باريس ـ “القدس العربي”:
قال موقع ‘‘ميديابارت’’ إن رئيس الوزراء الليبي الجديد عبد الحميد الدبيبة، الذي يشوب تعيينه الفساد حسب تحقيق أممي، طلب في عام 2018 مقابل مليون ونصف المليون يورو، الحصول على خدمات جماعات الضغط والوسطاء الفرنسيين ليصل إلى الرئاسة الليبية، بينما سعت الدبلوماسية الفرنسية وقصر الإليزيه دون جدوى لتكون فاعلة في قلب اللعبة السياسية الليبية.
أوضح الموقع أنه خلال مؤتمرات المنتدى العالمي ‘‘نورماندي من أجل السلام’’ يومي السابع والثامن يونيو/حزيران عام 2018، شارك رئيس منطقة النورماندي إيرفي موران، بالإضافة إلى الوزراء السابقين جان بيار رافارين وأوبار فيدرين والسفير الروسي السابق في فرنسا ألكسندر أورلوف. وتم الانتظار حتى الجولة السادسة من المنتدى العالمي من أجل السلام تحت عنوان ‘‘ما الحلول لدولة ليبية جديدة؟’’ لنشهد دخول عبد الحميد الدبيبة على الخط. بعد مرور أقل من ثلاث سنوات، وفي الخامس فبراير/شباط عام 2021، تم انتخاب من كان متحدثا في ذلك الوقت، والمجهول تقريبًا، رئيسًا لوزراء ليبيا من قبل هيئة مكونة من خمسة وسبعين ليبيًا تحت رعاية الأمم المتحدة التي قادت عملية سلام لا نهاية لها، ودون أن تنجح في إعادة توحيد بلد مزقه عقد من الحروب.
وتابع ‘‘ميديابارت’’ التوضيح أنه بعد ثلاثة أسابيع، تم تسريب تحقيق أممي يشير إلى أن الانتخابات الليبية ملطخة بالفساد، إذ تم دفع رشاوى لثلاثة مشاركين على الأقل تتراوح ما بين 150 ألف دولار و200 ألف دولار مقابل تعهد بالتصويت لصالح عبد الحميد دبيبة. وفي الخامس من فبراير/شباط، عندما تم ترشيح رجل الأعمال بأصوات قليلة لتشكيل حكومة انتقالية في ليبيا، كان بمثابة مفاجأة كبيرة بالنسبة للقوى الغربية، بدءاً من فرنسا التي لم تراهن على رجل الأعمال المخضرم من عهد معمر القذافي.
ومع ذلك، في يونيو/حزيران 2018 لم يخف عبد الحميد دبيبة طموحاته خلال مائدة مستديرة حول بلاده إلى جانب المستشار السابق والوزير الأسبق لجاك شيراك فريديريك دي سان سيرنين، الذي اختار العمل بعدها في مجال العمل الإنساني، كما كانت حاضرة الباحثة المختصة بليبيا ماري فيتزجيرالد. عبر عن حلمه بأن يكون رئيسًا لليبيا لا أكثر ولا أقل وهو يستعد ليكون مرشحًا. من أجل الترويج لصورته دوليًا وكسب التأييد، يستهدف عبد الحميد دبيبة فرنسا بشكل خاص، فهو يعتبرها ضرورية. كما يستهدف طبقتها السياسية وصناع قرارها الاقتصادي، ولم يتردد في توظيف الموارد المالية الكافية لذلك، مليون ونصف المليون يورو عن طريق وساطة معقدة من قطر، اطلعت ميديا بارت على تفاصيل هذه الصفقة.
أوضح الموقع الفرنسي أن رجل الأعمال الذي يترأس إحدى أغنى ثروات مصراتة حصل على خدمات جماعات الضغط والوسطاء الفرنسيين
كما أوضح الموقع الفرنسي أن رجل الأعمال الذي يترأس إحدى أغنى ثروات مصراتة، ثالث أكبر مدينة في ليبيا، ومفترق طرق تجاري بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء، حصل على خدمات جماعات الضغط والوسطاء الفرنسيين. وقالت ‘‘ميديابارت’’ إن عبد الحميد الدبيبة يحلم برئاسة ليبيا في نفس الوقت التي يحلم فيه إيمانويل ماكرون بنفسه كقائد للمصالحة في ليبيا. في 29 مايو 2018، أعلن الرئيس الفرنسي بحماس كبير عن ‘‘اتفاق باريس التاريخي’’ الذي تم خرقه منذ ذلك الحين، بالاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في العاشر من ديسمبر/كانون الأول عام 2018 في ليبيا، بعد أن نجح في الجمع بين الجهات الفاعلة الرئيسية في الأزمة السياسية الليبية في باريس، تحت رعاية الأمم المتحدة.
لكن في الحقيقة جمع جزءا فقط من البلاد المنقسمة بين قطبين للسلطة في الشرق والغرب، ومجموعات من الميليشيات. وإذا لم ينجح نشاط الرئيس الفرنسي في التأثير على الميزان الليبي، فمن المؤكد أنه أعطى على الأقل انطباعًا للطامح الليبي أنه يجب أن يدافع عن قضيته في باريس. وهذا ما سيحاول عبد الحميد دبيبة أن يفعله فيما بعد.
ويقول ‘‘ميديابارت’’ إن الوثائق التي توصلت إليها تظهر أن كلا من ألكسندر ميدفيدوسكي السياسي السابق والموظف الحكومي الكبير الذي تحول إلى العمل ضمن اللوبيات، وأيضا المستشار الدبلوماسي جان كريستوف باس، وقعا على عقدين بقيمة 900 ألف يورو و700 ألف يورو، من أجل أن يقوم الثنائي ببناء وتنسيق فريق يلقي الأضواء على عبد الحميد دبيبة ويجعله معروفًا لدى الطبقة السياسية الفرنسية ولصناع القرار الاقتصادي وللصحافة لتنظيم أجندته خلال سفرياته إلى فرنسا، ويضمن مراجعة صحفية للبيئة الجيوسياسية الليبية، فضلاً عن مراقبة سمعته.
ويوضح ‘‘ميديا بارت’’ أنه اتصل بألكسندر ميدفيدوفسكي، للحصول على تفاصيل أكثر لكن الأخير رفض الحديث عن معالم هذه المهمة، واكتفى بالقول إن مدة عقده لم تتجاوز ثلاثة أشهر دون تفاصيل أوفر، بحجة ما تمليه ‘‘السرية’’ التي تتطلبها طبيعة أنشطته. بدوره، قال جون كريستوف باس إن المهمة لم تدم سوى بضعة أشهر وإن قيمة العقد كانت أقل بكثير من 700 ألف يورو. جان كريستوف باس، الذي اعترف بأنه التقى فعليا مع عبد الحميد الدبيبة في قمة نورماندي للسلام، دحض أي نشاط ‘‘ضغط’’، وزعم أن الدبيبة أراد فقط أن يقدم في فرنسا رؤيته لبلاده، لذلك لا يمكن الحديث إلا عن تدخل إستراتيجي ولا علاقة له بجماعات الضغط.
من جهة أخرى، أكد جان كريستوف باس أنه لم يكن هو من نظم الاجتماع في الجمعية الوطنية في سبتمبر 2018 والذي لم ينظم مع نائب الأغلبية فرانسوا جوليفيه (حزب الجمهورية إلى الأمام الحاكم حاليا في فرنسا)، وهو رئيس مجموعة الدراسة الدولية حول ليبيا. لكن جان كريستوف باس لمح إلى إمكانية ضلوع المؤسسة المختصة في التأثير على الإنترنت ومقرها تونس ‘‘أو- ريبوتاسيون’’، وأن تكون قد تدخلت لمساعدة عبد الحميد الدبيبة.
هذه الشركة السرية التي يرأسها الفرنسي من أصول تونسية التونسي لطفي بلحاج بمهمات اتصالات هجومية لصالح شركات فرنسية من تونس. من بين زبائنها الفرنسيين الأكثر شهرة: نجد فريق كرة القدم باريس سان جيرمان أو الداعية الإسلامي المتهم بالاغتصاب طارق رمضان. وأيضا على المستوى الدولي وقعت المؤسسة عقود تعاون مع الرئاسة في التوغو وساحل العاج كما أشار إلى ذلك موقع ‘‘أفريكا إنتليجنس’’، وعرف نشاط الشركة ازدهارا كبيرا في ربيع 2020 وأدى إلى عملية واسعة لإغلاق صفحات على موقع فيسبوك. لكن فجأة علقت المؤسسة تعاملها مع أحمد الدبيبة، فهل انتبهت المؤسسات الفرنسية مسبقا عام 2018 إلى أن عبد الحميد دبيبة سيكون فاعلا مهما في الملف الليبي؟
ويوضح ‘‘ميديابارت’’ أنه عندما سألنا قصر الإليزيه كانت الإجابة مقتضبة “نحن على اتصال مع الجميع، على المستوى المناسب. هذا يخص السيد الدبيبة مثل الآخرين’’. نفس الرد جاء من وزارة الخارجية التي قالت: ‘‘فرنسا تقيم اتصالات دائمة مع جميع الجهات الليبية، من بينهم السيد عبد الحميد الدبيبة، الذي كان أحد معارفنا المنتظمين لفترة طويلة. وتابعت الوزارة أن الخارجية الفرنسية استقبلت عبد الحميد الدبيبة في باريس عام 2018’’. ولئن بدا أن المستشارين وأعضاء جماعات الضغط قد تقدموا بخطوة على الدبلوماسية الفرنسية والإليزيه، فذلك لأن باريس – التي تتحمل مسؤولية كبيرة في المستنقع الليبي منذ الحرب المرتجلة من قبل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في 2011 – تتقدم بدون معايير أو نفوذ في ليبيا.
لم تكن فرنسا تتوقع أن ترى عبد الحميد الدبيبة رئيس الوزراء المؤقت، هذا العضو من عائلة الدبيبة القوية من مصراتة، الذي عزز ثروته في ظل ديكتاتورية نظام معمر القذافي من خلال قيادة الشركة الليبية للاستثمار والتنمية المملوكة للدولة.
وهو مقرب من سيف الإسلام، نجل الدكتاتور السابق الذي طرد بعد 42 عامًا في السلطة، والذي أدار برامج البنية التحتية الرئيسية، واقترب عبد الحميد دبيبة من الدائرة المحيطة برجال القذافي الذين يتمتعون بالثقة ويشتهرون بالفساد، وأصبح من أنجح رجال الأعمال في مصراتة. ومع ذلك، فهو أقل نفوذاً من والديه وزوج أخته علي الدبيبة.
ويخلص ‘‘ميديابارت’’ إلى القول إن المستجدات المحفوفة بالمخاطر في ليبيا تخفي بشكل سيئ واقعا مريرا، وهو أنه بعد عشر سنوات من التدخل الغربي في ليبيا، تبدو فرنسا وكأنها تحلق خارج السرب، وأن عالم الوسطاء ما يزال يتقدم بخطوة على الدبلوماسية الفرنسية.