مواجهات الإعلام والحكومة السورية في مونترو… بعضها عدائي وآخر لطيف… وللجميع التجربة ‘سوريالية’

حجم الخط
1

لندن ـ ‘القدس العربي’ توفر جنيف للوفدين السوريين الحكومي والمعارض منطقة محايدة تبعد المشاركين عن جحيم الحرب الدائرة في بلادهما. وبالنسبة للوفد الرسمي فهدوء المنطقة قطعه سيل من الأسئلة الدائمة حول موقف الحكومة من الصراع والإتهامات الموجهة للنظام السوري. وتحولت المؤتمرات الصحافية التي يعقدها المبعوث الدولي الخاص الأخضر الإبراهيمي لساحة تنافس بين طرفي النزاع الموالي والمعارض، حيث نصبت الأطراف خيامها وتتسابق فيما بينها على طرح الأسئلة التي تعبر عن وجهة نظرها.
وقد أدى هذا الوضع بالإبراهيمي للتساؤل مرة إن كان الحاضرون في مؤتمره الصحافي ‘سوريين’.

أسئلة السوريين

وبالنسبة للوفد الحكومي فقد أمطر بسيل من الأسئلة، حول ضرب النظام للمدنيين، وماذا حدث للطبيب البريطاني عباس خان الذي مات في سجون النظام. وسئل أعضاء الوفد الرسمي عن عدم ضرب الجهاديين عوضا عن المدنيين.
وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن الأسئلة التي تطرح على أعضاء الوفد الحكومي لا تأتي من الصحافيين الأجانب التي تعود عليها المسؤولون السوريون بل من السوريين أنفسهم وهي أسئلة ‘تقرص’ بشدة.
وقالت الصحيفة إن الناشطين من المعارضة والصحافيين السوريين يظهرون ويحضرون في كل مكان، في قاعات الفنادق، والشوارع الجانبية وحتى في قاعات الطعام، ويقومون بملاحقة المسؤولين السوريين بطريقة تذكر بمايكل مور، المخرج الأمريكي المعروف وهو يحاول تصيد روجر سميث، مدير شركة جنرال موتورز في حينه ‘روجر وأنا’.
وتضيف إن ما يجري من ملاحقات وبحث وأسئلة تعتبر بالنسبة لكل فريق أول مرة يجربها. وتعتبر مهمة أهم من الأشياء التي تجري في أروقة المؤتمر وغرفه الداخلية.
فما يجري هو عن ‘المناظر’ أكثر من النتائج ‘فهنا في سويسرا المحايدة والآمنة، يجد المسؤولون السوريون أنفسهم عرضة للسؤال في أي وقت ومكان، ويسألون عن أي شيء، وهم الذين تعودوا على لقاء الصحافة في مؤسسات الدولة التابعة للحكومة’.
وتعتبر التجربة صورة سوريالية بالنسبة للناشطين أنفسهم، من أمثال عدنان حداد، الناشط من حلب الذي ينظر إليها بهذه الطريقة ‘لو حاولنا طرح الأسئلة عليهم في سوريا لتعرضنا للتعذيب’.
وتقول الصحيفة إن المواجهات الجديدة ـ بعضها دافئ وآخر عدائي- حدثت للسوريين من كل الألوان، مما سيقود لاحقا إلى إحداث نوع من الأثر على الحرب التي استقطبت الجميع وجعلتهم لا يتوافقون حتى على الحقائق الرئيسية عوض الإتفاق على الحل.

لحظة تاريخية

ويظل الأمر جديدا بالنسبة لوفد المعارضة الذي لم يتحدث أفراده قبل ذلك لناشط أو صحافي في المعارضة حسب صحافي عربي عمل في سوريا لسنوات.
ويضيف الصحافي أن حقيقة جلوس أعضاء الوفد الحكومي ليس بعيدا عن المعارض والسجين السياسي السابق هيثم المالح تظل ‘لحظة تاريخية’ في حد ذاتها، تماما كما لو جلس الساسة في النظام الستاليني فجأة مع المعارض سوزلينشتين أو ساخاروف’، إنه مثل كتاب ‘ظلام في الظهيرة’ مشيرا للكتاب الذي كشف عن القمع في الحقبة السوفيتية.
وتشير الصحيفة إلى مواجهات جديدة على مستويات منخفضة تجري، حيث يلتقي الأصدقاء القدامى الذين وجدوا أنفسهم على الجانب الآخر من الصراع ويسلمون على بعضهم البعض أو يتجنبون بعضهم البعض. وبنفس السياق يجد الصحافيون من كافة الأطراف أنفسهم في غرفة واحدة، صحافيون من قناة حزب الله ‘المنار’ والإعلام الرسمي السوري الذي أرسل وفدا كبيرا للمؤتمر ‘لدرجة قادت بعض الناشطين للشك أن بعضهم أرسل كي يراقب زملاءه’.
وتشير الصحيفة إلى تجربة حداد وزميله رامي الجراح اللذان دخلا وسط مؤيدي الأسد الذين تظاهروا أمام المؤتمر وسألا البعض حول رأيه في الإطاحة بالأسد، حيث رد البعض بأدب فيما صرخ آخرون ‘ الله، سوريا وبس’، وأمسكوا بهما فيما قام أحدهم بأخذ هاتف حداد ورماه. ويعلق حداد ‘هذا ما يفعلونه في وسط أوروبا، تخيل ما سيفعلونه للشعب السوري’، قائلا إنهم لا يحترمون وجهة نظر الطرف الآخر. وأشارت الصحيفة إلى محاولة صحافي من المعارضة، أحمد زكريا توجيه سؤال لعمران الزعبي، عندما سأله عن رحيل الأسد، فرد الوزير إن الأسد لن يرحل، وكيف قام شخص بالإمساك بزكريا وتمزيق بطاقته الصحافية. ولم تعجب أسئلة زكريا فيصل مقداد نائب وزير الخارجية الذي قال إن هذه الأسئلة يطرحها الإرهابيون ‘ربما تمثلهم’.

تجربة مخيفة

ورغم الجو المحايد والمواجهات الجديدة بين الطرفين إلا أن البعض وجد فيها تجربة مخيفة، فناشطة تخاف على عائلتها في سوريا وجدت نفسها في موقف عندما قام صحافي إيراني بمد عنقه لقراءة اسمها على بطاقة التعريف في المؤتمر مما جعلها تخفيها داخل سترتها. ويقول آخر إنه عندما قابل صديقته السابقة، وهي موظفة في الإعلام الحكومي، طلبت منه الصمت خشية أن يكون صوتها مسجلا.
وفي مواجهة أخرى قابل صحافي مؤيد للحكومة المعارض ميشيل كيلو وسأله عن الهجوم على بلدة معلولا المسيحية. وألقى كيلو اللوم على الحكومة وقال إن المقاتلين قتلوا ثلاثة رجال هناك ليس لأنهم مسيحيون بل لأنهم شبيحة، ويقول الصحافي إنه طلب من كيلو شجب ما يجري كسياسي إلا أن كيلو تمسك باتهامه للحكومة.
ويشير التقرير إلى أن بعض الحوارات انتقلت من العداء للتبادل الحقيقي بين المتحاورين والتأكيد على أهمية إنهاء القتل والعنف. ويقول حداد إن مراسلا في قناة المنار قدم نفسه ‘أنا من حزب الله’، فرد حداد ‘هل تعتقد أننا راضون عن قتلكم السوريين’، فرد الصحافي أنهم يقومون بحماية مزار السيدة زينب.
ورد حداد بغضب ‘لقد قتلتم نصف الشعب السوري لحماية المزار’. وحوارات غاضبة مثل هذه كانت تخف وتتحول لتبادل حقيقي في المعلومات.
قد تكون اللقاءات بين الصحافيين أكثر عملية، لكن لم يكن حداد ولا رفيقه محظوظين مع مستشارة الرئيس الأسد بثينة شعبان التي قام رجل وحرف الكاميرا عن وجه المستشارة وغطى عدستها. والمهم في مؤتمر جنيف-2 هو أنه ‘عن الحديث’ والمواجهة بين الطرفين بالكلام لا الرصاص وهذا ما بدا في تحليل كيم سينجوبتا مراسل صحيفة ‘إندبندنت’ حيث كتب فيها عن الربيع العربي وأن فكرة انعقاد مونترو هي في حد ذاتها انتصار.

انتصار

ويذكر الكاتب بدول الربيع العربي من تونس إلى ليبيا ومصرـ وفي سوريا يقول إنه شاهد بلدا يتفكك، ورأى الوحشية والموت ومن بينهم صحافيون كانت منهم ماري غولفن، مراسلة صحيفة ‘صاندي تايمز’ التي قتلت في مدينة حمص.
ويرى أن العمل خارج المناطق الخاضعة للحكومة أصبح خطيرا، وفي الوقت الحالي هناك 30 إعلاميا في عداد المفقودين.
ويقول إن ‘جنيف-2 يهدف لوضع حد لنزيف الدماء في سوريا لكن الطريق طويلة، ومراقبة وفدي الحكومة والمعارضة ممن حاولوا التظاهر في مونترو لا يمنح ثقة، ولكن حقيقة انعقاد المؤتمر الذي لم ينسحب منه أحد بعد يعتبر في حد ذاته انتصارا’.
وأضاف أن هناك مشاكل كبيرة على الطريق، خاصة فيما يتعلق بمصير بشار الأسد ‘لكن المحادثات هي الطريق الوحيد للخروج من هذا الجنون’. والجنون هو ما يحدث في سوريا.

عدرا

وفي تقرير كتبه باتريك كوكبيرن من بلدة عدرا التي شهدت مجزرة كما يقول الشهر الماضي.
وينقل عن أحد الجنود قوله إن المقاتلين الإسلاميين جاؤوا من الخط الرئيسي لمياه الصرف الصحي ‘ في الساعة 4.30 صباحا وفاجأونا’.
ويقول الجندي الذي قدم نفسه باسم أبو علي إن المقاتلين الإسلاميين اختاروا يوما باردا في كانون الأول/ديسمبر الماضي للهجوم على البلدة الصناعية في شمال دمشق ‘كان الثلج يتساقط ولم يكن باستطاعة أحد رؤية أبعد من قدمين أمامه’. ويصف كوكبيرن عدرا بالغابة الضخمة من الإسمنت والحديد وأماكن صناعة السيارات، وتحولت لمكان يواجه فيه الجيش الحكومي والمقاتلين بعضهم البعض ولكن بدون أن يكون أحد قادرا على حسم المعركة لصالحه. وكلما حصلت مناوشات هرب السكان أو اختبأوا في بيوتهم بدون كهرباء وبمياه قليلة.
ويشير التقرير إلى أن المقاتلين الذين هاجموا مساكن العمال في عدرا في 11 كانون الأول/ديسمبر الماضي ينتمون إلى جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة وجيش الإسلام. ونقل عن خلال الحلمي وهو موظف متقاعد عمره 63 عاما كان يعمل في وزارة النفط ‘جاؤوا ودخلوا بنايتنا وصرخوا ‘إنزلوا للشقق الأرضية، وبقينا هناك 3 أيام’.
وما جرى في شوارع عدرا ويضيف فصلا جديدا من فصول المجازر للحرب الأهلية البشعة كما يقول، فقد تم قتل 32 من سكان البلدة ممن ينتمون للأقليات الدينية، حيث جرت لهم إعدامات فورية أو اخذهم مسلحين طافوا على البيوت بقائمة من الأسماء كما يقول الكاتب. ويضيف أن تقارير تحدثت عن قتلهم للأطباء والممرضين وعمالا في المخابز، قالوا إنهم رموا في بيت النار.
ولم يتم التحقق من صحة هذه التقارير لأن الجهاديين لا يزالون يسيطرون على أجزاء من عدرا، ولكن الناجون من قمع هؤلاء وممن نقلوا الى المراكز السكنية البعيدة 3 أميال عن البلدة لا يشكون في وقوع هذه المجازر. ورغم تواجد القوات الحكومية في أجزاء من البلدة إلا أن دخولها لم يكن سهلا، وقربها لدمشق لا يعني الدخول إليها بسرعة، فقد اضطر كوكبيرن لدخول البلدة عبر الطريق السريع من الغرب، وواصلوا الرحلة بعد ذلك في طريق ترابي الذي يرابط على جانبه القناصة الذين يتبعون الجماعات المسلحة. وكانت وجهة الصحافي ومن معه هي مصنع للأسمنت كان يشغل 937 شخصا وتحول الآن لملجأ للهاربين من البلدة. ويقول اللاجئون إن الجيش أحضر لهم الخبز لكن غير ذلك ليس متوفرا لهم. وعن الطريقة التي سقطت فيها البلدة أو أجزاء منها يقول لاجئون إن أول هجوم للمعارضة حصل في شباط/فبراير العام الماضي.
ثم شنت جبهة النصرة وجيش الإسلام هجوما ثانيا خطط له، وسيطروا على أجزاء جديدة. ويتهم السكان ‘خلايا نائمة’ ساعدت مقاتلي المعارضة على الهجوم، فعدرا قريبة من دوما والغوطة الشرقية وكان عدد من سكان المنطقتين قد هربوا لعدرا وسكنوا في بناية غير مكتملة حيث يعتقد سكان البلدة أنهم هم الذين قدموا للمقاتلين أسماء موظفي الحكومة ومنهم هيثم موسى الذي اختفى وزوجته وابنته.
ويتساءل كوكبيرن عن السبب الذي منع الجيش من السيطرة بشكل كامل على عدرا . وكان رد الجيش أن وجود الآلاف من المدنيين منعهم من القيام بهذا خاصة إن مقاتلي جبهة النصرة استخدموا المدنيين كدروع بشرية حسبما يزعم الجنود.
ومع ذلك لاحظ الكاتب قلة عدد الجنود السوريين سواء في مصنع الإسمنت أو البلدة نفسها. ويعتقد الكاتب أن السبب الذي يمنع الحكومة من شن هجمات على مجموعات من المقاتلين يسيطرون على بعض الجيوب في دمشق وحمص هو لتجنب الخسائر بين جنودها وتعتمد على الحصار والقصف المدفعي لثني عزيمة المقاتلين وإضعافهم.
وفي الوقت الذي تحوم فيه شكوك حول عدد القتلى في عدرا لا أحد يشك في معاناة من نجا من أهلها. فالجو بارد حتى في منتصف النهار، وأصدر الهلال الأحمر السوري بيانا عبر فيه عن قلقه على سكان عدرا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية