موريس كونداس.. أو تجريم الحرية قانونا

أحيانا يصادف أن يشبه البحث في التاريخ، حالة الوقوف عند الصورة التي تثير بؤرة الموضوع، ومن ذلك ما حدث بالنسبة لهذه القراءة، حيث جرني صديقي جرّا إلى مكتبته التي مازالت في علب الكرتون، ثم امتدت يده تفتش عن كتاب أرادني أن أطلع عليه، فانهمكت معه بحثا، مذكرا إياه بين الفينة والأخرى بأن يقيم رفوف مكتبة لتجميع شظايا نفائس أوراقه، وفي غمرة ملله من البحث ألمحت إليه بكتيب في يدي أخرجته من تحت ركام الأغلفة المتراصة، فتمتم بشوشا من بين شفتين كانتا غارقتين في أسف: هو ذاك.

الألم الاستعماري وتزييف التاريخ:

مازالت القضية الجزائرية تكشف في أوراقها التاريخية عما يمكن تسميته بالألم الاستعماري، الذي هدد الشخصية الوطنية في أبعادها الإنسانية والقانونية والحضارية، ففي الوقت الذي يشير سارتر في كتابه «عارنا في الجزائر» إلى أن «العمل الفرنسي كله في الجزائر، ما وجد إلا لخير المستعمرين ومصالحهم الذاتية»، لأنه كان استيطانيا، يأتي كتيب موريس كونداس دكتوراه في القانون ومحام مكلف، «مناصرة الجزائر أجوبة لأولئك الذين يتهمون دوما فرنسا»، الصادر في 1957، للدفاع عن جرائم فرنسا، بل تلميعها وقلب الحقائق، باعتبار الاستعمار حملة لتحضير الشعوب الهمجية. وافق صدور الكتيب نشر الصحافة لتقرير «لجنة حماية الحقوق والحريات الشخصية»، «تبعا للتحقيق الذي أجراه في الجزائر أعضاء اللجنة، حول التجاوزات التي يمكن أن تكون قد حدثت»، وانطلاقا من العنوان وهذا الإثبات الصغير في «الخاتمة التي كُتِبت بمثابة المقدمة»، كما ورد في الكتاب، نستطيع أن نستشف أي جزائرٍ يناصرها كونداس، إنها بالطبع الجزائر الفرنسية، وبالتالي يصبح كل ما يُرتكب فيها مقابَلا بما يثيره في نفوس وسلوكات السكان الأصليين، وأدرج الجريمة الاستعمارية في حق الجزائريين الأصليين ضمن دفاع الأقلية المستعمِرة ضد همجية المستعمَر، حيث تحت عنوان «المأساة الجزائرية» يكتب: «فرنسيون يموتون كل يوم. نعلم القليل جدا من ذلك عندما نفتح الجرائد الحضرية، الجرائد الباريسية الواسعة النشر. بعض السطور في الصفحة الخامسة أو السادسة بدون عنوان صاخب»، لنتمعن كيف يدافع رجل القانون على المجرم، وتصبح المأساة جزائرية بمنطق من استولى على ملك الغير، وليس بمنطق من سُلب حقه، حيث الفرنسي الذي يموت كل يوم على أرض الجزائر، وعلى أيدي الجزائريين، يعتبر مظلوما لأن صاحب الحق أراد أن يسترد ما انتزع منه، ويعيد الأمر إلى ما كان عليه، وما كان عليه هو خلو «الجزائر» من الدخيل الفرنسي، لكن كونداس لا يعتبر فرنسا محتلة، بل يعتبر وجودها في الجزائر إحلالا، ملأ فراغا كان يجب أن يُسد لأن الحاجة الحضارية كانت تتطلب ذلك، وما حققه الاستعمار «يشكل التطوير الأحسن للجزائر»، وبفرض هذه الأطروحة تمت كل مزاعم الاستعمار في أحقيته بنشر قيمه وصور تطوره في شتى الأماكن، التي تطالها يده، فتصبح حيازة وملكا بوضع اليد، وتغدو بصمته بعد ذلك مدمغة بالإنسانية، «فمهما كان العمل الإنساني ناقصا، على الرغم من ذلك، تبقى الجزائر منجزا فرنسيا، حيث نستطيع أن نفتخر بأن تدخلنا العام كان أخويا بامتياز»، كل ملاحظات كونداس تندرج في إطار الرؤية الإحلالية الإلغائية للسكان الأصليين غير المتحضرين، إلى مجيء فرنسا التي مكنتهم من رؤية الحياة، وهنا يسقط المستعمِر في فخ امتلاكه للحقيقة المطلقة، باعتباره وحيدا يأخذ بيد البشر «الهمج» إلى مستوى الحضارة، وينسى دائما أن الجزائر كانت تمتلك مسارا حضاريا مختلفا، وتاريخا ذا خصوصية، والاستعمار كان عائقا أمام المسار الطبيعي لتطور البنية الحضارية ذات الخصوصية، المتناسقة مع قيمها ومبادئها، وأشكال نموها الاجتماعي والثقافي والعمراني، فلو لم تهجم فرنسا بكل شراسة المستدمر، لكان المعمار العربي/ الإسلامي في الجزائر قد أخذ تطوره الحقيقي والإبداعي، من خلال أنماط البناء التاريخي الذي استلهمه المهندس الوطني من خلال وعيه بالحرية والشخصية المتميزة.

تمجيد الاستعمار ومرسوم إعلان السطو:

عندما يصبح الاستعمار مفخرة في عرف رجل القانون، فإن معايير تقييم الحق وسلبه تتغير، طبقا لمزاج الأشخاص وليس للقيم الناظمة للسلوك الإنساني، فكونداس يرى أنه «ليس على الفرنسيين أن يخجلوا من الاستعمار، لم يكن سلبا. كشفت الإحصائيات أن المسلمين يمتلكون ما يقارب خمسة أسباع الأراضي الصالحة للزراعة. والمعمرون لم يأخذوا شيئا من أحد»، إذا لم يكن الاستعمار سلبا فأين يقيم المعمرون، هل على أراضي أجدادهم؟ الجزائر أرض بعيدة عن محيطهم الجغرافي والثقافي والبشري، يمكن أن الاستعمار كان استضافة من قبل الجزائريين، إن الاستعمار يبقى وصمة عار على جبين كل من ساهم أو فكر، أو نظر لكيفيات استعباد الشعوب والاستيلاء على مقدراتها، ومصادرة حقها في الحياة، ولهذا كتب جون بول سارتر «عارنا في الجزائر»، وأكد فيه أنه ليس هناك «مستعمرون صالحون وآخرون طالحون؟ بل هناك مستعمرون فحسب»، هذه هي الحقيقة التي ينبني عليها الواقع، المستعمِر كينونة ناشزة، لا تتوافق مع الجوهر الإنساني المبني على الحرية والنفور من الظلم، فإذا ثار ضد الوضعية الاستعمارية فلا يسمى «متمردا»، بل مناضلا لمناصرة حق انتهكه ظالم.

عندما يصبح الاستعمار مفخرة في عرف رجل القانون، فإن معايير تقييم الحق وسلبه تتغير، طبقا لمزاج الأشخاص وليس للقيم الناظمة للسلوك الإنساني، فكونداس يرى أنه «ليس على الفرنسيين أن يخجلوا من الاستعمار، لم يكن سلبا.

