لم تنل حدة النقد من موهبة محمد رمضان، ولم يتأثر النجم الشاب بحملات التثبيط الموجهة إليه على مدار الساعة، كونه يرى نفسه السوبر ستار، ويجتهد في الاحتفاظ بمكانته ونجوميته، التي وصل إليهما بشق الأنفس خلال مشواره العسير ورحلته الفنية المُرهقة.
في كل موسم رمضاني يحرص الفتى الأسمر على المشاركة بعمل فني كبير، كأنه يراهن نفسه وجمهوره على الموهبة الربانية، التي لم تُخذله يوماً أو تتخلى عنه، فهو يعرف بالفطرة مكونات الخلطة الدرامية والفنية التي تعجب الجمهور، وتبقيه في الساحة الفنية كمنافس عنيد لديه من الإحساس ما يجعله قادراً على تحديد البوصلة، فيتجه بالسليقة والخبرة إلى ما يُحقق له النجاح الجماهيري بمقاييسه الشخصية، ففي العام الماضي قدم مسلسل «البرنس» وتفوق على نفسه في الأداء التمثيلي، وتجسيد الشخصية القوية المناوئة للخيانات والمؤامرات، والقادرة على مجابهة حيل الإخوة الأشرار وأطماعهم.
وقد نجح مسلسل «البرنس» نجاحاً مُذهلاً فقلب موازين النقد اللاذع وعدل كفة الهجوم الشرس، لتتغير المُعادلة في لمح البصر ويتحول بعض المُهاجمين إلى مناصرين وداعمين، ويظل محمد رمضان على استعداده وقوته، يتأهب لتقديم مسلسل آخر ليكون نقطة محورية في خريطة الدراما الرمضانية هذا العام، فيأتي عمله الفارق «موسى» تأليف ناصر عبد الرحمن، وإخراج محمد سلامة ليُعيد مُجدداً إشكالية الجدل حول شخصية الفنان الشاب، وطبيعة أدوارة واختياراته، ومستوى أدائه، ويضع معياراً مُختلفاً للنجاح، إذ لا حدود للموهبة ولا أطر تحكم تمددها وتطورها إلا قدرات الممثل ذاته فهو الأقدر على تطويعها وتوظيفها واستغلالها، حسب ما يرى ويشعر ويفكر.
لقد ضرب محمد رمضان عرض الحائط بكل النظريات الأكاديمية في فن التمثيل والتشخيص، وترك نفسه لموهبته طوعاً لتقوده إلى المسلك الصحيح من وجهة نظره، فمن خلالها فقط عرف حجم قدراته، وصار يتنقل بين الشخصيات الدرامية بأريحية، تاركاً خلف ظهره النعوت والأحكام النقدية والآراء السلبية، ولا شك في أنه اقتدى إلى حد كبير في هذه النظرية بالنجم الكبير الراحل أحمد زكي.

في مسلسل «موسى» الذي يشارك فيه سُمية الخشاب وعبير صبري ومُنذر ريحانه وسيد رجب، يُدرك البطل أبعاد الشخصية ومستوياتها الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وينتبه إلى تفاصيلها الدقيقة من الداخل والخارج، فمن الناحية الشكلية يتقمص رمضان حالة الشاب الكادح الفقير، الهارب من جحيم الفقر والجوع، وتبدو صورته الظاهرة مُثيرة للشفقة، فهو قادم من صعيد مصر إلى القاهرة عبر النيل، على ظهر مركب شراعية إبان فترة الأربعينيات، مع نفر من العُمال الباحثين عن مصدر رزق يوفر لهم الحد الأدنى من الأمان والحياة الكريمة، ويقيهم شر القحط الضارب بجذوره في أعماق مصر المحروسة، الرازحة تحت وطأة الاحتلال الإنكليزي آن ذاك.
وفي غمار الرحلة الشاقة يتأمل البطل الجنوبي حياته وواقعه، فيتذكر شقيقته شفيقة المطعون في شرفها زوراً وبهتاناً، ويُلقي نظره فاحصة على وجه أمه القعيدة التي يحملها معه في رحلته المُضنية، ويسرح بخياله بعيداً مُستطلعاً حُلمه الذي جاء للقاهرة من أجل تحقيقه، وهنا يتبين في عمق الصورة الضبابية للواقع القاسي المضمون الداخلي للشخصية الصُلبة المُحاصرة بالهموم من كل الاتجاهات، وليس لها من سبيل للمقاومة والخلاص، إلا ذلك الإصرار على الكبرياء والتحدي وعدم الانحناء، وهو البُعد الأهم في شخصية البطل، الذي يواصل مسيرة شقائه بثبات، رافضاً الخنوع والخضوع للأثرياء من علية القوم، مُقترباً بحساسية وتردد من الفتاة الأرستقراطية المُدللة، التي تمثل طاقة النور في ظلام ليله وظلم واقعه.
الحلقات الأولى من مسلسل «موسى» تمثل تمهيداً للدخول في أغوار الحكاية الطويلة للبطل الجنوبي، بفصولها المُتعددة ومضامينها المتباينة، فعلى مستوى الفكرة الاجتماعية تكشف الأحداث عن التفاوت الفج بين الطبقات، الذي مثل انقساماً هائلاً في بنية المجتمع المصري في حقبة الأربعينيات، مع الإشارة الصريحة لمأساة المواطن المُعدم في عصر الباشوات والبكوات، وكذلك تتضح سوءات النظام الملكي البائد، بممارساته السياسية وغرقه في الملذات والشهوات، واستحواذه على النسبة الأكبر من ثروات الشعب وحقوقه ومُمتلكاته.
غير أن المسيرة الفردية لبطل الحكاية الشعبية تتضمن مفاجآت من العيار الثقيل تخص قضيته الأساسية في الدفاع عن شرفه المسلوب، فشقيقته شفيقة ليست سوى فتاة تعرضت للقهر، فوصمت بالعار، بينما هي في حقيقة الأمر مثال للعفة والطهارة، لكنه الفقر حين يستبد بأهله يوردهم موارد التهلُكة، وشفيقة مجرد نموذج لعشرات الضحايا، ومن واقع الاسم والتورية يمكن اعتبار ذلك تنويعاً على حكاية شفيقة ومتولي، ومحاولة لتصحيح السيرة المغلوطة لبطلة الحكاية الشعبية القديمة التي لم يحاول أحداً تفسيرها بُمقتضيات العدل والإنصاف. كما أن موسى بطل الحكايات والأحداث بقصته وقوته وشجاعته، ودلالة اسمه يُحتمل أن يكون رمزاً وإسقاطاً لمعنى القوة وضرورة الحاجة إليها لمقاومة الظلم والبطش، أو أنه مجرد استلهام لسيرة النبي القوي موسى عليه السلام، لاستخلاص المعاني المتوارية خلف الأحداث، والتي مفادها أن البقاء دائماً للأقوى وأن لكل زمان رموزه وفرسانه وجنوده وضحاياه.
غاية القول إن المسلسل جد متميز وفيه من المرامي والإشارات ما يستحق المشاهدة والإشادة، غير أن البطل لم يخب سعيه ولم تخدعه موهبته، ولم يكن أقل حظاً في هذا العام عن العام الماضي، لأن ثمة قدرات حقيقية يمتلكها رمضان كممثل، سواء اختلفنا أو اتفقنا مع طريقته في الحياة وأسلوبه، وثقته الزائدة في نفسه، التي يراها البعض محض غرور يستوجب العقاب والمقاطعة!
كاتب مصري