باريس-“القدس العربي”: رغم أنها كانت من أوائل الدول التي دعمت المشير خليفة حفتر وقواته المتمركزة في شرق ليبيا مع اعترافها في الوقت نفسه بحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحد؛ إلا أن فرنسا تجد نفسها اليوم أكثر فأكثر معزولة داخل معسكر الدول الغربية في ظل الانقسام الأوروبي، الذي فسح المجال لكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا لتقاسم النفوذ الجيوسياسي في ليبيا.
مراقبون فرنسيون للشأن الليبي، يرون أن الانتكاسات العسكرية المتتالية التي تلقتها قوات المشير خليفة حفتر في الأيام الأخيرة تشكل ضربة قوية لداعميه، بما في ذلك باريس التي ظلت لسنوات تراهن على حفتر باسم القتال ضد الجماعات الإرهابية. ووسط تنديد الأمم المتحدة بالتدخلات الخارجية في ليبيا وتدفق الأسلحة والمعدات والمرتزقة على طرفي النزاع في هذا البلد، حاولت فرنسا النأي بنفسها عن التصعيد الميداني الأخير في محيط العاصمة طرابلس، قائلة على لسان وزير خارجيتها جان ايف لودريان، الذي يعد مهندس الدور الفرنسي في ليبيا، “إن الوضع في ليبيا مقلق جداً بسبب التدخل الروسي والتركي، وأن سيناريو الصراع في سوريا يتكرر في ليبيا”.
القلق الفرنسي الجديد هذا، في رأي مصطفى الطوسة، الإعلامي والمحلل السياسي في باريس، “نابع من المعادلة الجديدة التي أحدثها التدخل العسكري التركي الذي غير المعطيات لصالح حكومة الوفاق في طرابلس، والوجود العسكري الروسي المتزايد في شرق ليبيا لدعم حليف باريس المشير خليفة حفتر. الأمر الذي غير من أولويات باريس، بحيث أصبح همها الأول حالياً هو أن يتم بطريقة أو بأخرى لجم القيادة التركية وجعلها تنسحب تدريجيًا من ليبيا”.
بعض المحللين والمتابعين الفرنسيين للشأن الليبي، يؤكدون أن “اللعبة المضطربة” لباريس في ليبيا، بدأت قبل أربعة أعوام، عندما قامت الجماعات الجهادية، التي تحاربها فرنسا ضمن عمليتها العسكرية في منطقة الساحل برخَان؛ باستغلال الفوضى في ليبيا جاعلة منها قاعدة خلفية لها. لتقوم الدوائر الفرنسية بالمراهنة على خليفة حفتر، من منطق أنّه الأقدر على حسم الأمور عسكرياً في مواجهة التنظيمات الإرهابية. خاصة أن الأخير كان يحظى بدعم مصر والإمارات العربية المتحدة.
ويرى مراقبون أن صفقات السلاح الفرنسي الضخمة لعبت دورها في اقناع أبو ظبي والقاهرة لباريس بالاصطفاف إلى جانبهما ودعم حفتر باسم مكافحة الإرهاب؛ خاصة وأن المشير الليبي والنظامين في القاهرة وأبو ظبي يتشاركون العداوة القوية للإخوان المسلمين (مشاركون في حكومة الوفاق الوطني الليبية) والذين تنظر إليهم أيضا باريس، من جهتها بقدر كبير من الشك وحتى العداء الضمني، وفق محللين سياسيين.
وفي عام في عام 2016 سارعت فرنسا وبشكل سري، بارسال معدات عسكرية وقوات خاصة إلى حفتر؛ وبلغ هذا الدعم ذروته عندما انكشف وجود عناصر من القوات الخاصة إثر تحطم طائرة عسكرية ومقتل جنود فرنسيين بها. وقد أوكل الرئيس الفرنسي وقتها فرانسوا أولاند إلى جان ايف لودريان وزير الدفاع آنذاك الملف الليبي، وكان هاجسه الأول والأخير أمنياً واقتصادياً.
ومع قدوم إيمانويل ماكرون إلى السلطة عام 2017 لم يتغير شيء تقريباً، إذ استمر جان ايف لودريان في إدارة الملف الليبي، ولكن هذه المرة بصفته وزيراً للخارجية، بحيث واصل مسايرة الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السّراج، مع استمرار تقديم الدعم العسكري لقوات خليفة حفتر؛ وإن تميزت فترة الرئيس الحالي بقدر أكبر من المبادرة على المستوى السياسي، حيث تمكن من جمع طرفي النزاع فائز السّراج وخليفة حفتر، على طاولة واحدة في قصر سيل-سان-كلو بضاحية باريس نهاية عام 2017. ثم بعد ذلك، أشرف في قصر الاليزيه على اتفاق باريس بين أبرز فرقاء الأزمة الليبية بحضور حفتر والسّراج.
موقف حكومة إيمانويل ماكرون هذا، وضعها في مواجهة دبلوماسية مع إيطاليا حليفتها في الاتحاد الأوروبي، أحدثت شرخاً في الموقف الأوروبي والغربي من الأزمة الليبية. فعلى عكس باريس، يُعد ملف الهجرة أولوية ضاغطة بالنسبة لروما، بحكم الموقع الجغرافي لإيطاليا، التي تراهن حكومتها على حكومة طرابلس المعترف بها دوليا لوضع حد لتدفق المهاجرين إلى حدودها عبر السواحل الليبية. وقد فسح هذا الانقسام الأوروبي المجال أكثر للنفوذ التركي في الغرب، والروسي في الشرق.
وفي ظل المعطيات الميدانية الجديدة، يتساءل بعض المراقبين إن كنّا سنشهد في قادم الأسابيع والأشهر عملية سلام من نوع أستانا في ليبيا؟ لكن آخرين يرون أن الوضع في ليبيا يختلف عن الوضع في سوريا، لأن هناك جهات فاعلة متعددة. ومع ذلك يؤكد العديد من المتابعين أن التطورات الراهنة على الميدان الليبي تخلق ديناميكية من المحتمل أن تضغط على الجهات الفاعلة الأخرى.
ووسط عزلتها، في ظل المتغيرات الحالية، تحاول فرنسا البقاء في المشهد الليبي عبر إعادة توحيد صفوف الدول الأوروبية المنقسمة، لأنه “خلافا لسوريا فإن من الخطورة على دول الاتحاد الأوروبي ترك الساحة الليبية خالية بحكم الموقع الاستراتيجي لهذا البلد والتأثير المباشر لما يجري فيه على أوروبا” كما يوضح المحلل السياسي المقيم في باريس رامي خليفة العلي.