تتولد الأحداث التراجيدية في بعض الأحيان من مآسي الحروب فتُمنح السينما فرصة التوثيق، لتتحول الوقائع الحية إلى تاريخ فيصعُب نسيان التفاصيل المؤلمة إذ تبقى الذاكرة السينمائية وعاءً للفكرة بما تنطوي عليه من ملابسات وتواريخ وشخصيات وعقود.
ويمثل الإبداع في هذا الجانب خصوصية مهمة، لاسيما إذا كان مُتصلاً بدوره وكنيته وموضوعه بشهادات صادقة عن جزء فائت من تاريخ مجهول رسمت الحروب فيه الخطوط العريضة لشكل الحياة بعذاباتها ومآسيها وضحاياها، كما هو مُبين في الوثيقة السينمائية المُتمثلة في الفيلم الروائي الطويل «ابن بابل» إنتاج عام 2009 للمخرج العراقي محمد الدراجي، والأبطال شازادا حسين وياسر طالب وبشير الماجد.
يحكي الفيلم الذي يبلغ زمنه الدرامي نحو مئة دقيقة عن مأساة أم تغيّب ابنها الوحيد لعدد من السنوات بعد الزج به في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وظلت الأم تنتظر رجوعه، لكنه لم يعد، وبعد مرور فترة طويلة سمعت بوجود أسرى أحياء في الجنوب، فشدت الرحال إلى هناك آملة هي وحفيدها الطفل البالغ من العُمر 12 عاماً في رؤية ابنها إبراهيم.
وفي الطريق تتعاظم عليها الأهوال ما بين صعوبة الحصول على وسيلة تنقلها هي والحفيد من شمال العراق إلى جنوبه، وقلة الزاد وإنهاك السفر ووعورة المسلك وضعف قوتها وخوفها على الصغير، الذي صار أمانة في عنقها تأبى إلا أن تُقابله بأبيه فيعرف كل منهما الآخر فيطمئن قلبها.
ذلك هو الخط البياني الواضح في أحداث الفيلم، ورحلة السيدة العجوز الباحثة في ركام السنين وعناء الأيام وويلات الحرب عن عنوان بقائها وبقاء حفيدها عبر تتبع لمسيرة الأب المفقود بلا دليل أو عنوان، غير أنها تسترشد فقط بإحساسها الذي يقودها في الاتجاه الصحيح من وجهة نظرها، وهي كناية وجدانية يستلهما الكاتب والمخرج محمد الدراجي من طبيعة الأم وفطرتها، حيث لا مجال أمامها غير اتباع إحساسها وتشبثها بحُلم اللقاء المُرتقب.
وفي أثناء الرحلة تُبدل الجدة ثياب حفيدها أحمد وهي على أبواب السجن، كي يبدو الطفل في عين أبيه جميلاً وجذاباً ويزهو الصغير بملابسه الجديدة في براءة، لكن اللقاء لم يتم فإبراهيم الأب ليس من بين الأسرى والمُعتقلين، وهنا يتجدد الحزن ويطول أمد المسيرة وتلعن الجدة الحرب والساسة والجنرالات، وفي الوقت نفسه تستأنف رحلتها بعد أن تُصادف موسى بطل الرواية الثالث، الذي كان يعمل في الحرس الجمهوري قبل انهيار العراق وسقوط النظام القديم، فتنفر منه وترفض معاونته في بادئ الأمر، رغم تعلق حفيدها به.
وتمضي الأحداث بطيئة ثقيلة ولم تنقطع رحلة البحث المُضنية للجدة والحفيد وموسى رفيق الدرب والطريق، وتتكشف بفعل الاستقصاء الدائم والمُستمر مفاجآت أخرى لم تكن في الحُسبان.
وهنا إلماح إلى بشاعة الجُرم الذي ارتكبته الأنظمة الحاكمة في حق الشعوب الآمنة، فجعلت الجميع مُدانا وشريكا في الجريمة، حتى إن لم يكن ضالعاً في القتل أو الأسر أو التشريد، فليس هناك شفاعة لأحد طالما كان راضياً عما يحدث، اللهم إلا من ثبتت براءتهم كشخصية موسى التي استثناها محمد الدراجي من الإدانة وهي نقطة تحول جوهرية في الحُكم على المرحلة التاريخية التي شهدت فيها العراق أسوأ وأقسى أيام الظُلم والاستبداد وفق ما يطرحه الفيلم.
وتمضي الأحداث بطيئة ثقيلة ولم تنقطع رحلة البحث المُضنية للجدة والحفيد وموسى رفيق الدرب والطريق، وتتكشف بفعل الاستقصاء الدائم والمُستمر مفاجآت أخرى لم تكن في الحُسبان، حيث تم العثور على عدد من المقابر الجماعية لمئات الشهداء وانحصر الأمل في أمنية مُغايرة وبديلة عن رؤية الأب المُتغيب إبراهيم حياً، وبات الهدف الوحيد هو العثور على جثته بين جُثث المقبورين جماعات بلا شواهد أو أسماء أو ما يدل عليهم! وفي غياهب الرحلة وظُلماتها ينضج الولد الصغير فيعرف ما يتحتم عليه من واجب تجاه أبيه ويعي رسالة جدته فيظل يبحث عن هوية والده مُسترشداً بما تقوله جدته عن مواصفات غيبتها السنين وضيعتها عوامل التعرية، فلم يتبق غير الاسم دليلاً إن وجد فهو كاف للتعرف عليه، لكنه تاه أيضاً بين زحام الأسماء ولغط العناوين والهويات، كأنه المعنى الكلي للأحداث برمتها.. غياب الإنسان والهوية وتقطع أواصر الصلة بالأهل والأوطان والأرحام والاستغراق في متاهة الزمن والحروب بعد خراب المُدن والبيوت وضياع الأرواح وفقدان البوصلة.
كل هذه الدلالات يجسدها المخرج محمد الدراجي في المشهد الأخير للطفل وهو يصرخ في وجه الكاميرا بعد موت جدته راجياً إياها أن لا تتركه وحيداً في الحياة بلا سند أو رفيق، بيد أنه يعاود الإمساك بالناي الذي كان يصاحبه طوال رحلة السفر محاولاً العزف عليه للمرة الأخيرة ليُرثي جدته ويستشرف مستقبله البعيد عله يجد فيه ما يعينه وما يشجعه على البقاء، وهي نهاية يختلط فيها الحزن بالشجن بالحُلم، فلم يشأ المخرج أن يجعل الأمل مفقوداً في الغد فرمز إليه بالطفل أحمد ليكون باكورة نبت جديد لجيل آخر يرفض الحرب ويتمسك بالحياة.
كاتب مصري