موت الثقافة في فكر ما بعد الحداثة

ركّزت حركة ما بعد الحداثة بشكل خاص على فكرة الموت عامة، ثم موت الثقافة، بمعنى تراجع الاهتمام بها بشكل خاص، ضمن قراءة مفكريها لاعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف شاهدوا أناسا يضحّون بأنفسهم في سبيل تدمير أحد الرموز الحضارية والمالية في العالم. ومن ثم أصدرت حكما بأهمية إعادة النظر في العالم الواقعي/ المعيش، وأن الصراعات والمعارك لم تعد مقتصرة على ما تحمله الأخبار في أقطار العالم الأخرى، وإنما أضحت تضرب بقوة العالم الغربي، وتميت الآلاف، وتنشر الرعب والفزع.
والأهم، أن الإحساس بالموت بوصفه فناء وإفناء، كان حاضرا في الفكر الغربي فلسفيا ووجوديا، فالتهديدات متصاعدة، وطغيان المادية والنفعية على الحياة؛ ولّد في النفوس الإحساس بالاغتراب، وعبثية الحياة، وكثرت حالات الانتحار والرغبة في إفناء الجسد الاختياري، جنبا إلى جنب مع شعارات الموت المعنوية المتصلة بالحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، أي أن الموت حاضر على مستويين: الأول عضوي في المفهوم التقليدي، والثاني: الموت بدلالاته الفكرية والنقدية.
وفي جانب آخر، فإن ما بعد الحداثة تعاطت بإيجابية عالية، مع التغيرات الحادثة في بنية المجتمعات الغربية وأمريكا الشمالية، من حيث انتشار التقنيات الحديثة، وتسيدها في حياتنا، وهو ما انعكس على الثقافة المعاصرة ذاتها، وأوجب عليها التفاعل مع التغيرات العميقة في بنية المجتمع وأسلوب المعيشة. ولتقريب الفكرة أكثر، فإن مفهومي الزمان والمكان مختلفان في منظور ما بعد الحداثة، بالنظر إلى ثورة الإنترنت، وانهيار منظومة وسائل التواصل التقليدية (البريد، البرق، الهاتف الثابت) فلم يصبح العالم قرية صغيرة، وإنما صار كأنه بيت واحد، الكل متواصل فيه على مدار الساعة، ليتلاشى في أعماقهم المكان المادي، بكل مسافاته وأبعاده وأزمانه أيضا. وسادت الصورة بوصفها تقنية وثقافة وترفيها. أما السياسة فهي لعبة، يتبارى فيها الساسة، ويبرزون قدراتهم على المناورة، من أجل حشد أكبر قدر من المؤيدين، وتراجعت في المقابل الأيديولوجيات، واحتلت الأولويات خطط التأمين، وتجنب الإرهاب والعنف، مع الحفاظ على مستوى المعيشة العالي.
فالتضليل الإعلامي أحد الأدوات الرئيسة للسيطرة، ويقع في أيدي مجموعة صغيرة حاكمة من صنّاع القرار، يتمثلون في أصحاب الشركات ومسؤولي الحكومات، وصــــب العقـــول في توجهات سياسية أو فكرية ما، بل إن التضليل الإعلامي نوع من القمع الفكري الشامل، والهيمنة الثقافية والاجتماعية، طبقا لمبادئ السوق، بل إنها تجتذب خيرة العقول من أجل صياغة الرسالة الإعلامية والثقافية، وفقا لرغبات ملاّك القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية، ودور السينما والترفيه.

الانفتاح على كل ما يفد إلينا مطلوب، فضلا على أنه واجب، لأننا جزء ـ شئنا أم أبينا- من حركة الفكر العالمي، ولكن يتوجب علينا أن نستفيد من الحركية الفكرية الغربية، بما يدفعنا لقراءة مجتمعاتنا وفهم حركيتها.

يأتي هذا في ضوء تراجع السرديات الكبرى المنبثقة من الأيديولوجيات الكبرى التي سادت العالم في القرن العشرين، تلك الأيديولوجيات التي ساهمت في الإحساس بالهوية والهدف والقيمة لدى الشعوب، وأيضا إضفاء الشرعية على دوري العلم والمعرفة في العلاقة مع المجتمع ككل، وهو الذي أضفى أيضا شرعية على الحكومات والساسة، وكان حافزا على اهتمام الناس بالأيديولوجيات، وما يتصل بها من نقاشات عميقة، وآداب وفنون معبرة عنها، التي تنشئ في النهاية مجتمعا يمتاز بحيوية فكرية، وتحفز الخيال وفق رؤى مؤدلجة، بغض النظر عن اختلافاتها.
إذا نظرنا إلى ما تقدم حول موت الثقافة في منظور الواقع العربي الآن، سنجد أننا نعاني بالفعل من موت الثقافة والسياسة، ولكن ليس للأسباب الموجودة في المجتمعات الغربية، وإنما لبنية المجتمعات العربية ذاتها، التي جعلت الثقافة والمثقفين في ذيل قائمتها واهتماماتها وإنفاقها، في ضوء تراجع المستوى القرائي، وأمية المتعلمين الثقافية، بجانب الأمية الهجائية التي ما زالت تنهش في عقل الإنسان العربي.
فمن أبرز ما يميز المجتمعات الغربية على الصعيد الفكري والفلسفي، أنها في حالة من الحراك المستمر على مستويات عديدة: صناعية، اقتصادية، تقنية، ابتكارية. وأن هناك مواكبة مستمرة من قبل المفكرين والفلاسفة للتغيرات الحادثة، في ضوء التمتع بحالة كبرى من الحريات، التي تتيح طرح عشرات الأسئلة، بما تنتجه من نقاشات مفتوحة، تنعكس بالإيجاب على الأدب والفنون، وتدخل في السياسة وفي وعي صنّاعها. أيضا، لا يمكن فهم حركة الفكر الغربي بصورة واحدة، فلا يتخيل قارئ أن الغرب كله يتبنى مقولات الموت في أدبياته، وإنما هي جزء مما هو مثار على الساحة، وهناك معارضون آخرون له، أو مختلفون عنه، أو يبحرون فكريا في مسارات أخرى تنأى عنه، فهي جزء من كل، وليست كلاً ينشغل به الجميع؟
وتلك مشكلة تواجهنا في الحياة الثقافية العربية، عندما يتم استيراد فكرة أو فلسفة، ويتم الترويج لها في ساحتنا الفكرية؛ فإن البعض يفهمها بشكل أحادي، ويرى ما عداها تراجعا أو تأخرا، أو عدم معاصرة، خاصة إذا تم نقل الفكرة بدون النظر إلى الأفكار المعارضة لها، أي تنقل من زاوية المؤيدين فقط، وغمط الرأي الآخر حولها.
فالفكرة الوافدة لنا، تعني ميدانا جديدا للحوار والنقاش، وتعني أيضا مزيدا من التبحّر في البحث والترجمة، وتعني ثالثا مزيدا من التلاقح مع المستجدات الفكرية.
وفي جميع الأحوال، فإن الانفتاح على كل ما يفد إلينا مطلوب، فضلا على أنه واجب، لأننا جزء ـ شئنا أم أبينا- من حركة الفكر العالمي، ولكن يتوجب علينا أن نستفيد من الحركية الفكرية الغربية، بما يدفعنا لقراءة مجتمعاتنا وفهم حركيتها.
على الجانب الآخر، فإن الرافضين من ذوي الفهم الخطأ للأفكار الجديدة، يتحصنون وهمًا في التراث، ليصنعوا معركة قديمة جديدة تسمى صراع الأصالة والمعاصرة، وهي ليست معركة كما يظن البعض، وإنما هي مظهر من مظاهر أزمتنا الفكرية، فمن قال إن أي فكرة وافدة وجديدة تعني أنها معاصرة يجب اتباعها؟ فمن الواجب مناقشتها بموضوعية، ولك كل الحق في القبول أو الرفض، المهم أن يكون النقاش موضوعيا ثريا، مبنيا على فهم صحيح لما هو وافد، وليس كما يفعل البعض، بأن يقرأ عناوين منهج أو تيار جديد، وتنال إعجابه، فيسارع بالمدح قولا ثم كتابة، مؤكدا أنها جزء من بضاعة تراثنا التي رُدَّت إلينا. وينسى أن الفكرة الوافدة وإن تشابهت مع المطروح تراثيا، فإن مكوناتها المعرفية وأصولها تختلف عما عندنا، ولكن الجديد الذي تطرحه أنها تجعلنا نسلط الضوء على مساحات ومناطق وعلوم في تراثنا وثقافتنا كنا غفلاً عنها من قبل، وعندما وفدت إلينا مترجمة، دفعتنا إلى قراءة التراث بعيون جديدة.

٭ كاتب وأكاديمي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية