«مهرجان حبَّات السُّكر» للعراقي حسن عبد الحميد: الافتراق في الشّكل

نصوص المجموعة الشعرية «مهرجان حبَّات السُّكر»الصادرة عام 2020 عن دار ماشكي في الموصل، تفرض علينا أن نتأمل مرة أخرى طبيعة العلاقة القائمة بين الشكل والمضمون، مع أن هذه العلاقة لم تغب عن قائمة الموضوعات المدرجة في حلقات النقاش، التي يخوضها المبدعون والنقاد والمثقفون، وفي سياق هذا النقاش الذي ما أن نجد درجة حرارته تنخفض، فإذا بها تعود إلى درجة الغليان، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن لمفهومي الشكل والمضمون جوانب مختلفة من حيث التناول، إلاّ أن القضية الأهم في إشكالية هذه العلاقة، تكمن في أن الحديث عن المضمون من غير الممكن أن يمر إلاَّ من خلال الشكل، وهذا ما بدا واضحا في هذه المجموعة الشعرية، فقد عكس البناء الشكلي رسالة الشاعر عبد الحميد في الحياة، ورؤيته الفنية في تحديد علاقته بمفهوم الشعر، لأن الشكل ما هو إلا مضمون تحول إلى شيء حسب الناقد فيساريون بيلينسكي(10811 – 1848 ).

الاختلاف عن الآخرين

إذا ما اتجهت بوصلة الحديث نحو الشعر العربي، فإننا سنجد مفهوم الشكل كان المهيمن على مسار التراث الشعري العربي، منذ ما قبل الإسلام، فالقصيدة كانت مرهونة في حضورها ووجودها بوجود الشكل، وبغيابه يغيب الشعر، وكان ذلك معيارا أساسيا لطالما كرسته الذائقة الشعرية العربية بمنظومتها التقليدية، ومن هنا يتجلى على مرّ الأزمنة توق عديد الشعراء إلى الاشتغال الفني، بعيدا عن اشتراطات العمود الشعري، بعد أن تحول إلى حاجز ثقيل يمنع الشعر من التحليق عاليا وبكل الاتجاهات، للتعبير عن المضامين التي تتبدى في ذات الشاعر، بينما هو يواجه عواصف الزمن الذي يعيش فيه، وحسن عبد الحميد منذ أن بدأ مغامرته في الكتابة الشعرية في سبعينيات القرن الماضي، كان هاجسه أن يكتشف خصوصيته في شكل النص الذي ينجزه، وكان مصرا على أن يكون مختلفا عن غيره، ومتجاوزا لما سبق أن أنجزه في كل تجربة شعرية جديدة كان قد أقدم عليها، رغم أنه لم يكن غزير الإنتاج مقارنة بمجايليه شعراء السبعينيات، لأن الصحافة كانت قد أخذت منه الكثير من الجهد والوقت على حساب الوقت المكرس لكتابة الشعر.

أنسنة الحياة

يحيلنا مجموع النصوص الواردة في هذه المجموعة إلى بعض مما شهده الشعر العربي الحديث من تحولات جذرية على مستوى الشكل، حيث بدا فيها عبد الحميد منقطعا عن الموروث الشعري العربي، وهذا الافتراق في شكل الكتابة أدى بالنتيجة إلى إشكاليات في التوصيف النقدي، لأن النصوص تخلو تماما من القافية والوزن الخليلي، بالتالي سنقف أمام صيغة شعرية يتسم بناؤها الفني بالقصر والإيجاز والكثافة، إضافة إلى المفارقة.
أمس أغلقت الباب
على الليل
وأغريته بالقصائد
دقَّ الصبح علينا الباب
يريد ثمن المبيت!
إذن نحن أمام بنية شعرية يصوغها الشاعر بمفردات قليلة جدا، لكنها معبأة بمستويات متراكبة من الدلالات، بالتالي فهي تقودنا إلى أن نفتح نافذة مختلفة في رؤية الشعر الذي يؤنسن الحياة، علّنا نمسك بتعددية ما يحيله النص من أفكار تعبر عن توظيف الطاقة الشعرية، في استيعاب واستظهار الخبرة الإنسانية المتراكمة، جراء تواصله وتفاعله مع تفاصيل الحياة، ربما تبدو للوهلة الأولى تركيبة الجملة الشعرية من حيث الدلالات بسيطة، لاعتماد الشاعر على رهانات لغوية لا تنجرف في تعالقات معقدة، إلاَّ أن مسار القراءة، إذا ما اعتمد استراتيجية التأمل لاستيعاب دينامية الأضداد والمفارقات الذكية، سيحيلنا إلى لحظة من الوعي، تتجلى أمامها طبيعة المنحى الشعري الذي يتمثله الشاعر في مجمل نصوصه، بما تتعبأ به من محمولات وجدانية تبدو طاغية على شكلانية النصوص.
«أراد القمر أن يلعب
فخرج من بيت الليل
حافيا…
ولم يستطع العودة
في النهار

معنى الكتابة الشعرية

تحيلنا شاعرية حسن عبد الحميد في هذه التجربة الخاصة في سياق اشتغاله الشعري، إلى أن نبحث عن معنى الكتابة الشعرية، لأن ما جاء في سياق التصورات التي طرحها لتشييد الإحالات التأويلية في تراكيب الجُمل وتشكلاتها المنفتحة على كل ما له صلة بالحياة الإنسانية والطبيعة، تقودنا إلى استبعاد الصورة النمطية للمقولة الشعرية، ليس في نموذجها الكلاسيكي، بل يتعدى ذلك إلى ما ينضبط ضمن تأطير شعر التفعيلة أيضا، وصولا إلى قصيدة النثر، فقد خلت جميع النصوص من الأبعاد التي تطرحها هذه النماذج، وقد تكون في ما هي عليه من كثافة لغوية واختزال في الدلالات أقرب إلى قصيدة الهايكو، لكنها بعيدة عنها من حيث عدم التزامها باشتراطها التقنية في البناء.
الفيل البدين
ظّن النايّ
عودا نحيفا
وحين نفخ فيه
فرّ من فرط الدهشة
والخوف
نحن أمام تجربة خاضها عبد الحميد بعد مشوار طويل من الاشتغال في عالم الكتابة، بمعنى أن مجيئها بهذا التشكيل الاختزالي من حيث اللغة، وبما تظهره من استراتيجية قائمة على اكتشاف الشعر في مناطق لا تبدو للوهلة الأولى أن لها أي صلة بالشعر، تحيلنا إلى اكتشاف فاعلية الانفتاح المعرفي لديه، إزاء المفردات التي يتعامل معها في محيطه الإنساني، إلى الحد الذي يقتضي منه تفكيك علاقته بها، والذهاب برهانه التأملي إلى بناء سيرورة لغوية جديدة، تتجذر دلالاتها من الآفاق التي يمنحها الشعر عندما يلامس الأشياء.
عيوني
أتعبها التحديق
في قراءة
ما يكتبه النمل
على صفحات
الرمل

ممكنات النص التأويلية

يمكن لقارئ نصوص»مهرجان حبات السكر» أن يجد ذائقته تقف أمام ممارسة في الكتابة الشعرية لا تعتمد قدرا طاغيا من المؤثرات اللغوية التي تشتغل على مغازلة العواطف، بقدر ما فيها من نسق قائم على إنتاج صور شعرية تنبثق من منظومة تتجاوز مسألة إحداث التأثير اللحظوي على المتلقي، حيث يكمن امتيازها الشعري في إرغامه على أن يستبعد الأطر الجاهزة من ذائقته التي اعتاد أن يتكئ عليها في تلقي الشعر، وهذا الانفتاح على فضاء شاسع من الدلالات داخل نص شعري يتوارى خلف عدد محدود من الكلمات، يشير إلى الممكنات التأويلية، التي راهن عليها الشاعر وهو يستقصي آليات الاختلاف في بناء جملته الشعرية باقتصاد محسوب ومقنن.
بكى الطفل مرارةً
حين أبصر لعبته
تهوى طفلاً غيره
إن النص الشعري في هذه المجموعة يسجل موقف الشاعر إزاء العلاقات الإنسانية، وبقدر ما هو مشغول بالتقاط ما يبدو منها ظاهرا ومكشوفا في التفاصيل اليومية، إلاَّ أنه يعود بنا إلى الوراء ليتفحص المعايير التي حددتها المنظومة الميثولوجية في الذاكرة الإنسانية، في محاولة منه لاكتشاف معنى آخر، عبر فرضية يقترحها على المسار الميثولوجي، وهذا الفعل القائم على شرطية السؤال سيأخذ بالنص إلى أن يكون صياغة شعرية تتماهى مع آليات الاشتغال الفلسفي، طالما أنه وضع القارئ عند نقطة تتوفر فيها إمكانات التساؤل باتجاهات معاكسة لمنطق الحكاية الميثولوجية.
لو قال الرجل
للمرأة:
أحبك ملء قلبه
ما تجرأت
على أكل التفاحة

نقاوة الشعر

هنالك امتداد في منحى ما يتفاعل معه الشاعر خلال علاقته مع الحياة، وفعالية حضوره معها، نجدها تتكشف في سياق ما يُردِّدُ من مفردات لا تكتمل دلالتها إلاَّ عندما تستدعي الشعور بأهمية الحرية: «أيها الزمان.. لماذا سرقت شرنقتي ومنحت الفراشات جواز سفر دائم».
إلاَّ أن عبد الحميد، ورغم تماديه في أحلامه، لكنه يعترف باضطراب اللحظة التي تحيط به في هذا العالم، وهذا ما يجعل وجوده مرهونا بحالة يتحقق فيها الشك، في ما إذا كان موجودا أم لا، وإزاء هذه الحساسية التي لا تفارقه، فهو يكشف لنا عن طبيعة القلق الذي يحمله في داخله، باعتباره دافعا إلى التساؤل والبحث عما يتوق إليه من ضوء.
لم أكن غارقاً
في ثنايا الحلم
كنت محض اضطراب
أنا وخلفي الباب
متحدين..
ما بين ظل وضوء
هل أدخل؟
وأدع الباب.. خارج الظل
أم أدَّعي وهماً
أني كنت وحدي
لا ظل.. لا ضوء
ولا.. باب
لعل أبرز ما يتجلى في نصوص هذه المجموعة، بل في مجمل ما يكتبه حسن عبد الحميد أنه يبتعد عن اللعب البلاغي، ودائما ما يكون مسكونا بطرح أسئلة ترتبط بوجوده وحضوره الإنساني، فالنص الشعري في سياق تجربته يبدو محاولة منه لاكتشاف ذاته وهي في حالة تفاعل وتصادم مع العالم، بكل ما يحتشد فيه من غموض وسحر وجمال وقسوة وابتذال، فالكتابة هنا تستحيل إلى تجربة عميقة يلتجئ إليها الشاعر بكل ما يحمله في داخله من إحساس عال بالجمال، لمواجهة ما قد يصادفه من انكسارات في حياته اليومية.
الطيور
وحدها تعلمت الطيران
فما بالك بالروح
والنملة
يطيران بلا اجنحة .
يبدو الشاعر في هذه النصوص، وهو يحاول أن يقطع مسافات طويلة من الأسئلة، من غير أن يتكئ في مفرداته المقتضبة على قواعد انتهجها الأسلاف، ومن غير أن يكون صوته جهوريا، وإذا ما أردنا الدقة في التوصيف، فإن عبد الحميد اقترب كثيرا من التأمل وهو يتصدى لإملاءات الواقع، كما لو أنه كان ساعيا إلى الحفاظ على نقاوة الشعر، حتى لا ينصاع إلى ما تفرزه الحياة من تشوهات.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية