الصعبة جداً للمخيمات في لبنان. كما أن مهرجان الأفلام المخيماتي شكل خطوة جيدة لتشجيع كل من لديه موهبة لتحدي نفسه وتقديم حياة المخيم والإضاءة على تجارب ناسه الإيجابية.
يتحدث محمود محمد عن معاناة الشباب الفلسطيني من البطالة في لبنان، لكن في فيلم “أنا محمد” تتراكم المعاناة وتتضخم إلى حدود تفوق الاحتمال. فقد أصيب محمد خلال عدوان تموز/يوليو 2006 وبترت ساقاه وكان ذلك في مخيم الرشيدية حين كان طفلاً. عاش معاناة وهو يجرب حظه مع الأطراف الاصطناعية لأنه رفض الكرسي المتحرك. محمد الآن في عمر 22 لا يزال يجرب حظه مع الأطراف يحدوه لذلك طموحه ومسؤولياته العائلية.
يقول محمود: يشكل محمد مثالاً وفسحة أمل لكل إنسان كامل الجسد ويعيش يأساً. فمحمد مشى في المخيم بمساعدة أطرافه الاصطناعية. ويمتلك “توك توك” يجمع فيه الخردة، وينقل البضائع لمن يرغب. من عمله هذا يعيل والدته وأخواته الثلاث. ويضيف: ما رفض محمد ذكره في الوثائقي أقوله لـ”القدس العربي” فالعائلة تربي طفلاً أضاع عائلته في حرب مخيم نهر البارد. ليس هذا وحسب بل هذا الطفل يعاني من مشاكل نمو في وعيه وادراكه. تلك العائلة المتواضعة تتعامل بإنسانية وعطف كبيرين مع هذا الطفل. يمكن اختصار المشهد بأن محمد وعائلته هم مثال الصبر والحب والإيمان. لا يشكو محمد من التعب ولا من العمل الذي لا ينقطع عنه. حلمه الكبير أن تصبح قصته فيلماً روائياً، وأن يكون مخرجاً لها. إنها حكاية محمد المؤثرة في تسع دقائق.