مونولوج سينمائي بين فلسطين والقاهرة على شرف المقاومة

كمال القاضي
حجم الخط
0

لم ينقطع حضور السينما الفلسطينية بالقاهرة، فعلى مدار السنة تتأكد دلالات التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وعادة ما يكون للسينما التسجيلية والروائية القصيرة إسهامها القوي في استطلاع آراء الجمهور المصري حول ما يربطه بالثقافة الفلسطينية في ضوء المشتركات الكثيرة التي تنقلها الصور السينمائية بصدق ولا تحيد فيها عن الحقيقة. ولعل المهرجان الأخير الذي تم افتتاحه بفيلم «عمر» للمخرج محمد نايف وأقيم في سينما الهناجر في دار الأوبرا مُتزامناً مع ذكرى ميلاد الشاعر الكبير محمود درويش، قد حمل في دورته الخامسة عناوين الصمود والتحدي في استشراف واضح للمستقبل الواعد الذي ينتظر المبدعين الفلسطينيين من مختلف المُدن، غزة وجنين وبيت لحم ونابلس والخليل واللد والرملة والناصرة والجليل والقدس وغيرها.
لقد عبرت التجارب الحية لسينما الواقع الفلسطيني المُعاش في المُدن المذكورة عن الإدراك الفطري من جانب الشباب لأهمية الإبداع السينمائي كوسيط مؤثر وداعم لحقوقهم ومطالبهم المشروعة.
وإزاء الإحساس بمسؤوليات السينما تجاه القضايا السياسية والاجتماعية جاء التناول في جميع الأفلام مركزاً بالدرجة الأولى على النقاط الجوهرية المتعلقة بشكل مباشر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي على خلفية الاعتداءات المُتكررة من جانب الصهاينة على كافة القطاعات الفلسطينية وبصفة خاصة قطاع غزة، لا سيما أنه شهد خلال الشهور القليلة الماضية مواجهات عنيفة انتهت بانتصار المقاومة على جحافل العدوان الغاشم الذي لم يُفرق بين طفل وشيخ وامرأة.
وقد سجل فيلم «مونولوجات غزة» للمخرجة إيمان عون تفاصيل الحياة الإنسانية في المدينة الباسلة موضحاً الصورة الأخرى للشعب الغزاوي المُبدع وهي صورة مغايرة للصور الإعلامية المتداولة في نشرات الأخبار، فهناك من آيات الإبداع المسرحي ما يؤكد نهضوية الحركة الفنية وثباتها عند علامات التميز، حيث لم تنل الحرب من ملامحها ولم تطفئ شموع الضوء على خشبة المسرح الوطني بغزة، بل على العكس من ذلك فقد استلهمت التجارب المسرحية للشباب المُبدع أروع صورها الإبداعية من بسالة وعناد المقاومين.
كما أن الفيلم نقل في متن الحكايات والمونولوجات صور وتسجيلات الشباب الذين جسدوا واقعهم بجدارة وهم صغار، ثم كرروا عرضه مرة أخرى كأنه جزء من العمل المسرحي الجديد ليعيدوا للأذهان وقائع الماضي القريب لمن كانوا أطفالاً وصاروا شباباً قادرين على تغيير الواقع القاسي وتحويله إلى مستقبل آمن برغم الحصار والدمار.
الفيلم الذي سجلت مخرجته مُقتطفات من الماضي وضمنتها في رؤيتها الجديدة رصد أيضاً ردود أفعال الشباب الأوروبي من الذين تعاطفوا كثيراً مع سير أقرانهم الفلسطينيين وأعلنوا تضامنهم الكامل والمُطلق معهم حين تم عرض إحدى المسرحيات التي تجسد معاناتهم على مسارح أوروبا، وبطريقة ذكية ومختلفة استطاعت إيمان عون فضح جرائم إسرائيل التي تعمل دائماً على إخفائها بطمس الحقائق وتصدير الأكاذيب.
ومثلما كان فضح الكيان الصهيوني علنياً في فيلم «مونولوجات غزة» عرج المخرج محمد المغني في فيلمه الإنساني «ابن الشوارع» على مأساة طفل صغير يواجه أزمة كبرى جراء عدم الاعتراف به في الأوراق الرسمية كونه لم يُسجل في دفتر المواليد، الأمر الذي حول حياة البريء الصغير إلى جحيم فرأى نفسه كورقة في مهب الريح بلا هوية ولا عنوان، اللهم غير إيمانه بوجوده الإنساني ككائن حي من حقه أن يعيش ويتنفس كسائر الأطفال الطبيعيين المولودين على أرض الوطن وبين حدوده. الرؤية التي قدمها المُغني في سياق إنساني عميق جد متميزة ومؤثرة، فهو لا يتحدث فقط عن بطله الصغير ولكنه يُسقط واقعه على كل مواطن له نفس الظروف، وهو بذلك يُعمم الفكرة ولا يُقصرها على الحالة الدرامية بإطارها الخاص وإنما يضعها كعنوان لحالات مُتعددة تعاني النكران والنفي والجحود.
وفي فيلمه الآخر «منع أمني» يقدم محمد المُغني أيضاً إشكالية الحب المُحاصر بين شاب فلسطيني وفتاة يجمع بينهما رباط عاطفي متين، لكن سلطات الاحتلال تحظر على الحبيبين اللقاءات وتوأد حبهما البريء قبل إتمام الزواج فيتفرق شملهما كافتراق الوطن وانفصال الحدود، وهو تعبير رمزي دال على قسوة الحياة تحت الاحتلال وخلف الأسلاك الشائكة.
ويتميز الفيلم بتلك المسحة الإنسانية والإيقاع الهادئ، ما يعد تغيراً نوعياً مهماً في رسائل السينما الفلسطينية وأفلامها الحديثة التي تقترب من هموم المواطنين بحساسية ودقة وترصد ما في داخل حياتهم من صراعات بعيداً عن الملامح التقليدية لسينما المقاومة، وهذه كانت السمة الغالبة في معظم الأفلام التي تم عرضها في سياق الاحتفال الكرنفالي الذي أقيم تحت رعاية صندوق التنمية الثقافية واستمر لبضعة أيام وتم ختامه بفيلم «استعادة» للمخرج رشيد مشهراوي.
ولم يمنع التركيز على الأفلام الإنسانية من وجود أفلام أخرى جمعت بين الأسلوب الهادئ في عرض القضية وبين خطاب التنديد الصريح بالعدوان في تجسيد واقعي للجرائم اليومية التي تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم بلا أي حراك أو ردة فعل على أي صعيد، فمن أمثلة ذلك الطرح فيلم «ميلاد مر» للمخرج محمد فرحان الكرمي وهو عبارة عن بانوراما تتضمن كل أطياف القهر والاستبداد والغطرسة الإسرائيلية في إطار واحد مُحكم جدير بأن يكون عنواناً قوياً لسينما تقف في وجه العاصفة لتقول كلمتها وتُعلن تحديها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية