موقف مصر من قضية «صفقة القرن» على المحك وبيان وزارة الخارجية لم يحدد دورا إيجابيا تجاه القضية الفلسطينية

حسنين كروم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 1 و2 فبراير/شباط، نبأ الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لبحث خطة ترامب التي أعلنها، وأكد الرئيس على أن يكون الحل وفق المرجعيات الدولية والتوصل إلى اتفاق يضمن استدامة تلك التسوية، ينهي بها معاناة الشعب الفلسطيني، واستعادته كامل حقوقه الشرعية ويحافظ على حقوق كل الأطراف. كما أكد الرئيس الفلسطيني شكره لمصر لجهودها لدعم القضية الفلسطينية.وأبرزت الصحف قرارات وزراء الخارجية العرب، التي رفضت الخطة، وطالبت بحل القضية وفق القرارات الدولية.

اشتعال المعركة ضد شيخ الأزهر واتهام النظام بتدبير خطة لعزله ودعوة «لخطة ثقافية تنويرية»

وواصلت الصحف توجيه قدر كبير من الاهتمام إلى فيروس كورونا، بسبب خوف الناس من انتقاله إلى مصر، فأوقفت شركة مصر للطيران رحلاتها للصين، كما واصلت وزيرة الصحة وكبار المسؤولين فيها التأكيد على عدم وجود اشتباه في أي حالة، وأن هناك مراقبة دقيقة لكل القادمين للمطارات والموانئ، والكشف عليهم.
والاهتمام الثاني الأكثر اجتذابا للناس هو نتيجة امتحانات نصف السنة للفصلين الأول والثاني الثانوي. كما اثار الاهتمام قرار الرئيس بالإفراج عن 135 من عناصر جماعة الإخوان المسلمين المحكوم عليهم بعقوبات تبدأ من المؤبد إلى خمس سنوات، ولا نعرف أن كانت هذه الخطوة ستتلوها خطوات أخرى للإفراج عن سياسيين محتجزين على ذمة قضايا، وهو ما يطالب به كثيرون لإنهاء هذه المشكلة. أما عن المقالات والتعليقات، فقد اتجهت غالبيتها إلى موضوع أساسي هو خطة ترامب والمناظرة بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، وإلى ما عندنا..

آخر الهدايا

ونبدأ بأبرز ما نشر عن خطة الرئيس ترامب لحل المشكلة الفلسطينية وقول فاروق جويدة مهاجما الدول العربية وعجزها في «الأهرام»: «اختار الرئيس ترامب التوقيت المناسب لكي يقدم لإسرائيل آخر هداياه التاريخية في خطته للسلام. الرجل على أبواب انتخابات جديدة لكي يبقى في البيت الأبيض فترة رئاسية ثانية، وهو في حاجة إلى أصوات اليهود ودعمهم المالي ولهذا كان حريصا على أن يقدم هذا المشروع الذي يأخذ من الفلسطينيين كل شيء، ولم يقدم لهم أي شيء.
على الجانب الآخر فإن الرئيس ترامب يقدم أيضا فرصة جديدة لكي يبقي نتنياهو في السلطة. لا شك في أن إعلان الخطة في هذا التوقيت يخدم أهداف أمريكا وإسرائيل، لانها جاءت والعالم العربي يعيش أسوأ حالات التفكك والانقسامات، وغياب الرؤى. الدول العربية وصلت إلى درج من الانقسام تجعل من الصعب اتخاذ قرار موحد تجاه الشعب الفلسطيني، المنقسم على نفسه ما بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية وفتح، وهي جبهات أصبح من الصعب أن توحد كلمتها أو تتخذ موقفا يعيد للقضية اهتمام العالم بها».

المواجهة العقلية

أما في «أخبار اليوم» فإن عمرو الخياط كان أميل إلى عدم رفض الخطة، وإنما دراستها، قال: «فلنواجه الواقع المؤلم الذي رسخت فيه إسرائيل تواجد دولتها، بينما تتمدد مستوطناتها يوميا على حساب الأرض الفلسطينية، وتحتل اللافتات العبرية شوارعها، لتطمس هويتها العمرانية والاجتماعية.
فلنواجه الحقيقة مواجهة عقلية بعيدة عن المشاعر والشعارات والمزايدات، لنتأكد أن أي فرصة للتفاوض هي فرصة لتوحد عربي، من أجل وضع تصور لإعادة إحياء القضية، بعد أن ظلت سنوات كالمُعَلَّقة، فلا إمساك دبلوماسي بالمعروف ولا تسريح بإحسان، بل مزايدات من أجل مواقف سياسية محلية، ومن أجل أرصدة بنكية، وسط المزايدات لا تحيد مصر عن تحويل أي بارقة أمل إلى منهج عمل، يحقق مصالح الفلسطينيين، ويحفظ حقهم في دولة آمنة. وسط المزايدات لا تخطو مصر خطوة واحدة إلا وراء الإرادة الفلسطينية الكاملة التي تؤمن مصر أنها لن تتحقق إلا بالمواجهة المباشرة بين طرفي الصراع، بدون تدخلات إقليمية تعلي مصالحها على مصالح الشعب الفلسطيني، ثم تقدم له المعونات من منطلق الصدقة السياسية».

العقيدة

وفي «الوطن» تعجب الدكتور محمود خليل من استخدام إسرائيل وأمريكا الدين لتبرير قيام إسرائيل، وتوسعها، وإنكاره على العرب وقال تحت عنوان «جنسية الاسرائيلي عقيدته»: «توقفت كثيراً أمام العبارات التوراتية، التي وردت على لسان كل من ترامب ونتنياهو، أثناء مؤتمر استعراض القوة، الذي عرضا فيه الخطوط العريضة لخطة ترامب للسلام. العبارات كلها تؤكد فكرة «يهودية الدولة الإسرائيلية». المضحك في هذه العبارة أنها لا تختلف كثيراً عن العبارة التي نحتها سيد قطب، والتي تقول «جنسية المسلم عقيدته» كلتا العبارتين تجعل من الدين أساساً للجنسية، وتتجاوز مفهوم الدولة الوطنية إلى الدولة الدينية. السمت الديني كان غالباً منذ اللحظات الأولى التي احتل فيها الصهاينة أرض الفلسطينيين، وأقاموا لأنفسهم دولة عليها أطلقوا عليها اسم أحد الأنبياء «إسرائيل»، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام. في المؤتمر الأخير الذي احتضنه الأزهر الشريف حول تجديد الخطاب الديني، استخدم فضيلة الإمام أحمد الطيب عبارة لافتة، في سياق وصف مسألة تسخير الدين لحساب الدولة، وهي عبارة «اختطاف الدين لحساب السياسة»، وبشجاعة واضحة استدل على ما يذهب إليه بما فعلته إسرائيل، التي تستند في تبرير سياساتها في اغتصاب الأرض وبناء دولتها، إلى مقولات توراتية. كلا الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، يطلب مستحيلاً، إنهم يريدون من العرب فصل الدين عن السياسة ومحاربة الجماعات المتشددة التي تمحور جنسية المسلم في عقيدته في وقت يؤسسون فيه سياستهم على أساس ديني قُح».

لن يخسروا شيئا

وإلى الوفد وإسلام الشافعي الذي حذر من قيام إسرائيل باغتيال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بسبب رفضه «صفقة القرن» قال: «ماذا سيخسر الفلسطينيون، إن قبلوا خرافات ترامب، خسروا كل شيء، بدون أدنى مقابل، وإن رفضوها حافظوا على قضيتهم وعلّموا الصهاينة أن للأرض ثمناً. على الفلسطينيين التحرك دبلوماسياً ليس لرفض الخطة المشبوهة، لكن لشجبها واستنكارها، فما زال في الأمم المتحدة بعض الذكور والضمائر الحية .أتوقع عملية اغتيال أو أكثر للقيادات الفلسطينية، وفي مقدمتهم أبومازن. سيسعى الصهاينة وأتباعهم للتخلص من الرافضين كالعادة، سيسعون لتنصيب الخونة لاستكمال مخططاتهم، وأعتقد أنه آن الأوان أن يتحرك الفلسطينيون جميعاً كرجل واحد لتحرير أرضهم، أو الموت دونها. نعم يمكنهم ذلك رغم كل حسابات الجبناء وإن لم ينجحوا في ذلك فأقل القليل سيجبرون خدام الصهيونية على التفاوض معهم بصورة أكثر تهذباً، وأكثر احتراماً، وبالمناسبة هل كان حضور 3 سفراء عرب تلك المهزلة تمثيلاً لبلادهم أم نيابة عن دول أخرى؟».

التمسك بالثوابت

وفي «المصري اليوم» هاجم محمد السيد صالح بيان وزارة الخارجية، الذي دعا إلى عدم رفض الصفقة قبل معرفة تفاصيلها ودراستها، وطالب مصر برفضها والتمسك بثوابتها التاريخية نحو قضية فلسطين وقال عنها: «في المراحل الانتقالية مثل التي نعيشها حاليا، علينا ألا نركز في التفاصيل الصغيرة العابرة، ونتمسك بالثوابت، ننتظر لحين استرداد عوامل قوتنا الحقيقية، وعدم الإقدام على الأخطاء العظمى. موقف مصر من صفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلى جواره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه بيني غانتس على المحك، ليس المطلوب موقفا حماسيا أو ثوريا يدغدغ المشاعر الوطنية حاليا، إنما موقف واضح المعالم لا لبس فيه، موقف يتقدم خطوة للأمام ويستند إلى الثوابت المصرية بخصوص قيام دولة فلسطينية مستقلة، كاملة السيادة على حدود 1967، وفقا لقرارات الأمم المتحدة، على أن تكون عاصمتها القدس الشرقية، هذا هو الحد الأدنى الذي من الممكن أن يرضى به المصريون حاليا. من هذا المنطلق لم يعجبني بيان الخارجية حول «الصفقة» لم يأت على الثوابت المصرية هذه، لم يحدد أي دور إيجابي لنا، حاليا أو مستقبلا، في رفض الصفقة التي تنهي واقعيا القضية الفلسطينية. إن قدر مصر، قيادة وشعبا، هو الالتصاق بفلسطين ومقدساتها المسيحية والإسلامية، قديما وحديثا. كل الزعماء فهموا هذه الإشكالية الاستراتيجية جيدا فلم يبخلوا بحماية فلسطين، انطلاقا من مصالح تتعلق بتأمين مصر وحدودها، أو لدوافع قومية أو دينية. عندما كانت تستقر الأحوال في الممالك الصليبية، إبان الحملات الأوروبية الشهيرة، كانوا يزحفون برا لاحتلال مصر عبر سيناء أو بحرا انطلاقا من دمياط، معظمنا لم تمر عليه هذه المعلومات إلا في سطور عابرة في المناهج الدراسية. السلوك نفسه تكرره إسرائيل معنا، ومع كل الدول العربية المحيطة بها، ليس الهدف هو ابتلاع فلسطين فقط وتشريد شعبها، إنما التمدد والهيمنة وإضعاف العالم العربي، بتخطيط ومشاركة من الولايات المتحدة، ينبغي أن لا تزعجنا المواقف المتهافتة لبعض العواصم، تجاه صفقة القرن وحماسهم للترويج لها أكثر من التجمعات الصهيونية البارزة».

على المقاس

«يتوقف مجدي سرحان في «الوفد»، أمام ما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب بشأن «خطة السلام الأمريكية»، والدعوة التي وجهها من أجل أن يكون هناك تفاوض مباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفقًا للقانون الدولي.. على أساس متكافئ يأخذ في الاعتبار تطلعات الطرفين.. كبديل عن الخطة الأمريكية التي يبدو أن الإسرائيليين يفهمونها على أنها منحة من واشنطن لهم.. بعد أن جرى وضعها بالتشاور مع الطرف الإسرائيلي وحده، وهو ما أكده أيضا الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمته خلال الجلسة نفسها، عندما قال إن «ترامب أرسل لي الصفقة لكي أقرأها بعد الإعلان عنها وكأنني غير معني بها». نتوقف ونسأل: على أي شيء سيتفاوض الفلسطينيون مع الإسرائيليين تحت الرعاية المطلقة من الجانب الأمريكي، الذي هو نفسه صانع هذه الخطة.. والذي قام بتفصيلها على المقاس الإسرائيلي بدون أي اعتبار لتطلعات الفلسطينيين؟ ثم إذا قبل الفلسطينيون بمبدأ التفاوض على الخطة، فعلي أي تفاصيل سيتفاوضون بعد ما اتضح من وجود «تناقضات مقصودة» أو بالأصح «تلاعبات» في التفاصيل الدقيقة للخطة من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي؟ فيما يتعلق بعاصمة الدولة الفلسطينية.. هل سيتفاوض الفلسطينيون على ما سبق أن أعلنه مسؤول في البيت الأبيض بأن خطة ترامب تطرح قيام عاصمة فلسطينية في «القدس الشرقية»؟ أم يتفاوضون على ما قاله ترامب في مؤتمره لإعلان الخطة من أنها تتضمن إقامة عاصمة للفلسطينيين «شرق القدس»، أي في المناطق القريبة من القدس وليست في القدس نفسها.. وتحديدًا في قرية «أبو ديس» الواقعة في الضفة الغربية إلى الشرق مباشرة من الحدود البلدية الإسرائيلية لمدينة القدس، بما يعني تفريطهم الكامل في القدس الشرقية التي يتمسكون بها عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية، وفي قلبها المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف.. ومن خلفهم ملايين العرب والمسلمين؟ أيضًا ما الذي سيتفاوض عليه الفلسطينيون بشأن الضفة الغربية المحتلة؟ هل يتفاوضون على ما كشفه مسؤولون أمريكيون من أن ترامب سيقبل بقيام إسرائيل «بضم» أراض في الضفة الغربية المحتلة؟ أم يتفاوضون على ما يتحدث عنه الإسرائيليون أنفسهم حول «تطبيق القانون الإسرائيلي» في المستوطنات اليهودية، أو في مناطق أخرى من الضفة الغربية، خاصة أن الجانب الإسرائيلي يقول: إن مصطلح الضم يسري على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها من دولة ذات سيادة، في حين أن الضفة الغربية كانت في السابق تحت سيطرة الأردن لا الفلسطينيين؟ وعلى أي شيء سيتفاوض الفلسطينيون في ما يتعلق بالنشاط الاستيطاني الإسرائيلي؟ فقد تعهد ترامب وهو يعلن خطته بفرض «تجميد على الأرض» لمدة أربع سنوات في إطار المساعي الرامية لتشجيع الفلسطينيين على استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل.. بينما يقلل الإسرائيليون من شأن أي احتمال لموافقتهم على تجميد النشاط الاستيطاني، نظرًا لأن قرارات تجميد مماثلة صدرت في السابق وأثارت غضب المستوطنين؟ وهو ما أكده مسؤول إسرائيلي في تصريح لإحدى وكالات الأنباء العالمية قائلا: إنه «لا يوجد تجميد» بشكل قاطع، وإن ما سيحدث هو «استمرار للتوقف الحالي في النشاط حول مجموعة من المستوطنات في مناطق لا تنوي إسرائيل أن تعلن فرض الولاية القانونية الرسمية عليها». قالها أبو مازن أمس: «إن واشنطن لم تقدم أي شيء للقضية الفلسطينية حتى الآن».. وإنه لم يف بأي وعود قطعها على نفسه للجانب الفلسطيني في أي مفاوضات رعاها، أو لقاءات عقدها معهم.. ولذلك فإن الفلسطينيين لن يقبلوا التفاوض مع الإسرائيليين بعد اليوم تحت رعاية ترامب، خاصة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أعلن أمام الجامعة العربية عن قطع كل العلاقات الفلسطينية بما فيها «الأمنية» مع واشنطن وسلطات الاحتلال. وهذا يؤكد أن الخطة التي تطرحها الولايات المتحدة الآن لن تكون هي الحل للقضية الفلسطينية، خاصة في ظل انسياق ترامب الكامل لرغبات الإسرائيليين وحدهم.. وانحيازه المطلق لهم.. واتباعه لسياسة فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين.. على حساب حقوقهم التاريخية المشروعة في إعلان دولتهم الحرة المستقلة كاملة السيادة والمتواصلة جغرافيًا على أرضهم، داخل حدود 4 يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.. وعلى أساس حل الدولتين ووفقًا لقرارات الأمم المتحدة والمرجعيات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية المطروحة في قمة بيروت العربية عام 2002.»

كاريكاتير

أما الرسام إسلام في «الوطن» فشاهد ترامب ممسكا بحمامة ترمز للسلام ويقول لمساعده: إدبحوها واحشوها فريك عشان هتعشى بيها أنا ومستر نتنياهو.

الاستنفار غير المبرر

واصلت مجلة «روز اليوسف» هجومها على شيخ الأزهر موجهة إليه اتهامات غريبة وخطيرة بانه يتحرك كزعيم شعبي، متجاوزا دور الدولة، في تحقيق قام به حسام سعداوي قال فيه: «هل الشيخ أحمد الطيب لا يكتفي بسلطته الدينية، ويسعى لكسب زعامة شعبية وسياسية؟ هناك مجموعة من الملاحظات حول تفاصيل ما جرى في المؤتمر الأخير، وجد الإمام الطيب في وقوف الدكتور الخشت أمامه فرصة لن تتكرر، فراح يجعل منه لوحة نيشان يصوب إليها كل ما في جعبته من ردود على من يطالبون بتجديد الخطاب الديني وغيرهم أيضا، فطفق يهاجم أهل الصحافة والإعلام، بوصفهم ليسوا أهل اختصاص. كما هاجم العلمانيين والحداثيين والمتطرفين والملحدين، ولم يسلم حتى أهل السياسة من تلميحاته، عندما تحدث عن عجز المجتمع عن صناعة كاوتش السيارة، وقال يحكمنا الآن ترامب ونتنياهو، وتعثر في تذكر اسم الأخير، وهي تلميحات أقرب للشعبوية وتنطوي على قدر كبير من المبالغة في جلد الذات، عكست لغة جسد فضيلة الإمام حالة من الانفعال تفوق ما يليق بمقام المنصب الرفيع، وما يستوجبه الموقف ذاته، فالمؤتمر عنوانه «تجديد الخطاب الديني» والمتحدث الخشت أستاذ فلسفة الأديان، ورئيس جامعة القاهرة، وعلاوة على ذلك هو عضو في مركز الحوار في المشيخة، وهو ما أوقع الرجل في حالة من الدهشة، فأخذ يتساءل عن حالة الاستنفار غير المبررة ضده، لماذا يكال لي الهجوم بسبب ما لم أقله؟ ولماذا يرد عليّ في حالتي الاتفاق والاختلاف معكم؟ لجأ شيخ الأزهر إلى مغالطة منطقية واضحة، عندما قال للدكتور الخشت ما مضمونه كتابك هذا لم أقرأه، فإن كان ما فيه حقيقة مطلقة، فقد سقط ما تدعو إليه، وإن كان مشكوك فيه فلا تأتيني به حتى تتأكد منه، والحقيقة أن نقيض المطلق هو النسبي، ولا يمكن لبشر أن يقول إن ما كتبه حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. يتحرك فضيلة الإمام في كثير إن لم يكن كل المواقف من منطلق أنه قائد المسلمين حول العالم، متجاوزا بذلك حقيقة ثابتة وهي أن الأزهر مؤسسة تابعة للدولة المصرية، وإن كانت تدرس العلوم الشرعية للطلبة من مختلف دول العالم، فإن ذلك يجب أن يظل إضافة للقوة الناعمة للدولة المصرية لا خصما منها بخلق صدام وهمي بين المؤسسات».

تنوير المجتمع

وفي «أخبار اليوم» ناقش جلال عارف قضية تجديد الفكر الديني وربطها بوضع خطة ثقافية لنشر التنوير في المجتمع وقال: «لابد أن ندرك أن هذا الإصلاح المنشود، لابد أن يكون جزءا من نهضة ثقافية شاملة، تطلق كل طاقات الإبداع في كل المجالات وتعلي من شأن العقل بديلا للنقل، وتؤسس للدولة المدنية الحديثة والمتقدمة التي تقوم على العلم والعمل واحترام الحريات. ينبغي أن أن نفتح الشرايين الثقافية المغلقة، وأن نجدد دماءها، أن نوفر المناخ الذي يحض على الفكر والإبداع أن نحترم العلم ونرعى الاجتهاد، أن نستعيد الحيوية الثقافية التي افتقدناها كثيرا، أن نعيد تنظيم مؤسساتنا في إطار مشروع وطني جامع، عندها سيكون الإصلاح الديني واقعا يفرض نفسه، وسيكون جزءا من إصلاح شامل، ومن نهضة تفجر أفضل ما فينا في كل المجالات، ساعتها لن نجد من يشغلنا بمعارك الأقدمين، ولا من ينشر الإرهاب باسم الدين الحنيف، ولا من يسيء لأعظم الرسالات السماوية، حين يتركها بيد الجهلة أو المغرضين. القضية ليست الخطاب بل الفكر والإصلاح سيتم عندما يكون قضية لمجتمع ومسؤولية كل المثقفين».

الامبراطورية

وفي «المصري اليوم» انتقد صلاح دياب، الذي يوقع باسم نيوتن الأزهر، لأنه لا يقبل في معاهده الدينية طلابا مسيحيين، رغم أن مدارس الإرساليات المسيحية تقبل المسلمين وقال:
«أتعاطف تمامًا مع شيخ الأزهر، فالأزهر يهيمن على إمبراطورية كاملة، نريد مثلا واحدا في التاريخ يدلنا على من تخلى عن امبراطوريته طوعًا، بالطبع لا يوجد، لذلك فإن نطلب من شيخ الأزهر تطوير الخطاب الديني، بما يعني اعتراضنا على ما يقدمه الأزهر، هو فكرة رومانسية لا تتناسب مع الطبيعة البشرية. طلبنا إليه قد ينتهي بتحويل المعاهد الأزهرية التي تتجاوز الخمسة عشر ألف معهد، إلى التعليم العام، قد ينتهي بالسماح لمن هم ليسوا على دين الإسلام بالدراسة داخل هذه المعاهد، مثل كل المدارس والمعاهد الإرسالية الموجودة حول العالم، كل هذه خسائر مباشرة لتلك الإمبراطورية الممتدة. المطالبة بأن تأتي هذه التنازلات كلها من داخل مؤسسة الأزهر شيء يخالف طبيعة الإنسان، فلماذا نستغرب مواقف التشدد من طرف الأزهر؟ الحقيقة أنه تشدد مبرر مفهومة دوافعه الطبيعية».

التدبير الحكومي

لكن أهم ما نشر كان في «الشروق» ومن نصيب خالد سيد أحمد لأنه اختصر الطريق واتهم النظام بأنه دبر هذه الحملة ضد الأزهر، وهو ما أدركه شيخ الأزهر ولهذا كان حادا في الرد على الدكتور محمد الخشت وقال خالد: «كلام الإمام الذي رآه البعض «حادا» لم يتعلق فقط برأي مخالف للدكتور الخشت، في مجال تفسير ونقد التراث، وبناء خطاب ديني عصري، لكنه كان في الأساس تعبيرا عن غضب متراكم لدى الإمام من محاولات كثيرة لجر الأزهر إلى مناطق مخالفة لثوابته، والضغط عليه إعلاميا في كل حدث لمسايرة الركب، وتنفيذ ما يطلب منه. هذا الأمر تدعمه الجملة التي بدأ بها الإمام تعليقه على حديث الخشت عندما قال: «ربما لا يعلم الكثيرون ما بيني وبين رئيس جامعة القاهرة من مناوشات علمية، ومعرفة قديمة». نقول إنه غضب متراكم جراء ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدا كلما وقعت حوادث إرهابية غادرة طالت أماكن كثيرة في هذا الوطن، أو دعوة السلطة للأزهر من أجل تجديد الخطاب الديني؛ حيث نجد الكثير من وسائل الإعلام المقروءة لا تخلو من موضوعات وقصص وحكايات على شاكلة «تضليل شيخ الأزهر» و«المشيخة تسير على نهج التنظيم الإرهابي في حربه ضد الدولة»، فيما تعج برامج التوك شو الليلية بانتقادات لاذعة للمناهج التي يتم تدريسها في الأزهر، والادعاء بأنها تساهم في «تخريج إرهابيين»، فضلا عن التطاول على شخصية شيخ الأزهر، إلى درجة اتهامه بـ«السلبية» ومطالبته بالتنحي وترك منصبه طالما لا يستطيع أن ينفذ «المطلوب منه»، لمواجهة الإرهاب. الأزهر من جانبه دافع عن نفسه مرارا في وجه هذه العواصف التي تهب بين فترة وأخرى، ودائما ما تقول هيئة كبار العلماء برئاسة الطيب إنه: «من التدليس الفاضح، وتزييف وعي الناس وخيانة الموروث، تشويه مناهج الأزهر واتهامها بأنها تفرخ الإرهابيين، والحقيقة التي يتنكر لها أعداء الأزهر، بل أعداء الإسلام، هي أن مناهج الأزهر اليوم هي نفسها مناهج الأمس، التي خرّجت رواد النهضة المصرية ونهضة العالم الإسلامي». شيخ الأزهر بالتأكيد ليس شخصية مقدسة كي لا تتعرض للنقد، لكن ما حدث خلال السنوات الماضية وأخرج الإمام عن هدوئه المعهود في مؤتمر تجديد الخطاب الإسلامي الأخير، لم يكن نقدا بريئا مباحا، وإنما هجوم كاسح منسق يستهدف مؤسسة الأزهر الشريف وشيخه، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تقف وراءها، خصوصا أنها تتجاوز يوما بعد يوم «الخطوط الحمر». لا أحد يستطيع المجادلة في ضرورة تجديد الخطاب الديني، بل نعتبرها «فرض عين» على جميع علماء المسلمين في كل وقت وكل زمان، حتى نضخ دماء جديدة في شرايين هذا الدين، ونمنحه حيوية دائمة تتلاءم وتتواكب مع مقتضيات العصر الذي يعيش فيه، لكن الحملات الإعلامية التي تستهدف الأزهر وشيخه، لن تؤدي إلى ذلك، بل ستستفيد منها جماعات الإرهاب والتطرف والتشدد، التي ستستغل فرصة تعرض أكبر مؤسسة سنية في العالم الإسلامي للانتقادات والهجمات الإعلامية للتوسع والانتشار، واكتساب أرضية أكثر على حسابها بين أوساط الشباب الحائر الذي يبحث عن يقين».

خطأ كبير

أما سليمان جودة في «المصري اليوم» فيقول: «إذا صح أن هناك ضغوطًا على الإمام الأكبر ليستقيل، فسوف تكون استقالته خطأً كبيرًا لن ندرك حجمه إلا لاحقًا، وسوف ينال ذلك من وزن المؤسسة الكبرى، التي يجلس الرجل على قمتها، وسوف تخسر مصر في عالمها الإسلامي ولا تكسب، على العكس مما يتصور الذين يرون في استقالته حلًا من الحلول.. وحتى لا يقال الكلام في المطلق، فإن علينا في هذا السياق أن نتذكر أربعة أشياء، ربما تضيء الطريق أمام الجميع. الشيء الأول أن الدكتور أحمد الطيب، كان في القلب من الصورة التي وقف فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وقتها، يوجه كلماته إلى المصريين يوم 3 يوليو/تموز 2013، ففي ذلك اليوم لم تكن أنصاف الحلول تسعف أصحابها، ولم يكن الدكتور الطيب ممن يؤمنون بها، ولذلك كان موقفه واضحًا، ثم أن لنا أن نتخيل العكس، أي أن يكون البديل هو غيابه عن الحضور في عمق تلك الصورة. والشيء الثاني أن الجماعة الإخوانية كانت خلال عام لها في الحكم، تفكر طول الوقت في طريقة تُقصي بها الإمام الأكبر عن مشيخة الأزهر، وقد حاولت هي مرارًا ولم تنجح، وهذه شهادة في رصيده لا بد أن تكون حاضرة في هذه اللحظة وفي كل لحظة، وسوف تكون مفارقة أن نسعى إلى تحقيق ما فشل فيه الإخوان. والشيء الثالث أن وجود رجل متعلم في باريس على رأس مؤسسة الأزهر، مسألة يجب أن نحرص عليها، لا أن ننسفها.. فالنور الذي يحصل عليه كل عقل ذهب دارسًا في العاصمة الفرنسية، يصاحب الشيخ بالضرورة في الموقع عالي المقام الذي يجلس فيه، ويفيض بالتأكيد في أنحاء المؤسسة التي يديرها. والشيء الرابع، أشعر بأن رفع لافتة التجديد في مواجهة الدكتور الطيب، إنما هو من قبيل الحق الذي يراد به باطل، لأن على كل مَنْ يرفع مثل هذه اللافتة، أن يكشف «على وجه التحديد» عما هو مطلوب من الأزهر في هذه المعركة.. وأنا أضع العبارة بين قوسين، لأن الشيخ تحدى أن تكون في مناهج الأزهر صفحة واحدة تغذي التطرف أو تساعده، ولم يتقدم أحد، وفي يده هذه الصفحة. إنني لا أنتقص من قدر الاجتهاد الذي حاول الدكتور عثمان الخشت تقديمه في مؤتمر الأزهر الأخير، فقد أدى اجتهاده إلى نوع من النقاش الجاد، نحن أحوج الناس إليه.. ولكن هناك فرقًا بين استهداف قضية التجديد كقضية، واستهداف الشيخ نفسه من ورائها. اعتقادي أن قرارات تطوير الأزهر في الستينيات جنت عليه، ويجب أن تكون الآن محل مراجعة موضوعية، وظني أن معاهد ومدارس الأزهر في حاجة إلى الإصلاح من النوع ذاته الذي تحتاجه معاهدنا ومدارسنا غير الأزهرية على السواء، وهذا ما أتمنى لو أن الدولة دعت إلى مؤتمر جاد من أجل إنجازه. يجب أن نفصل بين الشخص وبين الموضوع في هذه القضية وفي كل قضية، لأن هذا هو السبيل المضمون إلى كل نجاح نريده ونحتاجه».

الفتنة الكبرى

تابع أنور الرفاعي في «اليوم السابع» ككل المصريين والعرب والمسلمين جميعا السجال الفكري بين فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة، في مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي، بحضور علماء مسلمين من 46 دولة حول العالم، في الجلسة الأخيرة للمؤتمر التي كانت بعنوان «دور المؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية في تجديد الفكر الإسلامي»، والتي رأى فيها الخشت ضرورة تجديد التراث الديني بما يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث، وهذا لا يتضمن ترميم بناء قديم، بل تأسيس بناء جديد بمفاهيم حديثة للوصول إلى عصر ديني جديد.. بينما أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب على أهمية التراث، الذي خلق أمة كاملة وسمح للمسلمين بالوصول إلى الأندلس والصين، وأن تصوير التراث بأنه يورث الضعف والتراجع مزايدة عليه، وأن التجديد مقولة تراثية وليست حداثية. وكانت المفاجأة أن المتابعين والمهتمين والإعلام والسوشيال ميديا، تركوا المؤتمر وتوصياته وما خلص إليه، إلى إذكاء روح الفتنة بين كلام الأستاذ وتعقيب الإمام، وهذا يدعونا إلى تحديد عدد من الملامح في تلك الأزمة على النحو التالي: أولا.. إن هذه المساجلة وذلك الحوار كان نقاشا علميا مهذبا وراقيا، افتقدناه طويلا حول مسألة تجديد الفكر الإسلامي، وهو الأمر الذي يجعلنا نتحسس كلامنا عندما نؤكد أن هذه المناوشة الفكرية كانت عميقة، بالدرجة التي لم يدركها دعاة الفتنة، الذين انبرت أقلامهم وحناجرهم للهجوم على الإمام من ناحية، أو الأستاذ من جانب آخر. ثانيا.. قبل أن يرد الإمام على مداخلة الأستاذ قال إن الدكتور محمد الخشت يعلم ما بيني وبينه من صداقة وبيننا مناوشات فكرية كبيرة، بينما قال الأستاذ إنه يحترم الأزهر بشدة، ويتفق معه في بعض الأحيان ويختلف معه في أخرى، ما يؤكد على تلك العلاقة الطيبة التي تربطهما والسمو الفكري الذي يجمعهما. ثالثا.. لاحظ المركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام، أن مجتمع السوشيال ميديا انبرى هو الآخر للنيل من رأي الأستاذ، أو الهجوم على رأي الإمام، بدون أن يدرك البعض القيمة الحقيقية العظمى لهذا السجال الفكري، وكأنهم يتحدثون عن أغاني المهرجانات والثقافة المتردية، التي أوصلتنا لحالة الثقافة الضعيفة التي لا تضيف إلى تجديد الخطاب الديني. رابعا.. رغم سمو مداخلة الأستاذ وعبقرية رد الإمام، فإن دعاة الفتنة وجدوها فرصة سانحة لتعميقها، وبيان أن مصر تشهد فتنة كبرى، وأن الأزهر بعالمية رسالته لم يعد قادرا على تطوير نفسه، وهو الأمر الذي ينال من مصر واستقرارها وينال من قوتها الناعمة، وعلى رأسها الأزهر الشريف، الذي سيبقى أبد الدهر منارة دينية وعلمية وثقافية ليس لها نظير. خامسا هذا السجال الفكري يؤكد على أن لدينا من العقول والأفكار التي يمكن أن تتبارى في سمو ورقي افتقدناه طويلا، بعيدا عن تأويل الأمور إلى غير ما تقصد من سمو فهم ورقي عبارات ونبل مواقف. أخيرا.. يدعو المركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام أصحاب الرأي والفكر وأصحاب الرسالة الإعلامية إلى تعظيم هذا الحوار الذي لم نعتده طويلا، وعدم السير في طريق الفتنة التي يمكن أن تنخر في حوارنا الراقي الذي يشير إلى أن مصر فيها من القامات الفكرية التي تنتج دوما علما وفكرا ينير العالم كله».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية