«مولد نجمة» لبرادلي كوبر… ذلك الحزن المبهر الجمال

لندن ـ «القدس العربي»: قصة حب أزلية، بين بزوغ نجم وأفول آخر، إيمان بموهبة واندثار أخرى، حبيبان يواجهان أزمة تقوض حياة أحدهما وتصيب الآخر بجراح وندوب. إنها قصة دافقة المشاعر فياضة الحب والألم، ويبقى سحرها وتبقى سطوتها علينا وتأثرنا بها، رغم أنها طُرحت في هوليوود سابقا، ولكن عمق مشاعرها الإنسانية وصدقها يحفظان عليها أصالتها وتأثيرها. هذا هو ما يطرحه بعذوبة فيلم «مولد نجمة». المعروض حاليا في دور العرض اللندنية، الذي يقدم الأمريكي برادلي كوبر مخرجا للمرة الأولى مع قيامه بدور البطولة، فيلم عميق التأثير على بساطته وسلاسته. هي قصة لا تبلى ولا يعلق بها غبار الزمن، فهي قصة إنسانية في المقام الأول. هي قصة عشق كلاسيكية لبزوغ نجمة آمن بموهبتها نجم في طريقه للأفول، يطارد أشباحه الخاصة وألمه الجسدي والنفسي ويدفع ثمن المجد والشهرة معاقرة للخمر وتجرعا للوحشة والاكتئاب.

نشهد الاثنين في مسيرتهما، هو جاكسون مين (برادلي كوبر)، نجم موسيقى الروك الذي أنهكته الشهرة وأثقلت المتاعب الجسدية والنفسية كاهله. وهي آلي (ليدي غاغا)، النادلة التي تعشق الغناء وتشدو في ناد ليلي بين فينة وأخرى، والتي رغم موهبتها تجد الأبواب موصدة أمامها لأنها لا تتمتع بالسمات الشكلية التي تتطلبها صناعة نجمة، حيث يحول أنفها بينها وبين النجاح، فشركات الإنتاج ترى أنفها كبيرا لا يصلح لنجمة. يشاء القدر أن يلتقيا، حيث تقـــوده الأقـــدار للسهر ذات ليلة في الملهى الذي تغني فيه. إعجاب نجم بموهبة يدرك قيمتها، وإعجاب رجل بامرأة، وهكذا تبدأ قصة الحب والمجد والألم.

قد تدمع أعيننا تأثرا بقصة الحب، أو بأفول نجم جاكسون، ولكنها ليست دموعا مقحمة وليست مشاعر مقحمة على الفيلم. هما عاشقان آمنا ببعضهما البعض يواجه أحدهما أشباحه فلا يقدر عليها.

«مولد نجمة» يحملنا إلى ذرى البهجة والسعادة في شقه الأول، حيث يحلق الحبيبان في سماء العشق، ويقدم النجم الكبير محبوبته التي يؤمن بموهبتها للجمهور، ولكن السعادة لا تدوم، ومع صعود نجم آلي يهبط نجم زوجها وحبيبها جاكسون. تعكس الأغنيات الأجواء النفسية للفيلم، وتقدم لنا الموسيقى وكلمات الأغاني فصول قصة الحب. هي قصة حب يتصدع، يقدمها كوبر وغاغا بحساسية شديدة وأداء صادق مفعم بالمشاعر بدون تكلف أو افتعال. قد تدمع أعيننا تأثرا بقصة الحب، أو بأفول نجم جاكسون، ولكنها ليست دموعا مقحمة وليست مشاعر مقحمة على الفيلم. هما عاشقان آمنا ببعضهما البعض يواجه أحدهما أشباحه فلا يقدر عليها.
يصور الفيلم ثمن الشهرة وألمها، فجاكسون يعاني تدهورا مستمرا في القدرة على السمع، يؤذي صخب الحفلات أذنه، ويؤدي به الألم الجسدي إلى ألم نفسي يفاقمه الروتين، الذي لا يهدأ للحفلات والجولات الموسيقية. يقدم كوبر شخصية النجم والمغني بإتقان كبير. أما ليدي غاغا فهي نجمة الفيلم بلا منازع، نرى في الفيلم مولدها حقا كموهبة في مجال التمثيل. عودتنا غاغا في أغانيها على صوتها العريض القوي، وعلى شخصيتها المسرحية، التي تقدمها للجمهور، لكنها في الفيلم تتجــــرد من قناعها لنراهـــا هشـــة دامعة صادقة، ولنؤمن بموهبتها كممــــثلة وليس مغنية فقط. تأتينا ليدي غاغا في الفيلم متجـــردة من صورتها المصطنعة، متخلية عن قناع زينتها الذي يخفيها، أو ربما يحميها، من الجمهور، لتقدم لنا نفسها بكامل ألقها وهشاشتها وبساطتها في آن.
لها حضور آسر يكـــمله حضور كوبر والتناغم في الأداء والمشاعر بينهما. نرى في الفيلم نجما أرهقته الشهرة وأنهكت روحه، ونرى في المقابل نجمة تبزغ وتتحول من مجرد فتاة ذات صوت جميل وموهبة إلى نجمة عليها اتباع نصائح المروجين وخالقي صورة النجوم لتغدو هي الأخرى نجمة. ترى هل سترهق النجومية أيضا آلي كما أرهقت جاكسون وأزهقت روحه؟ هل يعني مولد النجمة أنها في طريقها إلى الأفول ذات يوم؟ أم هل ستبقى نجمة تفيض علينا بضوئها إلى الأبد؟
في «مولد نجمة» يجتاز كل من كوبر وغاغا تحديا كبيرا، فهما يقدمان نسخة جديدة من فيلم أنتجته هوليوود سابقا في نسخ متعددة، وتضع غاغا نفسها في مقارنة أدائية مع نجمات اضطلعن بدورها في النسخ الأخرى للفيلم، ومن بينهن من يشار إليهن بالبنان مثل جودي غارلاند وباربرا سترايسند. نشاهد الفيلم فنقتنع كل الاقتناع بأداء ليدي غاغا، صوتا وتمثيلا. «مولد نجمة» فيلم شجي بسيط، يكمن تأثيره في بساطته تلك. نغادره ونحن نأسى على قصة الحب الآفلة ونود لو عدنا لمشاهدته مجددا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية