تعيش إيران هذه الأيام مرحلة انتقال السلطة من الإصلاحيين الذين حكموا طوال ثمان سنوات هي عهدتا الرئيس حسن روحاني، إلى حكم المحافظين الذي سيمثله الرئيس إبراهيم رئيسي، ومن المتوقع أن تنتهي المرحلة الانتقالية مطلع شهر آب/اغسطس المقبل بعد أن تتم عملية الاستلام والتسليم الروتينية.
التقارير والقراءات الصحافية التي سلطت الضوء منذ بضعة أشهر على سيرة رئيسي، وصفته بأنه ليس براغماتيا في مقارباته السياسية، وأنه لا يعول على التقارب مع الغرب لحل مشكلات البلاد السياسية والاقتصادية، وقد وصف إبراهيم رئيسي في تصريحات سابقة الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني بأنه عول كثيرا على التقارب مع «الأعداء» ولم يفعل أي شيء للنهوض باقتصاد البلاد، وشدد على أن مشاكل إيران لا يمكن أن يحلها الأمريكيون والغرب.
بالمقابل يمكننا الإشارة إلى إن إبراهيم رئيسي قد وصل إلى كرسي الرئاسة وهو على قائمة العقوبات الأمريكية، إذ وضعته الإدارة الأمريكية على لائحة العقوبات بسبب أدواره السابقة كقاض متهم بارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان التي شملت إعدام معتقلين سياسيين في الثمانينيات، كما اتهم بالمشاركة في قمع احتجاجات الثورة الخضراء في طهران عقب انتخابات 2009.
ومن المتوقع أن يشهد ملف الصراع الإسرائيلي – الإيراني توترا وتصعيدا في ظل حكومة يمينية متشددة في تل أبيب هي حكومة نفتالي بينيت رئيس حزب «يمينا» إذ استطاع ائتلاف «بينيت – لابيد» أن يزيح حزب الليكود وائتلافاته المتعددة التي شكلها بنيامين نتنياهو من سدة الرئاسة منذ 2009. يقابلها رئيس محافظ متشدد في طهران، أزاح حكومة الإصلاحيين بعد ثمان سنوات من حكم روحاني، لذلك يُقرأ المشهد الحالي على أنه ينبئ بتصعيد بين الطرفين.
إن جهات إتخاذ القرار في تل أبيب تعرف جيدا إن لا تغيير سيحدث في سياسة طهران تجاه إسرائيل سواء أكان الرئيس إصلاحيا إو محافظا، وفي هذا السياق أشارت مسؤولة الملف الإيراني في المعهد الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية «INSS» سيما شينى إلى «أن المرشد الأعلي علي خامنئي هو المقرر للسياسة الخارجية والداخلية في إيران، وأن تسهيل وصول رئيسي إلى مقعد الرئاسة، إنما يهدف لتحضيره لخلافة خامنئي».
ربما كان أهم ملف ملحق بالصراع الإسرائيلي – الإيراني هو الملف النووي، إذ تركزت عليه الأنظار محاولة استقراء موقف الحكومة الإيرانية الجديدة منه، في محاولة لقراءة نتائج جولات المفاوضات في فيينا بين إيران والمجتمع الدولي. القلق الإسرائيلي بعد فوز رئيسي انصب بشكل علني على تداعيات الموقف الدولي من الملف النووي الإيراني، إذ ذكرت قناة «12» التلفزيونية الإسرائيلية أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى إن انتخاب رئيسي يفرض على تل أبيب إعداد مخطط لشن عمل عسكري على المنشآت النووية الإيرانية.
وكشفت القناة أن وزارة الحرب الإسرائيلية أجرت يوم الخميس 17 حزيران/يونيو الجاري نقاشا حول تداعيات انتخاب رئيسي رئيسا لإيران، مشيرة إلى أن التقديرات التي قُدمت أثناء النقاش أشارت إلى إن الرئيس الجديد سيتبنى التوجهات «المتطرفة» من البرنامج النووي التي يتشبث بها المرشد علي خامنئي، وربما جاء الخبر الذي نشرته وسائل إعلام رسمية إيرانية عن إحباط السلطات الإيرانية محاولة تخريبية استهدفت مبنى لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية في كرج (غرب طهران) يوم 23 حزيران/يونيو الجاري مصداقا للتخطيط الإسرائيلي لتنفيذ هجمات تستهدف برنامج إيران النووي قبل أن يتم إحياء الاتفاق النووي من جديد.
المؤشرات الأولية تشير إلى استمرار مفاوضات فيينا بنفس النهج، بينما التصريحات المتبادلة بين إيران ودول «5+1» متباينة، وفي بعض الأحيان متضاربة، بعض المراقبين ركزوا على أهمية المرحلة الانتقالية قبل تسلم إبراهيم رئيسي مهامه رسميا مطلع آب/اغسطس، وأشاروا إلى إن إدارة بايدن إذا لم تنجز العودة إلى الاتفاق النووي في غضون هذا الشهر، فإن الكثير من التعقيدات ستطفو على السطح ما قد يسبب تراكما لأزمات لا أحد يعرف مدى خطورتها بعد تسلم المحافظين لهذا الملف الخطير.
الملف الصاروخي
والتدخلات الإقليمية
أشارت الحملة الانتخابية للرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي واصفة سياسته الخارجية بأنها ستتوزع على ثلاثة مجالات رئيسية هي: الأمن من مبدأ السلطة، والسلام من مبدأ القوة، والتفاوض والدبلوماسية من مبدأ العزة والمنفعة، كما سبق لرئيسي توضيح وجهة نظره فيما يخص مفاوضات الملف النووي أثناء مناظراته مع مرشحي الرئاسة، إذ قال حينذاك «يجب الالتزام بالاتفاق النووي كعقد من تسعة بنود وافق عليه المرشد الأعلى، وكإلتزام يجب على الحكومات القيام به». كما هاجم أداء حكومة روحاني واعتبرها ضعيفة ومتخاذلة تجاه الغرب.
تذكر بعض المراقبين أول ظهور رسمي مؤثر للرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي في أيار/مايو عام 2016 عندما زاره قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال علي جفري مع قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في مدينة مشهد، وقد أشارت صحيفة «الاندبندت» البريطانية واصفة المشهد في تقرير لها بالقول «اعتبر مراقبون الصور الصادرة عن ذلك اللقاء، بمثابة تحضير لرئيسي من المؤسسة الأمنية القوية في البلاد الحرس الثوري، ليكون حاملاً للوائها». وتابعت الصحيفة «بعد عام على ذلك اللقاء، خرج رئيسي من بين حشد من المتشددين كأقوى منافس يخلف الرئيس المعتدل حسن روحاني».
إذا يمكننا القول اعتمادا على المعطيات المتوفرة إن موقف رئيسي من الملفين اللذين تحاول إدارة بايدن الحاقهما بالملف النووي، وهما الملف الصاروخي الإيراني، وملف تحجيم الدور الإقليمي لإيران سيكون مصيرهما الرفض بالتأكيد، لانهما يمثلان رئة الحرس الثوري الإيراني التي ستتسبب في موت هذه المؤسسة إن تم إغلاقهما أو التحكم بهما. وقال رئيسي في أول تصريح إعلامي بعد فوزه بالانتخابات؛ إن الانتخابات «استمرار لنهج الخميني، والمضي على درب قاسم سليماني» فأوحت هذه العبارة للمراقبين باستمرار سياسات التدخل الإيرانية في الشرق الأوسط.
وقد أعلن الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي موقفه من ملفي البرنامج الصاروخي وتحجيم التدخلات الإيرانية إقليميا في أول مؤتمر صحافي له يوم الاثنين 21 حزيران/يونيو الجاري بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، إذ تعهد بالسير على نهج الثورة، معتبرا أن فوزه في الانتخابات هو رسالة شعبية بضرورة حماية «قيم الثورة» مؤكدا أن القضايا الإقليمية والصاروخية التي تتبناها بلاده «غير قابلة للتفاوض». كما أشار إلى إن السياسة الخارجية لبلاده «لن تتقيد بالاتفاق النووي» المبرم عام 2015، إذ قال «سياستنا الخارجية لن تتقيد بالاتفاق النووي، سيكون لدينا تفاعل مع العالم، ولن نربط مصالح الشعب الإيراني بالاتفاق النووي».
أما الملفات الإقليمية الأخرى في السياسة الخارجية الإيرانية في عهد رئيسي فيبدو إنها تتجه نحو مزيد من التشدد، المفارقة إن إبراهيم رئيسي كتب في موقع تابع له قبل أيام أن «التعاون الوثيق وتبادل المنافع مع جميع الجيران ووضع الأساس لذلك بهدف الحفاظ على الإنجازات وتعميق السلام والاستقرار الإقليميين، هي من الأولويات الأولى للسياسة الخارجية الإيرانية تجاه الدول العربية ودول الجوار».
كما أشار رئيسي إلى امكانية تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية، إلا إن تصريحاته غلفت القبضة الحديدية بقفاز مخملي، إذ قال «إيران تريد التفاعل مع العالم، إن أولوية حكومتي ستكون تحسين العلاقات مع جيراننا في المنطقة». وأضاف «يجب أن توقف السعودية وحلفاؤها فورا تدخلهم في اليمن». واستطرد موضحا «لا عقبات» أمام استعادة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية. «لا عقبات من الجانب الإيراني أمام إعادة فتح السفارتين» في وقت تجري المحادثات سعيا لتحقيق تقارب بين الدولتين الخليجيتين اللتين قطعت العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ مطلع 2016.
أما الملف السوري واللبناني، فيعتبر خطا أحمر لا يمكن لأحد أن يتجاوزه أو ينتقد السياسات الحكومية تجاهه، إذ تتعاطى طهران مع الشأنين السوري واللبناني كملف واحد قائم على الدعم غير المحدود لسياسات حزب الله اللبناني، بالإضافة إلى دعم نظام بشار الأسد غير المحدود بكل ما يحتاجه، وربما أعتبر هذا الملف تجليا، أو ساحة جانبية للصراع الإيراني الإسرائيلي، إذ تحملت إيران العديد من الضربات الإسرائيلية التي طالت معسكرات تواجد الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله اللبناني في سوريا من دون ان ترد بشكل فاعل على هذه الضربات حتى الآن.
وعموما يرى المراقبون والباحثون في الشأن الإيراني إن ملفات التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين كلها من اختصاص مرشد الجمهورية والحلقة الضيقة من الخبراء المحيطة به، والتي توكل تنفيذ هذه السياسات إلى فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني المسؤول عن السياسات الإقليمية، وبالتالي فإن تسنم إبراهيم رئيسي منصب رئيس الجمهورية، وهو الرجل المعروف بقربه من الحرس الثوري ومن مكتب المرشد، سيعني تنسيقا أكثر في تنفيذ السياسات الإيرانية الإقليمية وتجاوز الصراعات التي حدثت بين الحكومة والحرس الثوري إبان عهد روحاني.