تعتبر منطقة مواصي خانيونس التي تشتهر بالزراعة والواقعة أقصى جنوب غرب مدينة خانيونس، من أوسع المساحات الزراعية التي تشكل سلة غذاء قطاع غزة، حيث تنتج المنطقة التي يبلغ مساحتها 12 ألف دونم كميات كبيرة من الخضروات، نتيجة تربتها الخصبة عدا عن مياهها العذبة، وتغطي كافة احتياجات القطاع من الخضروات، إلى جانب بعض المناطق الزراعية الأخرى في جنوب القطاع.
وسميت المواصي بهذا الإسم نسبة إلى ما كان يقوم به المزارعون من حفر برك مياه امتصاصية على سطح الأرض لاستخدامها في ري المزروعات. وتقسم المواصي إلى نقطتين متصلتين جغرافيا، تبدأ من جنوب مدينة دير البلح مرورا بمدينة خانيونس انتهاء بمواصي مدينة رفح، حيث تمتد هذه المنطقة على طول الشريط الساحلي، وتضم أرضا زراعية وكثبانا رملية ومنازل محدودة.
ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة دعا الجيش كافة سكان شمال القطاع ومدينة غزة بالتوجه إلى مواصي خانيونس، على اعتبارها منطقة إنسانية آمنة، إذ يعتبر الجيش أن المنطقة لا تشكل أي خطر على أمن إسرائيل، وبسبب تربتها وقربها من ساحل البحر لا يمكن تشييد أنفاق أسفلها، لذلك توجه عدد كبير من النازحين للتخييم في المنطقة بحثا عن الأمان.
ونتيجة ازدحام المواصي بآلاف النازحين، شهدت أسواق جنوب قطاع غزة شحا كبيرا في الخضروات، وارتفاعا حادا في الأسعار خاصة أصناف الطماطم والبصل والخيار إلى جانب فقدان أصناف أخرى من الأسواق، ويعود هذا الارتفاع في الأسعار إلى تلاشي المساحات الزراعية، بعد أن تحولت الحمامات الزراعية وغيرها من الأراضي إلى مخيمات للنازحين، فيما بقيت بعض المساحات يستخدمها أصحابها للزراعة التي لا تكفي في سد العجز في الأسواق، في وقت تفرض إسرائيل حصارا مطبقا على قطاع غزة وتمنع إدخال الخضروات وتسمح بإدخال بعض أصناف الفواكه واللحوم وغيرها من السلع الغذائية الأخرى، لكن بكميات قليلة وبأسعار مرتفعة.
ويتذمر المواطنون من الشح الحاد في أصناف الخضروات، خاصة مع اعتمادهم عليها في تحضير طعامهم، بعد الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم التي يسمح الاحتلال الإسرائيلي بإدخالها. ونتيجة تعمد الاحتلال تهجير السكان من الشمال، ودفع سكان مدينة رفح وشرق خانيونس للنزوح المتكرر، وفي ظل عدم توفر أماكن لإيواء النازحين بعد أن امتلأت المدارس والمساحات في الطرقات العامة بخيام النازحين، ومن باب مراعاة ظروف النازحين والمشردين في الشوارع، فضل عدد من أصحاب الأراضي الزراعية في مواصي خانيونس، إيواء النازحين في أراضيهم الزراعية والاكتفاء ببعض المساحات لزراعتها.
المزارع أبو رامي يمتلك أكثر من 20 دونما زراعيا في مواصي خانيونس، ويعمل طوال العام على زراعة أصناف عديدة من الخضروات، لكنه خصص ما يقرب من 12 دونما لإقامة مخيمات للنازحين بدون مقابل مادي، واكتفى بزراعة ما تبقى ببعض ما هو متوفر من بذور زراعية.
يقول لـ«القدس العربي» إن «الناس يعانون من أوضاع صعبة، وتدفق النازحين يسير بشكل متواصل نحو المناطق الإنسانية ومع صعوبة توفير أماكن لإيواء المشردين، عكفت على مبادرة إنسانية بتحويل مساحة واسعة من الحمامات الزراعية إلى مخيم لإيواء النازحين».
ويرى أن الاحتلال كان يهدف من دفع الناس نحو التدفق للمنطقة الإنسانية على وجه التحديد دون باقي مناطق القطاع، تدمير المساحات الزراعية، كونها تعتبر سلة غذاء قطاع غزة وفرض أزمة غذائية في القطاع، وهو ما حصل بالفعل بعد أن توقف عدد من المزارعين عن العمل، لعدم توفر مساحات نتيجة انتشار المخيمات بشكل واسع داخل منطقة المواصي.
أما المزارع أبو وائل فهو الآخر فضل التوقف عن الزراعة واستقبال جميع من نزحوا من عائلته وإيوائهم في أرضه الزراعية في مواصي خانيونس، بعد أن عجز أقاربه عن إيجاد مأوى آمن لهم.
وقال لـ«القدس العربي»: «إن ضيق المساحات الزراعية أثر على المزارعين الذين توقفوا عن العمل، وبالتالي تأثر المستهلكون من قلة العرض وزيادة الطلب وارتفاع الأسعار على الخضروات، وهذه الأزمة يعتبر الاحتلال المتسبب الأول لها بعد رفضه وقف الحرب ودفع المواطنين للنزوح إلى المواصي التي لم تعد تستوعب نازحين».
وبين أن ارتفاع الأسعار هو مجرد استغلال واحتكار من التجار للمستهلكين، وهذا الاستغلال زاد من معاناة السكان والنازحين بالتزامن مع ضغوط الحرب وشح السيولة النقدية، بسبب توقف آلاف العمال عن العمل وصعوبة حصول الموظفين على السيولة النقدية.
داخل سوق العطار وسط مواصي خانيونس، يعم السخط والغضب المواطنين من جراء الغلاء الفاحش وغير المسبوق في أسعار الخضروات، وعبر المواطن زايد أبو سلمان عن بالغ امتعاضه من وصول أسعار الخضروات إلى مبالغ مرتفعة لم يسبق أن وصلت إليها، وقال لـ«القدس العربي» إن «متوسط سعر بيع الطماطم والخيار والليمون وصل إلى 25 شيكلا للكيلو الواحد أي 7 دولارات، وبهذه الأسعار أصبحنا مثل الأجانب نشتري الخضروات بالحبة الواحدة والكثير الكثير من الناس لا يستطيعون حتى شراء الحبة».
ولفت إلى أن الحرب على غزة، أفرزت معاناة وحالة من الفوضى في ظل غياب الرقابة من الجهات الحكومية، وتحكم التجار بالأسعار ورفعها بشكل جنوني لجني مزيد من الأرباح واستغلال ظروف الناس المنكوبة، متسائلا إلى متى سيستمر هذا الحال حيث لا أفق لحل ينهي الحرب.
أما المواطنة أم فايز فهي اعتزلت الذهاب إلى السوق حتى لا تنصدم بأسعار السلع، ليست الخضروات فحسب بل أن اللحوم وغيرها تباع بأسعار خيالية، تقول لـ«القدس العربي» في ظل الاستغلال وقلة الخضروات، «لجأت إلى المعلبات التي تصرفها المنظمات الإغاثية كمساعدات للنازحين في إعداد الطعام اليومي لأولادي، حيث لا خيارات وبدائل أخرى».
وبينت أن هناك مؤسسات إغاثية تقدم طرودا من الخضروات للنازحين، لكن للأسف التوزيع غير عادل وهناك محسوبية في ذلك، وربما أن هذه المؤسسات قد ساعدت التجار على المضي في رفع الأسعار، وبالتالي يتأثر المواطن.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي وفي أول أسبوع من الحرب طالب سكان شمال قطاع غزة عبر إلقاء مناشير بالتوجه إلى جنوب وادي غزة وبالتحديد إلى مواصي خانيونس، حيث صنف المنطقة بالإنسانية، ووصل أكثر من 500 ألف مواطن إلى المنطقة كمأوى آمن، لكن منذ شهرين يعمل الاحتلال بقوة في المنطقة، مرتكبا مجازر بحق النازحين في المواصي.