“القدس العربي”: بين العطاء المشروط، والمنع الكلي، تتعمد إسرائيل استخدام سياسة العصا والجزرة في قرارتها المتعلقة بما يرد لسكان قطاع غزة منذ بدء فرض الحصار المُطبق عليهم منذ ما يزيد عن 15 عاماً، تضررت فيها قطاعات اقتصادية عدة، وارتفعت فيها معدلات البطالة في صفوف الفلسطينيين، الذين يعاني “أكثر من نصفهم من الفقر المدقع”، وفق الإحصاءات.
طال الحصار المفروض حركة الأفراد والبضائع، فضلا ًعن فرض قيود صارمة على حاجز بيت حانون (شمال)، ومعبر كرم أبو سالم الواقعين تحت سيطرة إسرائيل، إذ يترواح العمل فيهما وفقاً لإجراءات التقييد أو التخفيف المحكوم بالمزاج الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى إغلاق 80% من المصانع والشركات التي توقفت بسبب منع دخول المواد الخام الضرورية.
أخر قرارت المنع تلك التي أعقبت الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي انتهت في أواخر مايو/أيار الماضي، إذ قررت إسرائيل إغلاق معابرها مع القطاع بشكل كلي، من استيراد أو تصدير أي من المواد الأساسية، حيث صادرت قبل أيام ما يقرب من 23 طناً من ألواح الشوكلاتة التي كانت في طريقها إلى غزة، بادعاء أن عائدتها ستستخدم كمصادر مالية لحركة حماس، سبقها إلى ذلك اشتراطات إٍسرائيلية بإزالة “عنق” البندورة، قبل السماح بتصديرها إلى الضفة الغربية.
رغبة إسرائيل في فرض سيطرتها على قطاع غزة الواقع تحت حكم حماس، وما نجم عن ذلك من تداعيات خطيرة على الناس هناك، دفع العديد من المنظمات الحقوقية لخوض نضال قضائي من نوع مختلف، من أجل الكشف عن وثيقة إسرائيلية عرفت بـ“وثيقة استهلاك الغذاء في قطاع غزة- الخطوط الحمراء، والتي كشفت عنها منظمة “مسلك” الإسرائيلية لحقوق الإنسان عام 2012.
وبحسب مسلك، فإنه في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2012، وبعد نضال قضائي استمر ثلاث سنوات ونصف، كشفت وزارة الأمن عن الوثيقة المذكورة، والتي تشتمل على معلومات حول سياسة تقييد إدخال الغذاء إلى قطاع غزة، من ذ2007-2010، بعد أن ردت محكمة العدل العليا الإسرائيلية استئنافاً كان يسعى لمنع نشر هذه الوثيقة.
وقدرت الوثيقة الحد الأدني للسعرات الحرارية التي يحتاجها الفرد في القطاع بـ2279 سعرة حرارية، وفقاً لنموذج أعدته وزارة الصحة الإسرائيلية بما يتلائم مع متوسط استهلاك الفرد في إسرائيل، حيث كان من المقرر الاعتماد في ذلك على تحديد عدد الشاحنات المحملة بالبضائع التي يجب السماح بدخولها للقطاع.
قدرت وثيقة الحد الأدني للسعرات الحرارية التي يحتاجها الفرد في القطاع بـ2279 سعرة حرارية، وفقاً لنموذج أعدته وزارة الصحة الإسرائيلية بما يتلائم مع متوسط استهلاك الفرد في إسرائيل، حيث كان من المقرر الاعتماد في ذلك على تحديد عدد الشاحنات المحملة بالبضائع التي يجب السماح بدخولها للقطاع
كما أكدت مسلك أن الإجراء المتخذ كان يهدف لاحتساب احتياجات السعرات الحرارية لسكان غزة بغرض تقييد كمية الطعام المسموح بدخوله لهم، في إطار سياسة الختق الإسرائيلي للاقتصاد في غزة.
الكشف الحقوقي عن الوثيقة وما تضمنته، دفع الحكومة الإسرائيلية وعلى لسان مسؤول في وزارة الجيش الإسرائيلي في حينه للادعاء بأنها كانت “مجرد جزء من ورقة بحثية تم طرحها للمناقشة ولم يتم استخدامها على الإطلاق”، غير أن وكالة “رويترز” للأنباء نشرت آنذاك تقريراً يؤكد أن الوثيقة ساهمت في تشكيل الحصار المشدد على قطاع غزة.
وفي تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية فإن الأمم المتحدة قالت إن “الوثيقة تعكس سياسة تهدف لوضع حد أقصى للواردات الغذائية، وأن ذلك يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان”.
كما نسبت لمسؤول إسرائيلي قوله بإن الوثيقة كانت تهدف لوضع “قائمة” بالعناصر التي ستسمح إسرائيل بدخولها لقطاع غزة، إذ خلصت إلى أن إسرائيل بحاجة للسماح بدخول 106 شاحنة من الأمدادات يومياً، هي مقدار ما أطلق عليه “الحصة الإنسانية اليومية” مقارنة بـ400 شاحنه كانت تدخل القطاع يومياً قبل فرض الحصار، والتي تشمل المواد الغذائية الأساسية والمعدات الطبية ومنتجات المنظفات والمواد الزراعية، وهو ما نفته منظمة “مسلك” التي قالت إن إسرائيل سمحت فقط بإدخال 67 شاحنة.
وبالتسلسل الزمني لقائمة الممنوعات، التي ادعت إسرائيل أن بعضاً منها مزدوج الاستخدام، فإن النصف الثاني من عام 2007، تم الإبلاغ عن منع دخول ورق التواليت، والفوط الصحية للنساء، فيما شهد عام 2009 منعاً لدخول الكتب، والشموع وأقلام التولين، والملابس، والأكواب وأدوات المائدة، والأواني الفخارية، والنظارات والإبر والشراشف والبطانيات والأحذية، والخيوط وقطع غيار السيارات والأجهزة الكهربائية، كالثلاجات والغسالات والمصابيح الكهربائية، والمعدات الموسيقية.
وفي العام ذاته سمح بإدخال المعكرونة، فيما بقي الحظر سارياً على الشاي والقهوة والنقانق والسميد ومنتجات الألبان في عبوات كبيرة، فضلاً عن بذور السمسم والمكسرات ومعظم منتجات الخبز، إضافة لمنع إدخال الخشب باستثناء ما كان يستخدم للأثاث المنزلي، قبل أن يحظرها لاحقاً.
وعلى التوالي شهدت الأعوام 2016، 2018،،2021 قائمة ممنوعات تضمن الكزبرة، والشوكلاته، وألعاب الأطفال، وبعض الفواكه، والدفاتر بادعاء أنها كماليات، إضافة لكل أنواع الأسمدة، وزيت الخروع وأجهزة التصوير بالأشعة السينية، والبطاريات والألواح الخشبية، وأجهزة “يو بي أس”، التي تحمى الأجهزة الكهربائية أثناء ساعات انقطاع الكهرباء، التي تصل في كثيرمن الأحيان لأكثرمن 20 ساعة يومياً.
وفي أعقاب ما عرف بـ”مسيرات العودة” 2018-2019 والتي استخدم فيها شبان فلسطينيون طائرات ورقية، قررت إسرائيل منع إدخال مواد أساسية لا صلة لها بما استخدمه الشبان، كحفاضات الأطفال، والصابون والرضاعات، وفساتين الزفاف.
في أعقاب مسيرات العودة 2018 التي استخدم فيها شبان فلسطينيون طائرات ورقية، قررت إسرائيل منع إدخال مواد أساسية لا صلة لها بما استخدمه الشبان، كحفاضات الأطفال، والصابون والرضاعات، وفساتين الزفاف
كما شهد مطلع العام الجاري، مصادرة لشحنة كبيرة من الملابس، المستوردة بحجة محاول تهريب أحذية “تكتيكية”، إذ كانت وفقاً لمصادر إسرائيلية تعمل في معبر كرم أبو سالم (جنوب) تشمل 140 زوجا من الأحذية المصممة على الطراز العسكري، كما تضمنت تنانير وفساتين وبناطيل وبيجامات وملابس داخلية، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد مطالبات قانونية بإعادة فحصها يدوياً، وذلك وفقاً لتقرير منظمة “مسلك” والذي جاء بعنوان “الرقابة على الموضة”.
وقالت: “لا تدرج الأحذية أصلاً كجزء من قائمة الأغراض التي تعرفها إسرائيل على أنها مزدوجة الاستخدام، هذه القائمة طويلة ومبهمة وتعرفها إسرائيل على أن من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية، لهذا فهي تقيد وحتى تمنع دخولها للقطاع، وتشترطة بتنسيق خاص، هي أحذية تحظى بشعبية بين الفتيان والفتيات في غزة”.
فضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل ووفقاً لتقارير صدرت عن الأمم المتحدة، كانت قد صادرت في فترات متفاوتة كراسي متحركة لذوي الإعاقة الحركية، وعددا كبيرا من المواد الغذائية الجافة، وأقلام التلوين والألات الموسيقية وكرات القدم، علاوة على وضع شروط على استيراد العدس ومعجون الطماطم، وقضبان الصيد وحبالها، والزنجبيل، والمشروبات الغازية، والتوابل وكريم الحلاقة والبسكويت والحلوى، والقهوة الفورية والحلاوة الطحينية.
وفيما يتعلق بالبضائع التي صنفها الاحتلال بـ”ثنائية الاستخدام”، بحجة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية، فكانت معدات الاتصال، ومنتجات البناء، والفولاذ، ومعدات الحفر والأسمدة والكيمياويات، وأسطوانات الغاز، وزيت الخروع، وبعض المعدات الطبية.
منع استيراد المنتجات لقطاع غزة، ليس هو فقط ما تعمدت إسرائيل اتباعه، إذ شهدت الصادرات على قلتها كذلك منعاً مطبقاً بخلاف السماح لعدد قليل من البضائع المصنعة، أو المزروعة في القطاع، حيث يذهب جزء منها لأراضي الضفة الغربية، ومنها التوت الأرضي، الورد، الملفوف، التمر، الخيار، الفلفل، الباذنجان والكوسا، والبطاطا الحلوة.