بيروت – «القدس العربي»: في عرضين مسرحيين متزامنين كانت اسرائيل حاضرة كمحور للحالة التي قرر الكاتب والمخرج يحيى جابر أن يُطلّ بها على جمهوره من جديد. أنقذ مسرحه وجمهوره من قتامة الحالة الطائفية اللبنانية، رغم ميزة أسلوبه في تناولها. وحافظ على انحيازه إلى الممثلة الوحيدة، التي تلعب شخصيات متعددة، وانطلق بتشويق ونجاح كما عوّدنا.
«شو منلبس؟» جسّدته انجو ريحان، و»مورفين» جسّدته سوسن شوربا. وفي كليهما بلغت الكوميديا السوداء ذروتها. فالنصان معاً لديهما مخزون معمّر من المرارة والانكسارات. «يارا» في «شو منلبس؟» التائهة بين كونها جنوبية ولدت في عائلة شيوعية «ديمقراطية»! كانت طفلة خلال الاجتياح الإسرائيلي، هي أسيرة المحيط، الذي تعيش فيه وتقاليده. و«سوسن» في «مورفين» المتنقلة بخفة ورشاقة بين الانفصام الذي تعيشه الخالة «سهير» اللاجئة من فلسطين، وبين معاناتها من سرطان الثدي ومن ثم تمدده.
الانفصام، الذي قرر يحيا جابر تفصيله لـ»سهير» تأرجح بين الإبعاد القسري عن فلسطين بفعل وعد بلفور، وبين رغبات دفينة لديها بالتبجح بيدها «الطايلي» في السياسة والمال وصولاً إلى الخيبات من الرجال، والإصابة بسرطان الثدي. ومن خلال «سهير» كان للكاتب تعريج على الحالة الفلسطينية المزدهرة في لبنان سيما على الصعيد الاقتصادي والفني والإعلامي، مع سردية من الأسماء التي لمعت في كل عالم بمفرده.
في «مورفين» تدخل «سوسن» إلى المسرح تجرّ معها عمود كيس المصل. على الخشبة كنبة وبيانو. تتعامل «سوسن» مع سرطان الثدي الذي أصابها كتمرين من الوراثة العائلية، بقوة وصلابة. مع المرض كانت من أقوى النساء. إنه التفاعل نفسه الذي كان لـ»سهير» من مرضها بالسرطان. نجحت «سوسن» في السيطرة على السرطان، لكنها فشلت في التخلي عن المورفين…فـ»لكل ادمان وجع».
إنها المرة الثانية التي يحضر فيها سرطان الثدي في مسرح يحيى جابر. والأولى كانت في مسرحية «اسمي جوليا» التي أدتها انجو ريحان وحيدة على المسرح. وفي المرتين كان علاج الحالة من خلال نص ممزوجٍ بدرجة عالية من الكوميديا والشجاعة. دون إغفال لرهافة الخصوصية التي تربط المرأة بثديها كجزء اساسي من تكامل أنوثتها.
تنقّلت سوسن شوربا بيسر تام. تمايلت مع الموسيقى. لاعبت مفاتيح البيانو بسخرية عالية. تنقلت بكامل قوتها، معلنة واقعاً خاصاً بها في سياق النص. إنها مصابة بالسرطان فعلاً. ورعبها الأكبر أن يعرف أولادها بمرضها. ودخلت الممثلة في ذروة وجودها على المسرح حين خلعت شعرها المستعار ليظهر رأسها حليقاً. سوسن شوربا تشكّل اكتشافاً جميلاً وناجحاً ليحيى جابر في معزوفاته السيمفونية مع المونودراما النسائية.
«شو منلبس مايوه وفوقه شورت أم ماذا؟» هذا على جبهة الجسد والحالة الاجتماعية والديمقراطية المتيسرة. أما على جبهة السياسة فكاتم الصوت يحقق دوره الديمقراطي الرائد. مع أنجو ريحان «يارا» عودة إلى بدايات الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وسجن أنصار والتداعيات المتلاحقة على الساحة اللبنانية، على صعد شتى.
في «شو منلبس» مع الممثلة المجبولة بالليونة أنجو ريحان، كان للكاتب والمخرج يحيى جابر أن يفتح دفاتر الأحلام المنكسّرة لجيل كبير من اللبنانيين وبخاصة الجنوبيين منهم. كان الحلُم مفعماً بوطن سعيد، وتحوّل بغفلة من الزمن إلى حلُم الفوز بالحياة.
هكذا أخرج دفاتر الشيوعيين اللبنانيين دفعة واحدة من مخبئها. احتلت إسرائيل لبنان وصولاً إلى بيروت. بنت معتقل أنصار، الذي استضاف معظم الشباب والرجال في الجنوب، بينهم «يوسف» والد «يارا». بيت «الرفيق يوسف الديمقراطي» لم يصمد طويلاً في بلدته الجميلة «النهر». ديمقراطية تفجير السيارات مرّت داهمته، وبقي صامداً. ويارا تغنّي «بي راح مع العسكر.. حمل سلاح راح وبكّر(…) حارب وانتصر بعنجر». إلى أن احتل كاتم الصوت مكانته على طاولة الحوار. نجا منه يوسف بأعجوبة… وانتقلت العائلة للسكن في جمهورية الشيوعيين في بلدة «الرميلة» في تلك الحقبة.
رسائله من معتقل أنصار ومن ثمّ من عتليت لعائلته كان يوسف يختمها بجملته التفاؤلية المعتادة «سنصبح على وطن كما نحلم به». الحلم الذي تبعثر وتناثر اشلاء لم يغادر عائلة «الأستاذ يوسف». من خلالها وردت مواقف رمزية مؤثرة، كالأم نجوى التي رفضت أن تكون «محتلة لمنزل في الرميلة». إلى يارا التي «أطلقت العصافير» من الأقفاص وحررتها من «العدو فوزي». إلى الحالة اللاديمقراطية بين الرفيق يوسف والرفيقة نجوى التي عيّرته «جرايد جرايد وآخرتا»؟
الحلم المكسور أو المُقتلع من جذوره تمثّل بقرار عنجر «ممنوع العمليات إلا بإذن منا». «حارب وانكسر بعنجر» غنّتها يارا بصوت لا يشبه صوتها حين كان والدها يوسف في سجون الريجي في النبطية، وأنصار وعتليت في فلسطين.
بين سوسن ويارا لقاء على الملابس السوداء ووقار اللون وذبذباته. وبين الجمهور ويحيى جابر وشائج تقدير وإعجاب لإطلاقه عملين مسرحيين في آن واحد، كاسراً المألوف. إلى اعادة لأعمال أخرى سابقة كمجدرة حمرا، وهيكالو ومن كفرشيما للمدفون. وفي عروضه الخمس تلك يتنقل بين مسرح المدينة، ودوّار الشمس ومونو. والإعجاب الأكبر أن جابر المسرحي والشاعر يضع الواقع على الخشبة دون تكلف.