مهرجان سينمائي عراقي دولي للأفلام الروائية الطويلة

كيف يمكن استيعاب فكرة أن بلدا يقيم مهرجانا دوليا للسينما، بينما في الواقع يفتقر إلى بنية تحتية لقيام صناعة سينمائية؟ مثل هذه الفكرة لكي تصبح مشروعة، ينبغي أولا أن تكون هناك خطة عمل سنوية واضحة ينتج من خلالها على الأقل 10 أفلام في العام الواحد، ولا بد لهذه الأفلام من أن تأخذ طريقها إلى دور العرض السينمائي، وتحقق عائدا ماليا يغطي كلفة الإنتاج، مع هامش معقول من الربح، أمَّا أن يتم إنتاج فلم واحد كل عشرين عاما، فهنا يطرح سؤال آخر: ما هي المبررات لإقامة مثل هذا الحدث؟
الأخبار التي تناقلتها الصحف والمواقع الإلكترونية، تشير إلى أن هناك تحضيرات في العاصمة العراقية بغداد لإقامة مهرجان سينمائي دولي من قبل نقابة الفنانين العراقيين، وبتمويل ودعم من رئاسة مجلس الوزراء بلغت قيمته ملياري دينار عراقي. وهنا لا بد من أن يطرح سؤال جوهري: كم عدد الأفلام الروائية الطويلة التي يتم إنتاجها سنويا في العراق؟ الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى جهد حتى نحصل عليها، فما أن نجري بحثا سريعا في شبكة الإنترنت حول هذا الموضوع، سنكتشف أن عجلة الإنتاج تكاد أن تكون شبه متوقفة منذ عام 2013. فما الذي استجد إذن حتى تتبلور فكرة إقامة مهرجان دولي للأفلام الروائية الطويلة؟

فعاليات بعناوين فضفاضة

لربما هذه المسألة تندرج في إطار غايات سياسية أو سياحية أو اقتصادية، لا علاقة تجمعها بقضية تفعيل وتنشيط واقع الإنتاج السينمائي في العراق، في الوقت نفسه لا أستطيع أن أعزل فكرة طرح مثل هذا المهرجان عن مناخ الفساد الذي عمَّ كل شيء، ما أتاح الفرصة لشيوع فعاليات سينمائية تحمل عناوين فضفاضة، ليس لها أي مقدمات واقعية على الأرض، بالتالي لن يكون لها أثر يخدم الإنتاج السينمائي، وسيذهب المهرجان في قصدياته إلى سياق بعيد عن تطلعات السينمائيين، فما جدوى إقامته وأنت لا تملك خطة وطنية واضحة لبناء صناعة سينمائية محلية؟ وما جدواه طالما لا تملك شركات مملوكة للقطاع الخاص تتولى وتدير عملية الإنتاج؟ وما الفائدة المرجوة منه وأنت لا تملك القدرة على إنتاج فيلم واحد كل عشرة أعوام؟

ميزانيات ضخمة وأشرطة ضعيفة

ليس بعيدا عن الملاحظات التي تنزع المصداقية عن مثل هذا المهرجان، لا بد من الإشارة إلى أن الاتكاء على ما ترصده الدولة من ميزانيات مالية ضخمة لإنتاج أفلام روائية، لن يؤسس أرضية صالحة لقيام صناعة سينمائية، لأن كل تجارب العراق السابقة في هذا الشأن، أفرزت أشرطة بائسة من الناحية الفنية، لم يرض عنها النقاد ولا الجمهور الخاص الذي أتيحت له فرصة مشاهدتها في عروض خاصة، فكان مصيرها أن وضعت على الرفوف وتراكم عليها الغبار، بالتالي تم إهدار تلك الميزانيات، دون أي جدوى، سوى أن انتفخت جيوب شلة من الإداريين والفنانين، كما هو الحال مع أكثر من عشرين فيلما تم إنتاجها من قبل وزارة الثقافة العراقية، عندما اختيرت بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013، ولم يكن الحال أفضل قبل عام 2003، فما أنتجته دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والإعلام العراقية آنذاك تنطبق عليها الملاحظات نفسها التي ذكرناها، مثل الأفلام التالية: «القادسية، الفارس والجبل، يوم آخر، الحدود الملتهبة، حفر الباطن، شمسنا لن تغيب» فقد خصصت لهذه الأشرطة السينمائية ميزانيات مالية كبيرة جدا، لكن النتيجة كانت أفلاما تقليدية بكل المعايير الفنية، إضافة إلى أنها ذات صبغة دعائية سياسية، بذلك افتقرت إلى الايحاء وغرقت في خطاب ترويجي، لم تنطل غاياته على الجمهور، ما أفضى بها إلى الفشل تجاريا، كما فشل أغلبها أيضا في أن يحظى بقبول إدارات المهرجانات الإقليمية والدولية. من الجيد أن تكون هناك نوايا طيبة، لكن النجاح لا يتحقق بالأمنيات، ولأجل أن تكون هذه النوايا مشروعة، لا بد من العمل الجاد على تهيئة أرضية مادية حتى تصبح الأحلام واقعا ملموسا، وليس من الوارد أن تقيم مهرجانا دوليا وليس في جعبتك نتاج محلي.

تجارب ناجحة من العالم الثالث

لنأخذ على سبيل المثال بلدا مثل الأرجنتين، الذي يحسب على بلدان العالم الثالث، حيث تم إنتاج أول فيلم روائي عام 1914 بعنوان «أماليا» وابتداء من هذا التاريخ استمر الإنتاج بوتيرة متصاعدة، حتى وصل عدد الأفلام التي يتم إنتاجها سنويا مع نهاية تسعينيات القرن الماضي بحدود 50 فيلما، والملاحظ أن مهرجان بوينس أيرس الدولي للأفلام، كان قد أعلن عن انطلاق دورته الأولى عام 1999، وهذا ما يؤكد أن فكرة إقامة مهرجان دولي تأتي باعتبارها تحصيلا لما هو حاصل من حيوية في الإنتاج. وخلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وصل الإنتاج السنوي في الأرجنتين إلى ما يزيد عن 66 فيلما. واليوم يعد مهرجان بوينس أيرس الأكثر أهمية للسينما المستقلة في أمريكا اللاتينية، ويعد في نظر النقاد والمهتمين بالفن السينمائي من أهم المهرجانات التي تهتم بالرؤى الإبداعية، وجرأة الطروحات. واستحق أن يكون الأكثر ضخامة وشهرة في أمريكا اللاتينية.
دعائم النهوض
إن النهوض بالفن السينمائي يتأسس على ما يتم إنتاجه من أفلام وليس على مهرجانات دولية، مع غياب تام للإنتاج المحلي.. من جانب آخر يمكن النظر باهتمام للمهرجانات المحلية التي تقام سنويا في عدد من مدن العراق، لأنها تمنح الفرصة للموهوبين من الشباب، حتى يعبّروا عن قدراتهم، ويكتسبوا خبرة تضاف إلى رصيدهم.
باختصار؛ إقامة مهرجان دولي في العراق هذه الأيام لن يؤسس لبيئة إنتاجية، ولن يضيف أي رصيد مثمر للنهوض بواقع الإنتاج، ومثل هذه الفكرة تعبير صريح عن قطيعة واضحة ما بين الواقع والداعين له.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية