الحكايات المرتبطة بالبحر تتميز عادة بالإثارة والتشويق؛ لما يتوافر فيها من مغامرات وغموض وأخطار، وخوض غمار عالم مجهول لا يمكن التنبؤ بأحواله وعواصفه، بالإضافة إلى ما يعتمل في أعماقه من مفاجآت لا يستطيع أمهر البحارة التهكن بها أو توقعها.
ورواية «سر البانوش المهجور» للبحريني أحمد المؤذن من الروايات التي كان البحر مسرحا لقسم كبير من أحداثها جنبا إلى جنب مع قرية على شاطئ البحر، تعتاش على الزراعة والصيد والتجارة البحرية، حيث يتكئ المؤذن على حكاية من الموروث الشعبي البحريني؛ لينسج رواية حافلة بالمتعة والتشويق، تأكيدا لوفائه لموروثه الشعبي الغني بالحكايات والقصص، وهو بذلك يدلل على براعته في اصطياد الحكايات الشعبية التي تكتنز بها البحرين بحكم موقعها الجغرافي المميز، وتاريخها الطويل في حركة التجارة البحرية، وعندما ينحاز الكاتب لتاريخه وموروثه فهو ينحاز للأصالة والعراقة، ويمتح من بئر لا ينضب من الإبداع.
تبدو الرواية للقراءة الأولى حكاية جابر؛ شاب صغير فقير الحال، يعيش مع زوجة أبيه التي تسيء معاملته، ولما اكتشف خيانتها أخذت تكيد له وتتهمه، وواجه سلطة المختار وجبروته، هذا المختار الذي تسبب بموت والده بعمل سحر، واضطر جابر أن يغامر على ظهر البانوش (قارب صيد أو نقل) مع نوخذة (قبطان) معروف بقسوته، ليسدد مغرما وقع عليه ظلما بفعل زوجة أبيه، ونجح في مهمته، رغم محاولات التخلص منه، وعاد البانوش دونه بعد أن انقلب ابن أخت المختار على النوخذة، فكان عقاب الله بالمرصاد، فغرق البانوش، وعاد جابر على ظهر بانوش آخر، وضمن عملا عليه، ولما عاد إلى القرية، كان المختار في حالة مزرية هو والميت سواء، وقد انقلب عليه الجميع، واستلم مكانه ابنه جوهر الذي كان يخفي بنوته ويعامله كعبد.
هذا ملخص الرواية، وهي حكاية مألوفة وتتكرر في غير مكان، خاصة في الأزمان السابقة عندما كان للمختار أو العمدة سطوته ومكانته، لكن الرواية تتخذ من هذه الحكاية وسيلة لتسليط الضوء على السلطة المستبدة الظالمة التي لا ترى إلا نفسها، وتدوس كل ما عداها بشتى السبل، فلديها الغاية تبرر الوسيلة، ولا ينجو من مخالبها أقرب المقربين، كما فعل المختار مع أخيه علام الذي قتله حمدان بإيعاز منه، وعندما تضعف السلطة وتفقد حضورها وتتساقط مخالبها، يتخلى عنها الجميع وينهشونها، دون رحمة، خاصة من بطانتها وحاشيتها، وسرعان ما تؤول السلطة إلى آخر يكمل مسيرة الظلم والاستغلال في غالب الأحوال.
لعل اللافت في الرواية هو الجانب الإعلامي أو المعنوي الذي تمارسه السلطة للسيطرة على الناس وإخضاعهم وقيادهم بنشر الشائعات والأوهام، فقد حذّر المختار الأهالي بضرورة الابتعاد عن البانوش المهجور لخطورته، وأنه مسكون بالجن والعفاريت، ولذا ابتعد الجميع، وحذروا أطفالهم من الاقتراب لئلا يصيبهم مس أو سوء.
لعل اللافت في الرواية هو الجانب الإعلامي أو المعنوي الذي تمارسه السلطة للسيطرة على الناس وإخضاعهم وقيادهم بنشر الشائعات والأوهام، فقد حذّر المختار الأهالي بضرورة الابتعاد عن البانوش المهجور لخطورته، وأنه مسكون بالجن والعفاريت، ولذا ابتعد الجميع، وحذروا أطفالهم من الاقتراب لئلا يصيبهم مس أو سوء، وحتى يرسخ المختار هذا المعتقد، كلف عبده جوهر بإشعال النار ليلا بجانب البانوش، ليوهم الأهالي أنها نار الجن والعفاريت، ونجحت خطته وبثت الخوف والرعب، إلا جابر، فقد غامر وكسر حاجز الخوف ودخل البانوش واكتشف الهيكل العظمي الذي علم في ما بعد أنه يعود إلى علام شقيق المختار الذي قتل غدرا وطمعا.
لقد شعر جابر بعد أن خرج من جوف البانوش، أنه إنسان مختلف، يمتلك القوة وروح التحدي، ولعل مرد ذلك إلى أنه اكتشف الحقيقة؛ حقيقة كذب المختار وحاشيته، والأوهام التي يرسخونها في أذهان الناس، والحقيقة قوة، مهما كانت صغيرة فإنها تبقى ساطعة صارخة لا بد أن تقهر كل قوى الباطل في النهاية، والوصول إلى الحقيقة ليس مستحيلا، وإنما يتطلب خطوة فقط، خطوة مختلفة، خطوة في الاتجاه المعاكس للقطيع. ومما زاد من قوة جابر ووعيه هذا التواصل الروحي مع علام صاحب الهيكل العظمي في البانوش المهجور، فكان له مرشدا وموجها، وعلام هو النقيض للمختار وحاشيته، هو الحق والضحية، وهم الباطل والطغاة، لكن علام وهو ميت استطاع أن يأخذ بثأره، ويطمس نار الظلم، وتعلن الحقيقة على الملأ بعد أن اعترف بها النوخذة حمدان لجابر، فالوعي وكشف الحقيقة يؤدي بالضرورة إلى الطريق الصحيح، طريق الخلاص، طريق الحرية والنور.
ولعل الكاتب يحرضنا أن لا نستسلم لرواية السلطة، وأن تكون محل شك على الدوام، وأن نستجلي الحقيقة بأنفسنا إن استطعنا، وأن لا نورث خوفنا وجبننا، وأن السلطة مهما علت وتجبرت فهي مؤقته زائلة، وأول من ينقض عليها أكثر المتنفعين منها، وأن الشعوب مهما استكانت، فلا بد أن تثور عندما يطفح الكيل، ولا يبقى لديها ما تخسره. كما تؤكد الرواية أن الخيانة مدمرة ونتائجها وخيمة، فميمونة خانت زوجها مع ابن عمها سلمان، وعينها على المختار بعد وفاة زوجها، ولما مرض المختار وتهالك، فقدت الأمل بالجاه والثراء، وعادت تطلب ود ابن عمها فصدها وانتحر، وعلم أبوها بخيانتها فمات قهرا، وبقيت ميمونة تلعق صديد خيانتها وهي تشاهد طفليها ثمرة الخطيئة.
يمثل جابر في الرواية روح الشعب الواعي المتمرد، الذي يدرك ظلم السلطة ولا يرضخ لها، فوقف، وصد، وضرب، وتحدى، وغامر، ولما وجهت له الاتهامات، غامر ليثبت رجولته، فانتصر على التحديات والمكائد، ونجا من الموت، ويسر الله له أمر العمل والزواج، وكان سببا في جمع الأم مع ابنها بعد فراق طويل، بل كان جابر محركا ليعرف المظلومون حقوقهم فيطالبون بها ويحصلونها عنوة، ويرفعون الغطاء عن الفاسدين والخائنين والسارقين. نعم كان جابر وحيدا دون سند حقيقي يركن إليه، لكنه غيَّر قرية كاملة، ورد إليها كرامتها، بما يمتلك من وعي وإدراك وعزيمة وإصرار، وعدم الرضوخ للظلمة والفاسدين.
وبعد؛ فإن «سر البانوش المهجور» البحرين ـ دار رؤى 2020، 220 صفحة، رواية تثير أسئلة كثيرة، وتبث الأمل في مستقبل مشرق على الرغم من الظلام الدامس والواقع البائس، لكن لا شيء يأتي على طبق من ذهب.
كاتب أردني