دمشق – «القدس العربي»: سيطرت قوات النظام وحلفائه الخميس، على مواقع جديدة في ريف حماة الشمالي، وسط قصف عنيف، ومواجهات شرسة خاضتها ضد تشكيلات «غرفة عمليات الفتح المبين» التي تضم فصائل معارضة مقربة من أنقرة، وأخرى مصنفة أمنياً، وذلك ضمن سياسية روسيا الرامية الى فرض سيطرتها على القرى المتاخمة للطريق الدولي الذي يصل حلب بدمشق واللاذقية، وقضم المزيد من الجغرافيا السورية الخارجة عن سيطرتها، وهو ما ترجمه خبراء ومراقبون على انه خرق لا يغير من التوجهات الروسية «قيد شعرة».
لكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير الواقع، هو مدى ثبات السوريين على الارض وقدرتهم على ضبط مصالحهم بداية مع مصالح الأصدقاء والدول الضامنة، وانتهاء بالأعداء، وجعل المصلحة السورية هي الأولى، إذ ان كل ذلك مرهون بقدرتهم على رفض الاملاءات الدولية.
وقالت مصادر محلية ان ميليشيات النظام، سيطرت بعد إسناد مدفعي عنيف وتمهيد جوي من مقاتلات النظامين الروسي والسوري على قرى «الصخر وتل الصخر والجيسات» في ريف حماة، في اعقاب مواجهات عنيفة دارت مع فصائل «الفتح المبين» التي اضطرت الى الانسحاب من مواقعها لكثافة الغارات، ويأتي ذلك بعد اربع وعشرين ساعة من دخول قوات النظام الى قريتي «الأربعين والزكاة» القريبتين بعد مئات الغارات الجوية وقذائف المدفعية.
غارات
المرصد السوري لحقوق الانسان، قال ان الطائرات الحربية والمروحية كثفت من ضرباتها الجوية على ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي عبر عشرات الغارات والبراميل المتفجرة، راصداً تعاظم القصف الجوي من قبل طائرات النظام الحربية والمروحية، كما نفذت طائرات روسية غاراتها الجوية على مدينة خان شيخون جنوب إدلب، وتلال كبانة في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، كما استهدفت طائرات النظام الحربية بعشرات الغارات مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، واللطامنة ولطمين وكفرزيتا بريف حماة الشمالي، وسط إلقاء الطيران المروحي المزيد من البراميل المتفجرة على المنطقة.
وأسفر القصف عن مقتل مدني جراء ضربات جوية روسية استهدفت محيط قرية لطمين بريف حماة الشمالي، فيما ارتفع عدد الغارات إلى 49 غارة نفذتها طائرات النظام الحربية نهار يوم الخميس على كل من السكيك ومحيطها وكفرسجنة والتمانعة والعامرية خان شيخون والخوين وترعي في ريفي إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي، ومحور الصخر وكفرزيتا واللطامنة والصياد بريف حماة الشمالي، في حين ارتفع إلى 380 تعداد القذائف والصواريخ التي أطلقتها قوات النظام على ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب وجبل شحشبو وريف حماة الشمالي، بالإضافة لجبال الساحل.
ويعتبر خبراء ومراقبون ان نقض التهدئة، لا يغير شيئاً من مخرجات «سوتشي»، التي نصت على فرض واقع جديد في محافظة ادلب، إذ تصر موسكو على السير بخطى ثابتة تطبيقاً لمنهجها وتحقيقاً لتلك الاتفاقية.
وعلى المستوى العسكري والأمني، لم يستغرب الخبير السوري منير الفقير تعاظم القصف على محافظة ادلب والارياف المحيطة بها، حيث أوضح في حديث مع «القدس العربي» ان موسكو تصر على استكمال رسم خريطة محددة في محافظة ادلب، لافتًا الى ان ذلك لا يعني بالضرورة سقوطها بشكل كامل بيد النظام، لكن ذلك ممكن ان يتحقق من خلال السيطرة على الطرق الرئيسية «ام 5 و ام 4» ونزع السلاح الثقيل وتعزيز المنطقة العازلة بين مناطق المعارضة في ادلب ومناطق النظام. فالامور تسير بسياق مستمر لم يتغير شيء، حسب وصفه، معتقداً ان المعارضة السورية كانت شاهدة على خطوات جديدة دفعت بها روسيا، بحضور الضامن التركي، وذلك عبر دعم جهود «عمليات التعافي المبكر بغض النظر عن عملية الانتقال السياسي، وهذا يعني أن الامور العسكرية والأمنية الىن يجب ان تفهم في اطار عام اوسع من الحل العسكري سواء تقدم او تراجع».
الحل بعين روسية
الأمور حسب الفقير تسير بعدة مساقات لحل القضية السورية من وجهة نظر روسيا، فالاخيرة تدفع الى عودة اللاجئين بغض النظر عن شروط هذه العودة، ومنها تمديد مفهوم «التعافي المبكر»، بحسب البيان الختامي لدورة «أستانة -13»، الذي نص على إدراج عملية إعادة الإعمار، تحت عنوان التعافي المبكر، لكي تتجاوز روسيا والنظام استحقاقات الانتقال السياسي بتعريفه الذي نصت القوانين الدولية 2254.
وضمن هذا العنوان يمكن فصل اجراءات التعافي المبكر عن عملية الانتقال السياسي، كما يمكن تضمين عمليات اعادة الاعمار، وبالتالي يعود اللاجئون وتضخ الاموال من اجل هذا الملف، لانه دائماً كان هناك ربط بين عملية العودة ودعم اعادة الاعمار.
وفي حال عودة اللاجئين، يقول الخبير السياسي والباحث لدى مركز عمران للدراسات «فإن روسيا تخطط للحديث عن الحل السياسي وعملية انتخابات بلدية وبرلمانية وصولا الى الرئاسية، ويتزامن الموضوع مع بسط جيش النظام نفوذه بدعم روسي على كل الجغرافيا السورية». والخلاصة، إن روسيا تسير على خطوط عدة في الوقت نفسه، بحسب ما يقول منير الفقير، إذ يتراءى ان خط الحل السياسي يمضي فقط من خلال العملية الدستورية، كما يتراءى ان الأمم المتحدة غلّبت سلة العملية الدستورية على بقية السلال الأربع، لكنها عمليا بالنسبة لروسيا هي تسير بهم بالتوازي.
حتى سلة الحكم، ترسم لها موسكو نمطًا جديدًا، يخص نظام الحكم، إضافة الى نمط للحل السياسي بكليته، وايضاً رسم ملامح الحل العسكري وتوطيد سلطة النظام الأمنية والعسكرية، فضلاً عن التخطيط لانعاشه اقتصادياً من خلال ضخ أموال أعادة الأعمار من خلال عمل ما يشرعنه «جعل المعارضة شاهدة عليه في مؤتمر استانة وهو ما برز في البند التاسع والعاشر من بيان الدول الضامنة الختامي، الذي نص على دعم جهود التعافي المبكر الذي يغطي كامل الجغرافيا السورية بغض النظر عن مناطق المعارضة والنظام، اضافة الى عودة المهجرين بغض النظر عن كونها عودة كريمة او طوعية».
راب: الوضع مروع
وانتقد وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب الرئيس السوري بشار الأسد لاستئنافه العمليات العسكرية في إطار حملة تقودها روسيا في شمال غربي سوريا، ووصف الوضع هناك بأنه «مروع». وكتب راب على تويتر «روعني الوضع في إدلب. الأسد ألغى بدعم من روسيا وقفا مشروطاً لإطلاق النار بعد أيام فقط من إعلانه. إنه نمط سلوك متكرر». وأضاف «الهجمات على أهداف مدنية تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. هذا الأمر يجب أن يتوقف».
وعبرت مستشارة لمبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا جير بيدرسن أمس الخميس عن أسفها لانهيار وقف إطلاق النار في شمال غرب البلاد وقالت إن تجدد العنف يهدد حياة ملايين بعد مقتل أكثر من 500 مدني منذ أواخر نيسان أبريل. كما أشارت نجاة رشدي، وهي مستشارة بارزة لبيدرسن، إلى الاتفاق الأمريكي التركي الذي تم الإعلان عنه أمس الأربعاء لإقامة «منطقة آمنة» في شمال شرق سوريا. وأضافت في بيان «هناك مخاوف متزايدة لدى جهات الإغاثة من التصريحات التي تشير إلى تدخل عسكري محتمل والذي سيكون له تبعات إنسانية فادحة في منطقة شهدت بالفعل على مدى سنوات عمليات عسكرية ونزوحاً وموجات جفاف وفيضانات».