«زيارة» أفلام من خمس دقائق لأبطال انتقلوا من كونهم ضحايا فأصبحوا ملهمين
بيروت ـ «القدس العربي»: موريال أبو الروس ودونيز جبور تعملان معاً في صناعة «زيارة». إنه إنتاج خاص للجمعية التي أنشأتاها بإسم «Home Of Cine Jame». لجبور مهمة الإنتاج والحوار مع ضيوف «زيارة» ولأبي الروس الإخراج والتصوير والصوت. وتتشاركان معاً في مونتاج الحوارات، لتكون «زيارة» خفيفة الظل وكثيرة الفائدة من خمس دقائق فقط.
من خلال «زيارة» حققت دونيز جبور وموريال أبو الروس حرية في العمل، وفك أسر الزمن وهما بانتظار مخرج ينجح بتأمين إنتاج لفيلمه الطويل، كي يبدأ تصويره. هكذا تمكنتا معاً من إنتاج ساعة من المضمون كل عام، متوفر على يوتيوب، بعيداً عن سيطرة أي من المنصات السينمائية. ف»زيارة» مُفصّل بالتمام ضمن قدرات القائمتين على إنجازه، بحيث لا يتوقف في محطة ما.
مع موريال أبو الروس هذا الحوار:
○ لبيتم دعوة مهرجان ربيع بيروت لافتتاحه بعرض 12 فيلما من «زيارة» مع فنانين لبنانيين. ماذا عن أهداف الموسم الثامن؟
• أردنا الموسم الثامن من «زيارة» هدية لبيروت، وإطلاق بعض الحب لعاصمتنا. اُنجز هذا الموسم بدعم مالي من «بيريت اليونيسكو» ومؤسسة روبير متى. قررنا تصوير الموسم الثامن مع فنانين ناضلوا طوال الحرب الأهلية لاستمرار الحركة الفنية والثقافية، لإيمانهم بأهمية المساحة الحرّة في لبنان.
○ لماذا تطلقون على زيارة تعريف «موسم»؟
• قررنا أن يتشكّل كل موسم من 12 حلقة. تطورت اللغة السينمائية مع كل موسم جديد. وبدءاً من 2014 والموضوعات تزداد عمقاً.
○ تعبّرين عن رغبتك بإضفاء لغة شاعرية على الأفلام التي تصورينها. هل للشعر أن يقدّم الواقع أم يُجمّله؟
• أمر يعود للشاعر ونوعية شعره. منهم من يكتب الهجاء، ومنهم المدح. الشعر يشبه صاحبه. مهما بلغت صعوبة الحياة، أنظر إلى الجماليات الموازية المحيطة بمآزمها، التفاصيل الجميلة المحيطة بالبشاعة تساعدني بتقبل الواقع. لغة «زيارة» السينمائية تشبهني وتشبه رؤيتي للحياة. مهما كانت صعوبة الحياة فالصورة التي تنقلها عيني تشبه الصلاة أو التأمل. أركز على الجمال الكامن حول الموضوع المأزوم الذي نحن بصدده.
○ من أهداف الجمعية الإلهام وتحفيز الشفاء العاطفي والاجتماعي عبر البوح. هل ستتحول أفلام «زيارة» لرحلة علاج كما المسرح والرسم وسواهما؟
• عملنا الفني حدسي، والخلق من خلال الحدس يشبه الصلاة. روحانيات الحاضر لم تعد مقتصرة على الروحانيات الدينية التقليدية، الفن عمل روحاني بقدر ما هو تجميلي وتقني.
○ ما هو الحدس الذي تنقله صورة كاميرا موريال أبو الروس؟
• لا أقصد مكان التصوير مع تصميم مسبق لمهمتي. أترك للحظة وللقاء مع الشخص الذي سأصوّره، أن تُولِّد الحدس بداخلي، وأتبع حدسي لأجد الصور التي ستُكوِّن هذه الحلقة من «زيارة». إنها اللحظة والطاقة الكامنة داخل الشخص الجالس بمواجهتي. استمد الحدس من مشاعره والمفضّل لديه في الحياة الأرض؟ أم البحر؟ أم السماء؟ كل «زيارة» تخلق لوحة فنية تشبه صاحبها أو صاحبتها.
○ إنه مختبر الأفلام الحدسية التي سبق وتكلّمتِ عنه؟
• نعم وهذا ما أعلّمه للسينمائيين الجدد الراغبين بدخول عالم السينما، والذين يعملون في عالم التصوير والإخراج. يأتون إلى المختبر بدافع اكتشاف جديد خارج نطاق الروائي والوثائقي، في مختبر الحدس نعمل عبر التجريب والشاعرية، بعيداً من المتعارف عليه سينمائياً.
○ إذاً كيف ولدت اللغة السينمائية لديك؟
• سنة 2014 اقترحت المنتجة دونيز جبور أن نحاور الناس بما أننا غير ملتزمتين بعمل منتج، وأن يرتكز الحوار على مشاعرهم وأحلامهم، وأسئلة أخرى عن حياتهم العاطفية، أردناها دردشة عفوية. وافقْتُ دونيز على اقتراحها وبأن تكون لها حرية الأسئلة، ولي حرية الخلق، على أمل أن نتمكن بهذه الخلطة من خلق ما هو خاص بنا، وتوافقنا معاً للانطلاق. ومن جهتي شاهدت حُلماً أقابل فيه أشخاصاً برؤية غير واضحة، أثق بحدسي، وبالشخص الموجود في داخلي والذي يقودني في عملية الخلق، تبعت مشاعري، وولد «زيارة» كلغة سينمائية كما ذكرت.
○ كم انعكست تجربتك كمديرة تصوير لـ 20 سنة على «زيارة». ولماذا ترين فيها رسالتك في الحياة؟
• نعم «زيارة» رسالتي في الفن كما في الحياة. وكل من يختار الوقوف أمام كاميرا «زيارة» بطل في حياته الشخصية، اختار تخطي مصاعب يعيشها، ومن يختار مشاركة آخرين في قصته ملهم لي بالتأكيد. الراغبون بالظهور بـ«زيارة» كثر. أوظّف ثمار السنوات العشرين التي أمضيتها كمديرة تصوير لخدمة أشخاص آخرين من منتجين ومخرجين. أمدّتني «زيارة» بالحرية المطلقة في الخلق، قررنا تنفيذها لنعيش حريتنا المهنية، ولأتمكن شخصياً من اكتشاف الفرق بين العمل السينمائي التجاري والمستقل. أسأل نفسي من أنا عندما أكون في خدمة رؤيتي الخاصة في العمل؟ وماذا أملك لأقدمه في هذه الحياة؟ أختار المشروع الذي يقنعني لتصويره، وإن لم يأت هذا المشروع فلست مجبرة على تصوير عمل تجاري لا يعنيني. نأيت جانباً بشغف التصوير، ولم أرد له أن يُذل، ويتحوّل لوظيفة ميكانيكية، أردت لمهنتي أن تبقى شغفاً وبمستوى الرسالة، ولهذا لم أعد إلى مهمة مديرة التصوير لصالح المختبر السينمائي، والهدف تحفيز السينمائيين على الإيمان والثقة بحدسهم وشغفهم. «زيارة» بدون نهاية طالما وجد راغبون بمشاركة قصصهم، ومعهم سأتمكن حتى نهاية العمر من رسم لوحات جديدة لأشخاص، وأتيح لهم رؤية ذاتهم، وكم هم جميلون من خلال عيوننا، وأقوياء وملهمون، ومتحررون من أسر عاشوا فيه ضحايا، رغم قدرتهم بأن يكونوا أبطالاً.
○ ما الفائدة التي يجنيها المشاهد لحلقات «زيارة»؟ وكيف يستسهل الناس البوح أمام الكاميرا؟
• ينسون الكاميرا، ولا يشعرون بوجودي تقريباً، يعرفون أني لست كاميرا تصور حواراً لينشغلوا بجمال صورتهم. من قرروا المشاركة بـ«زيارة» يعرفون لغتها، وافقوا مشاركة قصتهم لأنهم يعرفون الحب والاحترام والجماليات التي تتميز بها «زيارة» وأننا نظهر النور والجمال الموجود بداخلهم، قناعات تجعل من نصوره واثقاً من زائرتيه.
○ لفتتني ثقتك بأن أفلام «زيارة» تُحفّز الشباب على التمتع بالصلابة أياً تكن التحديات. هل تُكتسب الصلابة من تجارب الآخرين؟
• وهذا ما نلمسه في المدارس خلال عرض «زيارة» للتلامذة. زرنا إلى حينه حوالي عشرين مدرسة، وعرضنا لطلاب بين عمر 13 و18 سنة. على سبيل المثال تعيش إحدى بطلات «زيارة» مرضاً مزمناً تبدو مفاعيله بتغيرات في شكل وجهها وجسدها، وهي إنسانة فخورة بذاتها، رافقتنا في زياراتنا للمدارس وتحدّثت عن حب النفس وتقبلها، حضورها كان ملهماً للجميع، فعبروا عن ذاتهم وعلاقتهم مع أنفسهم. بالطبع لا نلغي دور الأهل والمدرسة والأصدقاء والإخوة، فالصلابة ليست هدية نقدّمها للأخرين، بإمكاننا أن نوحي لهم بالأمل وبخيار الصلابة المتوفر، الاختيار يعود للإنسان إن كان يرغب بأن يكون بطلاً أم ضحية.
○ تبدو «زيارة» في موسمها الثامن وأبطالها الـ12 من الفنانين المميزين في لبنان وكأنها تكريم لبيروت الماضي ونعيها معاً. ما رأيك؟
• كوني شخصا متفائلا في الحياة، أرى بيروت تموت مئات المرّات إنما لا تركع ولا تنهزم ولا تختفي. تتغير نعم، وعلينا أن نحبها بتغيراتها الناتجة عن افعالنا كمواطنين، وطالمنا نحن الأفراد المؤمنين بذاتنا وبوطننا لن نغادره ستواصل بيروت تأكيد وجودها وأهميتها، وإن تغير شكلها الخارجي بين مُتعبة، أم باكية، أم مدماة، سأبقى أحبها بكل حالاتها فهي مدينتي.
○ كيف وجدت «زيارة» مع جورجيت جبارة التي تحدت كل مصاعب الحرب وصمدت في لبنان تواصل بناء مدرستها ومشروعها الفني؟
• شهادتي مجروحة. من أحبّ بيروت أو نعاها فذلك لأنه أحبها. في «زيارة» لجورجيت جبارة دمعت عيوننا دونيز جبور وأنا، لكوننا نشبهها في إصرارنا على الاستمرار. عشنا المتفجرات، والثورة، وكوفيد و4 آب. تألمنا، إنما عزيمتنا تتضاعفت إيماناً ببيروت والوطن. أتمنى أن تُعدي عزيمة جورجيت جبارة كل من يشاهد «زيارة».
○ تحتاجون في الجمعية لدعم فهل يمكن صرف الـ45 جائزة التي نالتها «زيارة» من حول العالم؟
• في بداياتها شارك «زيارة» بمهرجانات مختلفه ومتنوعة حول القارّات، بدءاً من مهرجانات الويب، والمسلسلات، والأفلام الوثائقية القصيرة والروائية. رغبنا برصد وقع «زيارة» من قبل الجميع. وهل يحمل طابعاً إنسانياً دولياً أم أثره لبناني فقط؟ سررنا لطابعه العالمي الجامع ووصوله للناس في كافة المهرجانات. حلّ «زيارة» في طليعة المسلسلات التي نالت جوائز على صعيد العالم. مضمون «زيارة» إنساني وفني لهذا تخطى لبنانيته. حالياً لا نشارك في المهرجانات، نوفر المال لصرفه على الإنتاج.
○ بعد لبنان ما الذي حملك إلى «زيارة الى اليمن»؟
• زرت اليمن في سنتي 2002 و2003 كمديرة تصوير لأفلام وثائقية، وتصوير أول فيلم يمني روائي طويل «يوم جديد في صنعاء القديمة». أمضيت أشهراً طويلة في اليمن، اكتشفت حضارته وشعبه العظيم. وكان لدونيز جبور فرصة زيارة اليمن بهدف التصوير أيضاً. قررنا في «زيارة» أن يكون لنا موسم في كل بلد من العالم، يحكي محتواها كم نتشابه في الإنسانية، والرغبة بالسلام والأمان. صدفة التقينا في مكتب وداد حلواني بالشابة اليمنية نور الدين بجاني التي تعمل في المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي يُعنى بالمفقودين اليمنيين، وكان اقتراحها أن نزور اليمن. حضّرنا لحوارات مع 12 يمنيا ويمنية عانوا مرارة الحرب في بلادهم. للأسف ألغيت بطاقات السفر قبل يومين من الموعد لأسباب أمنية كما اُبلغنا. سافرنا إلى سلطنة عُمان وخلال أسبوعين من الإقامة أنجزنا أربع حلقات من «زيارة». ونحن مصممون على متابعة الموسم وصولاً إلى 12 زيارة، ونأمل أن تتم في اليمن، فالمكان يمنح الطاقة المؤثرة في عملية الخلق، وإن لم نتمكن فستكون «زيارة إلى اليمن» عن لجوء اليمنيين إلى البلدان العربية.
○ هل تلحّ عليك «زيارة» لغزّة بعد وقف إطلاق النار لتسجيل بطولات ناسها وجراحهم؟
• بل أعيش إلحاحاً بكيفية تكريم أهل غزة. إن لم نُكرم الجرح سيبقى نازفاً طوال العمر. إن أتيح لنا وصول غزة فالهدف من «زيارة» وضع الحب على جراح ناسها. عندما تصبح فلسطين وغزّة جاهزة لاستقبالنا لن نتأخر ثانية، وهذا ما يُشرّفنا ويُكْرمنا.