احترت في السبب والعنوان الذي أكتبه لهذا المقال، هل يكون السبب هو أن السيد حافظ أتم منذ أيام الخامسة والسبعين من العمر، أم يكون السبب هو تجاهل تكريم كاتب بحجم السيد حافظ في مهرجان للمسرح التجريبي الأخير الذي انتهي في مصر منذ أيام، وهو ممن أنفقوا حياتهم وراء التجريب في المسرح منذ نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات، أي منذ الشباب المبكر. وهل يكون العنوان عن المهرجان والسيد حافظ أم عن تجربة السيد حافظ أم عن العمر الذي مضي ونحن نتوسم الأمل في ما فعلناه، ثم انتهى بنا الأمر بسؤال هل كنا على خطأ؟
لقد تزاملنا في الدراسة الجامعية في الإسكندرية أوائل السبعينيات. كنا في كلية الأداب قسم اجتماع وفلسفة، كم كانت لنا لقاءات كتبت عنها من قبل، وكانت لنا مشروعات نجحنا فيها رغم كل المعوقات. كنت وقتها من أوائل من كتبوا عن مسرح السيد حافظ وكنت مغرما بالقراءة في المسرح ودراسته حتى أني سجلت الماجستير في موضوع جماليات الدراما بين أرسطو وبريخت، لكنني تركت الإسكندرية والدراسة الأكاديمية إلى القاهرة مفتونا بحياة الصعلكة والحرية التي رأيتها ذخيرة الروائي لا الدراسات والنظام. كان مقالي عنه أشبه بالدراسة عنوانه «مسرح السيد حافظ – حالة من التمرد والتحريض الحضاري» عن ثلاث مسرحيات تجريبية من مسرحياته الأولى هي «كبرياء التفاهة في بلاد اللا معنى» و«هم كانوا وما زالوا الزعاليك» و«حدث كما حدث ولكن لم يحدث أي حدث». كانت دراسة عن جرأة التجديد في القالب المسرحي بكل عناصره، وكذلك أدوات إخراجه، فضلا عن قضايا الاغتراب والاستلاب للبشر والصراع الاجتماعي والرؤى الفلسفية خلف الصراع. شهد قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية إخراج بعض مسرحياته، وسافرت أنا لأعيش في القاهرة منذ عام 1974 وسافر هو إلى الكويت عام 1975 وتنقل ما بين الكويت والعراق ودبي، وشغل مناصب عديدة في بعض المجلات مثل مجلة «الشاشة» ومجلة «المغامر» في دبي ومستشارا إعلاميا في بعض المؤسسات وغيرها، لكن ذلك لم يصرفه عن المسرح والكتابة له والإخراج أيضا.
تم إخراج مسرحيات عديدة له في البلاد العربية التي يعمل فيها أو لا يعمل. في الكويت مثلا أخرج له منصور المنصور ودخيل الدخيل وحسين مسلم وعبد الله عبد الرسول، وفي تونس أخرج له الطيب السهلي مسرحية «الفلاح عبد المطيع» التي نالت هناك جائزة أفضل عرض عام 2010. عُرضت له في مسرح الطفل الذي كتب فيها مسرحيات عديدة في الكويت وغيرها مثل مصر، ومنها مسرحية «سندريلا» و«الشاطر حسن» و«سندس» و«علي بابا» و«أولاد جحا» و«بيبي والعجوز» و«فرسان بني هلال» بمخرجين من الكويت وغيرها والحديث في كل مجال يطول.
كانت بين سنوات السفر سنوات عودة إلى مصر يقوم فيها بالإخراج، ولم يتوقف عن الكتابة، وشهد المسرح بين سنوات 1994-2004 تقريبا عشرين مسرحية له. أخرجها مخرجون مثل فريد عبد الحميد ورجائي فتحي ومحمد الخولي وعلي عزب وماهر سليم وسيد هنداوي ومجدي مجاهد وإبراهيم شكري. كذلك شهدت القاهرة والإسكندرية مسرحيات له أخرجتها أسماء مثل أحمد عبد الحليم ومحمود الألفي ومجدي عبيد وفاروق زكي ومحمد عبد المعطي وحسام عطا وعبد الرحمن الشافعي وعباس أحمد وغيرهم كثير.
من المهم الإشارة إلى أمثلة مما قام به هو من إخراج لمسرحيات تعبر عن فهمه للمسرح ورؤيته مثل «مسافر ليل» لصلاح عبد الصبور عام 1970 من بطولة 25 طفلا وطفلة، أصغرهم 6 سنوات وأكبرهم 12 سنة، في عرض غنائي موسيقي من ألحان المرحوم حمدي رؤوف وكورال 40 طفلا وطفلة. كذلك مسرحيات مثل «الحبل» ليوجين أونيل 1968 و»الزوبعة» لمحمود دياب عام 1973 وكذلك «ليالي الحصاد» ومسرحية «حديقة الحيوان» لإدوارد أولبي و«بنطلون روميو» لأبي السعود الأبياري و«مسافر بلا متاع» لجان أنوي وغيرها، فضلا عن مسرحيات عديدة من تأليفه، كما أخرج نصوصا شعرية في قالب درامي لمحمود درويش وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي ومجدي نجيب وفؤاد حدا.
كانت بين سنوات السفر سنوات عودة إلى مصر يقوم فيها بالإخراج، ولم يتوقف عن الكتابة، وشهد المسرح بين سنوات 1994-2004 تقريبا عشرين مسرحية له. أخرجها مخرجون مثل فريد عبد الحميد ورجائي فتحي ومحمد الخولي وعلي عزب وماهر سليم وسيد هنداوي ومجدي مجاهد وإبراهيم شكري.
أسس السيد حافظ جماعات تجريبية للمسرح منها «فرقة الصعاليك» وفرقة «ألف باء مسرح» و»جماعة الاجتياز» وجماعة «المسرح الطليعي» التي قدمت مسرحية (آه يا وطن) لمدة 110 أيام وكانت أول فرقة للهواة في تاريخ مصر تقدم عرضا متواصلاً دون إجازة عام 1973. قدم مشروعات مسرحية مثل مشروع «المسرح الكوميدي» وكتب فيه الكثير من المسرحيات، كما كتب مشروعا مسرحيا للقضية الفلسطينية وحرب أكتوبر/تشرين الأول وحرب الاستنزاف والقضية الوطنية للمصريين ضد الاحتلال البريطاني. قدم للمسرح التجريبي غير ما أشرت إليه في بداية مقالي عنه، عددا كبيرا من المسرحيات منها «هم كما هم ولكن ليسوا هم» و«الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء» و«الميراث» وغيرها، كذلك خمس مسرحيات تجريبية في فصل واحد، وزاد ما قدمه من مسرحيات تجريبية عن العشرين. وقدم مشروعا للمسرح النسوي فيه خمس مسرحيات للنساء بعنوان عام « أكسبريسو»، وعناوين خاصة بكل مسرحية. غير ما كتبه من مسرحيات مونودراما، ومسرحيات لا تزيد عن دقيقة ونصف الدقيقة تجاوزت الثلاثين مسرحية في مجموعة بعنوان لافت هو «صراع الألوان» و«مزامير» مسرحية تجاوزت الخمس والعشرين.
أنت هنا في كل ما كتب وأخرج في قلب التجريب في المسرح الذي صار مشروع عمره. من الناحية الأخرى يمثل السيد حافظ فكرة المبدع الشامل الذي يكتب في كثير من المجالات، فبالإضافة للمسرح تأليفا وإخراجا كتب مسلسلات تلفزيونية للكبار وسهرات للأطفال بلغت حوالي عشرين مسلسلا أخرجتها أسماء شهيرة من مصر والعالم العربي مثل كاظم القلاف وعبد العزيز منصور وحسين الصالح ويوسف حمودة ومحمد عيسى وهدى حمادة وكريم ضياء الدين ومحمد عبد السلام ومحمود بكري، وشارك فيها مشاهير من الممثلين مثل حياة الفهد وجلال الشرقاوي وياسر جلال وطارق الدسوقي ومحمود الجندي وأحمد سلامة وزيزي البدراوي وهالة فاخر ونوال أبو الفتوح وغيرهم كثير. أما المسلسلات الإذاعية فكتبها وأذيعت في إذاعات دول عربية مثل قطر وأبو ظبي والكويت والبحرين وبلغ بعضها تسعين حلقة.
منذ أواخر التسعينيات كتب السيد حافظ الرواية أيضا وتفرغ لها فأنجز أكثر من عشرين رواية.
كتبت عنه دراسات وكتب ورسائل دكتوراه وماجستير في مصر والعالم العربي مذهلة في عددها وعناوينها وتم طبعها في بلاد مثل الجزائر والمغرب وتونس والكويت والعراق، وطبعا مصر، لكن في العالم العربي أكثر. كتب وصلت تقريبا إلى السبعين كتابا لأسماء رائعة من النقاد والباحثين والمفكرين لا يتسع لأسمائهم المقال، عن موضوعاته وشكل كتابته في المسرح والرواية ومظاهر التجديد والتجريب عنده في كل أنواع كتابته في المسرح التي أشرت إليها والرواية.
ما جرى من احتفاء بأعماله في مصر وخارجها، جعله في استغناء متفرغا للكتابة فقط، حتى إنه كان يطبع رواياته على نفقته إلا مرة أو مرتين، وعندما قلت له مرة لا بد أن تذهب بها إلى دور النشر لأنك تطبع كميات قليلة ابتسم. هو سعيد بالكتابة لا أكثر كما أقام كل المشروعات التي أشرت إليها بجهده وماله الذي طبعا فاز به من الدول العربية في غربته ونفد مع الزمن. أصابته أمراض العمر فصار حبيس بيته يطل من صفحته على الفيسبوك، كثيرا ما يتأسى ولا يعلن السبب الذي أخمنه أنا، فهذا الجهد الجبار عبر السنين كان كفيلا بترشيحه إلى أكبر جوائز الدولة، أو الاحتفاء بإنتاجه المسرحي من هيئة المسرح، فتخصص شهرا مثلا في مسارح مصر تعرض فيه مسرحيات مختلفة له، أو تعيد هيئة حكومية طبع أعماله وأشياء كثيرة يمكن أن تحدث لقامة وقيمة لها هذا المنجز الرائع لكن حتى مهرجان المسرح التجريبي لم يقم بتكريمه منذ بدأ حتى الدورة الأخيرة التي انتهت منذ أيام.

روائي مصري