لا يفكر المحتل في كيفيات الظلم الذي يطوره وفق حاجياته، والأوضاع التي تسمح له بالإقامة الدائمة على غير أرضه، بل هو دائم الانشغال بكيفيات حماية وجوده وإضفاء الشرعية على هذا الوجود، وهو ما حدث في الجزائر، إذ يزعم كونداس أن استعمار الجزائر كان بدايةً مجرد «بعثة تأديبية للجزائر العاصمة، جلبت النظام في حوض المتوسط»، مجرد التفكير في تصور دولة تناور عدائيا ضد دولة أخرى، يجعل البحث عن المبرر قائما، ولهذا غطت فرنسا على نواياها الاستعمارية بهذا السبب التأديبي، وهو الصيغة المؤدبة لتسمية الاحتلال، بل يضيف كونداس، «لو أنه بعد هذه البعثة التأديبية.. وجدت فرنسا نفسها أمام وضع منظم، لما اضطرت إلى إلحاق البلد بها»، والسؤال الذي يثار: من خوّل فرنسا وضع معايير النظام الذي يجب أن يتبع؟ هذا يجوز في حدود جغرافيتها، لكن أن تفرضه على جغرافيات أخرى، فمعنى هذا أنها تكشف عن حقيقتها التسلطية ورغبتها في إخضاع الشعوب وترسيم حدود مجالات حيوية لأغراض اقتصادية، ترفد وتدعم اقتصادها الباحث لتوه عن مواد أولية، لا يحوزها باطن أرضها ولا ظاهره، وبعد أربع سنوات من التواجد الفرنسي على أرض الجزائر يذكر كونداس أن فرنسا اضطرت «في 22 يوليو/تموز 1832 إلى إصدار مرسوم إعلان الجزائر ملكية فرنسية»، ولعل القارئ لكونداس، يقع في حيرة وهو يراه يدعو فرنسا إلى عدم الخجل من الاستعمار، ثم يورد مرسوم امتلاكها لما لا يعود لها، وقانونا يعتبر هذا الفعل تعديا على ملكية الغير، فكيف برجل قانون ومحام مكلف في محكمة، مغالطة العقل الإنساني، والتلاعب بالمفاهيم، ليبرر التواجد الإجرامي لفرنسا في الجزائر.

المشروع التدميري وإنكار وطنية المستعمَر:

«أي إحساس يغذي المتمردين؟ يمكن أن نشك في كونه الإحساس بالوطنية»، هذا ما يجعل من المستعمر فاقدا للإحساس بالواقع، متعايشا مع وضع استثنائي متخيل، حتى يستطيع أن يتوافق مع حقيقته الإجرامية، لأن النفس السوية تأبى الظلم والاستعباد والإثراء على حساب الغير، فيبادر المستعمِر إلى تجريد الآخر مسلوب الإرادة أمام آلة دماره الجهنمية، من العامل الوحيد الذي يخاف أن يستيقظ في دواخله، فيهدد مشروعه المهيمن على ما ليس له، المستعمِر يخاف من وطنية المناهضين لمشروعه التدميري السالب للحرية والوطن، لهذا يسمي كونداس تضامن المجاهدين الوطني من أجل القضية الأم، تمردا وتواطؤا، حيث يقول عنهم: «خلال جرائمهم، وعندما يُرغمون مسلما على التواطؤ معهم، يجعلونه في صفوفهم، وهكذا يزيد عدد جيشهم»، طبعا لم يمتلك كونداس آنذاك (1957) الجرأة أمام ازدياد الضغط على فرنسا، وحتى من داخلها، وتلك اللجنة التي ذكرها ابتداء دليل على ذلك، من الاعتراف بحيوية المسعى الإنساني الخالص بالشعور بالانتماء، في تقوية اللحمة الوطنية المناهضة للاستعمار والساعية، عبر نضالها إلى التخلص من تواجده، وهو ما حدث في فرنسا إبان الاستعمار النازي لها.
هذا الكتيب يمنح القدرة على الإمساك ببعض الخيوط في نسيج مؤامرة أي مستعمِر في تكوين شبكة الهيمنة على الآخر، فالوضع النفسي جد مهم، وما أرعب كونداس هو الوعي العالمي، بل الفرنسي من خطورة استمرار الاستعمار في عالم يتحرك ضمن وعي تحرري على علاته، ويمكن حاليا قول ذلك مع الكثير من التحفظ، لكن يبقى الضمير الإنساني المتحفز دوما للخير مشاركا في كشف الغطاء عما يمكن أن يكون مساسا بالحريات الفردية والجماعية، وسلامة الوضع العالمي، وهو ما دفع موريس كونداس عن وعي بخطورة «الفقد»، وهو رجل قانون، إلى تمجيد الجريمة وتجريم السلوك المناهض لها، وهو ما يقدم الدليل على فقدان الاستعمار لعقله ولأهليته الإنسانية.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية