القاهرة ـ «القدس العربي»: اختتمت مؤخراً فعاليات الدورة الـ(30) لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. وبعيداً عن ندوات وحوارات المجاملات، خاصة رئيس المهرجان الذي كان ضيفاً دائماً في نشرات المهرجان اليومية، وكذا إشادة تابعيه وتابعي تابعيه وضيوفه بمجهوده الخارق، إضافة إلى أن المهرجان اتسم كالعادة بالكثير من بيروقراطية الدولة، بما أنه ينتمي لإحدى مؤسساتها الغارقة في البيروقراطية والمحسوبية والوجوه المكررة والمعتادة سلفاً من نقاد وضيوف وما شابه، أو فتح آفاق جديدة من خلالهم، خاصة أخوتهم في العروبة الخليجية.
الجوائز
ونبدأ بالجوائز التي كانت محل الكثير من الجدل والانتقاد، خاصة جائزة أفضل عرض، التي حصل عليها العرض المصري «من أجل الجنة.. إيكاروس»، الذي حصل أيضاً على جائزة أفضل ممثل. ثم توالت الجوائز.. أفضل إضاءة للعرض العراقي «ملف 12»، أفضل ممثلة لأسماء الشيخ، عن العرض الجزائري «نوستالجيا»، أفضل مخرج مسرحي لجيا ديمتري عن عرض «عطيل» من جورجيا، إضافة إلى شهادات تقدير للعرض الليتواني «أنتيجون»، والمصري «الرجل الذي أكله الورق».
الندوات
تنوعت الندوات التي أقيمت في المجلس الأعلى للثقافة، ومن أهمها ندوات عن المسرح الافريقي وتحولاته من مرحلة الاستعمار إلى ما بعدها. وكذلك ندوة بعنوان (التجريب المسرحي في مصر) يمكن من خلالها استعراض مفهوم التجريب الغائم وإمكاناته، وكيفية التناول والتفاعل معه، سواء من قِبل الفنان المسرحي أو الجمهور، بشكل قد ينطبق على الدول العربية والافريقية، وإن تناولت بالأساس المسرح المصري.. فيرى الناقد المسرحي أحمد عبد الرازق أبو العلا أنه لا يوجد مفهوم محدد للتجريب، ولكن رغم ذلك هناك شروط لهذا التجريب، أولها أن تكون هناك ضرورة لذلك، وأن يكون المجرّب نفسه على وعي وعلم تام بالأشكال المسرحية الأساسية، حتى يستطيع التمرد عليها وبالتالي أن يقوم بفعل التجريب المسرحي، بمعنى أن يعرف القواعد جيداً حتى يستطيع كسرها وتجاوزها. مضيفاً ـ وهو ما يخص الحالة في مصر ـ أن التجريب وجد منذ الستينيات من خلال مسرح توفيق الحكيم، كما في (يا طالع الشجرة) أو الكتابات التنظيرية كما في (قالبنا المسرحي). وفي السبعينيات حاول المسرح المصري التخلص من أسلوب المسرح الغربي وسيطرته، فاتجه إلى المسرح الشعبي، كما في تجربة عبد العزيز مخيون في مسرح الفلاحين، وصولاً إلى نهاية التسعينيات وتجربة مسرح المكان التي قدمها حسن الوزير وهشام السلاموني.

مشهد من العرض الجورجي (عطيل)
من جانبه أشار الأكاديمي عبد الكريم الحجراوي إلى أن التجريب في مصر يقوم على أسلوبين أو المزج بينهما، أولهما مسرح ما بعد الدراما في الغرب، بعد سقوط السرديات الكبرى وفق تيار ما بعد الحداثة، ومواجهة وهدم سمات المسرح الأرسطي، والأسلوب الثاني يتمثل في المسرح الشعبي، وهو أساس الفعل المسرحي المصري، قبل وجود المسرح في صورته المعهودة. وكل من هذين الأسلوبين يمكن تطبيقهما على المسرح الافريقي والعربي. ويبدو التساؤل المنطقي هنا.. هل تنطبق قواعد التجريب على العرض المصري الفائز بجائزة أفضل عرض؟!
عطيل
كان العرض الجورجي (عطيل) من أفضل العروض في هذه الدورة، وقد حصل على جائزة أفضل إخراج، وربما لو لم يكن الإصرار على منح العرض المصري (إيكاروس) جائزة أفضل عرض، لكانت ذهبت إلي (عطيل).
الحكاية الشكسبيرية معروفة سلفاً، ولكن تكمن أهمية العرض في كيفية تقديم الحكاية، وذلك من خلال التوافق ما بين الممثل وفن الدُمى (العرائس)، فشخصيات المسرحية.. عطيل، ياجو، ديزدمونة عبارة عن دُمى يقوم بتحريكها العديد من الممثلين في العرض، مع الأداء الصوتي لكل شخصية من خلال أحد الممثلين أو الممثلات، وما بين الأداء الصوتي والجسدي للممثل، وكذلك حرفية التحريك اللافتة لشخصيات العرض، والتي يقوم بها الممثلون أنفسهم، نرى الحكاية من جديد، وفي شكل مختلف عما هو معتاد.
يبدأ العرض معتمداً على فكرة الراوي الذي يختصر الأحداث ويعلق عليها، أو يتدخل ويُشارك في الحدث، وهنا قد يتنوع أداء الراوي وفق عدة أقنعة يرتديها، كالمهرج، أو أن يخفي عينيه بعصابة سوداء، أو قناع يخفي ملامحه تماماً. كذلك قد يشرح أو يوضح أحد الممثلين إلى (ياجو) الدمية كيفية تنفيذ مؤامرته الانتقامية، خيوط المؤامرة هذه يتم التعبير عنها من خلال خيوط حقيقية ُمسك بها الممثل ويتحرك عليها ياجو صعوداً وهبوطاً.
العنصر الآخر الذي يؤثر بقوة على حالة الشخصيات، وبالتالي الجو العام هو الإضاءة، والتي شكّلت مع زي الممثلين الأسود لوحات مدروسة جيداً للشخصيات وأجواء المسرحية، والحالة الدرامية ودلالاتها التي يريد العرض إيصالها للمتلقي.
(فهمي) يُقابل (عطيل)
فهمي طفل في حوالي الثالثة عشرة من عُمره، وجد وصديقه زحاماً وأشخاصا يدخلون إلى المسرح ـ مسرح الطليعة يوجد في ميدان العتبة، وهي منطقة مزدحمة وفيها الكثير من الباعة، سواء الكتب والملابس وما شابه ـ دخل فهمي وصديقه مع الداخلين، عندما عرف أن العروض مجاناً، كان يعتقد أن الذي سيُعرض فيلم وليس مسرحية، وعندما اكتشف الخدعة، لم ييأس أو يترك المكان، ولكن لعبة (الدمى) أعجبته. وبما أن العرض باللغة الجورجية، والترجمة غير الواضحة جاءت بالإنكليزية، تطوع فهمي بشرح الأحداث إلى صديقه الذي يجاوره.. عرف فهمي من الأداء الصوتي للممثلين ومن حركة الدمية، أن ياجو هو الشرير، وقد أطلق عليه (الشرير)، ورأى في عطيل (الملك الطيب)، وهناك عملية سرقة سوف تتم، والبت دي حبيبة الملك ـ يقصد ديزدمونة ـ حكم فهمي على ديزدمونة بأنها مريضة من البداية ـ ربما لرقتها المفرطة ـ وفي الأخير وصف فهمي الملك بأنه عبيط، لأنه قتل حبيبته في النهاية. فهمي لم يفهم الحوار، ولم يكن يعرف قصة عطيل، ولكنه تواصل مع أداء الممثلين، وحاول لملمة تفاصيل الحكاية. وبعد العرض مباشرة أشار فهمي إلى صديقه بالهرب قائلاً.. «إهرب ياض.. لو مسكونا هينفخونا».