برلين ـ من : في فيلم ‘ميديكوس’، الطبيب، الذي اخرجه فليب شتولتسلس كأكبر انتاج الماني لحد الان بتكلفة ستة وعشرين مليون يورو، يقول ابن سينا لطلبته على لسان الممثل الانكليزي من اصل هنري بن كنكسلي: ‘إننا لا نعالج هنا الامراض … وإنما نعالج هنا المرضى’. الفيلم تم تصويره السنة الماضية في كل من المانيا، مصر والمغرب نقلا عن رواية الكاتب الامريكي نوح كوردن، والتي ظهرت سنة 1986 بنفس العنوان وهي الجزء الاول من ثلاثية تاريخية، الطبيب، العراف واليهودي الاخير، وهي روايات تهتم بتطورالطب في حقبة اوروبا القرون الوسطى. فقد ترجمت كتب كوردن، الذي ولد سنة 1926 في مدينة ورسستر في ولاية ماساتشوستر الامريكية ودرس الطب قبل ان يصبح صحافيا طبيا ثم كاتبا، الى 42 لغة غير ان رواية الطبيب عرفت اكثر من اخواتها (العراف صدرت سنة 1992 واليهودي الاخير سنة 2000)، اقبالا كبيرا خاصة في اوروبا افضل مما عرفته في الولايات المتحدة الامريكية. ففي المانيا وحدها بلغت مبيعات الترجمة الالمانية لرواية الطبيب اكثر من ستة ملايين نسخة. وهذا ما جعلها تعرف طريقها الى الانتاج السينمائي في المانيا وليس في هوليوود. فقبل ‘هاري بوتر’ او ‘الاعمدة والبوابات’ للكاتب الانكليزي كين فولتز احرزت الرواية في وسط الثمانينات على شعبية كبيرة بحيث لم يكن يخلو تقريبا رف بيت للكتب في المانيا (الغربية انذاك) من رواية كوردن الطبيب وفي معرض مدريد للكتاب سنة 1999 تم ادراج الرواية ضمن احد احب الكتب العشرة على مدى التاريخ.
فما ان عرض فيلم الطبيب في قاعات السينما الالمانية حتى كتب عدد من الصحافيين الالمانيين حول الفيلم ومن بينهم ركينا رولاند، التي كتبت مقالا تحت عنوان: ‘الطريق الطويل من اكثر المبيعات في العالم الى الفيلم’، نقلت فيه تصريح مخرج الفيلم شتولتسلس، الذي يقول: ‘الامر هنا يتعلق بالدين والصداقة بين الاديان’. فعلى ما يبدو فقد اثر هذا المقال، الذي ترجم الى اللغة العربية تحت عنوان ‘الطبيب، فيلم ألماني عن العصر الذهبي في الشرق’ بشكل كبير على ثلة من الكتاب العرب المقيمين في المانيا او حتى خارجها حيث تم نقل مقالها المترجم بحماس حرفيا او بعض اجزائه الى عدد من المواقع والصحف العربية بعدة عناوين منها مثلا ‘الفيلم، الذي يظهر دور العرب والمسلمين في تطور الطب في وقت الظلمات في اوروبا’، دون الالتفات الى الخلفيات العدائية في الفيلم للحضارة الاسلامية، (العرب لا ذكر لهم في الفيلم تماما) واعلانه عن اندحار هذه الحضارة وبداية قوة حضارية جديدة. إننا نلاقي في جل التعليقات العربية حماسة وفي غالب الاحيان سذاجة وصبيانية حول فيلم يبدو لنا انه يمدح الشرق ونرى فيه عزاء ورد اعتبار لماض تولى، غير ان فيلم الطبيب لا يمارس هنا التقية في تهجين الثقافة الشرقية الاسلامية فحسب، بل يصرح به علنا من خلال اسلوب المقابلات الفنية والفكرية، التي اعتمدها الفيلم.
اليهود مفتاح الحضارة
لقد بدل كل من المخرج فليب شتولتسلس وكاتب السيناريو يان بيركا جهدهما لتحويل كتاب الطبيب من صيغته الرواية، بحجم 900 صفحة الى صيغة سينمائية بطول 155 دقيقة معتمدين في عملهما على ركائز النجاح الهوليودية ‘التشويق، الحركة، (المشاهد القتالية) وقصة حب’، كما حددها المخرج والمنتج وكاتب السيناريو الامريكي إدوارد تسفيك. فاحداث الفيلم تجري في الربع الاول من القرن الحادي عشر الملادي، حيث يترعرع لندن الطفل جرمي كول في ظروف جد قاسية وفي مجتمع لم يبق فيه من الموروث الطبي الاغريقي شيء غير مشعوذين وقساوسة قساة يحيلون كل الحالات المرضية الى مشيئة الرب. بعد ان يفقد كول أمه يعمل كيتيم عند مشعوذ (الممثل السويدي شتيلان سكاسكارد)، الذي يداوي كل الامراض من خلع الاضراس حتى بتر الاعضاء، يتعلم منه الصنعة على امل ان يساعد البشر في المستقبل. حين يصاب معلمه المشعوذ يقوده كول (الممثل الانكليزي توم باين)، الذي يملك منذ طفولته موهبة الشعور بحلول الموت في جسد المريض وذلك من خلال وضع يده على جسمه، الى طبيب يهودي يعيد للمعلم بصره عن طريق عملية جراحية. هنا يتزايد اهتمام الشاب كول بالطب الحقيقي وفي نفس الوقت يتعرف اثناء اجراء العملية لمعلمه على عادات وتقاليد اليهود، كما يرغب في ان يصبح تلميذا للطبيب اليهودي، الذي يرفض قبوله تلميذا لان الكنيسة لا تسمح لليهود بتعليم المسيحيين. الطبيب اليهودي يحكي لكول عن مدرسة الطب حيث تعلم هو شخصيا على يد اكبر الحكماء ابن سينا في مدينة اصفهان. وحيث ان كول، كما قال له الطبيب اليهودي، لا يسمح بالتعلم هناك الا لليهود: ‘انكم تعبدون الها خاطئا’. هكذا فقد قرر كول، انتحال شخصية يهودي اسمه ياسر بن يامين، وهو تركيب لاسمي طفلين تعرف عليهما اثناء عملية عمى معلمه، احدهما اسمه ياسر والاخر بن يامين، اللذان سألاه ان كان مختونا. والسفر ضمن قافلة الى اصفهان .
الشرق المشتهى
الى حدود هذا الجزء من الرواية يمكن القول وبكثير من التجاوز، ان الفيلم ساير الجزء الاول من رواية الطبيب بشيء من التقارب ومع تغييرات ليست لها تلك الاهمية الكبيرة في التأثيرعلى مضمون او تسلسل احداثها، مثل موت الام مكان موت الابوين معا في الرواية، بقاء معلمه المشعوذ على قيد الحياة بينما يموت في الرواية. فالذي تم التركيز عليه في هذا الجزء من الفيلم هو دور اليهود في النقلة العلمية كواسطة بين العالم المتقدم طبيا الشرق والعالم المتخلف اوروبا، فاليهودي هو الذي اخرج المعرفة الاوروبية، التي يمثلها المشعوذ، من ظلمات العمى، الى نور الابصار وبالتالي الاعتراف لعلم اليهودي الذي كان في البداية يرفضه، وهو ما لم تتناوله الرواية. فإذا كان نوح كوردن يهتم في اعماله بتاريخ الثقافة اليهودية سواء في اوروبا، في مرحلة محاكم التفتيش او في العالم الاسلامي، فالمخرج شتولتسلس عمل ابتداء من الرحلة الى ارض فارس على ابراز هذا الجانب وباسهاب كبير. فبينما يتعرف كول في نص الرواية، ضمن القافلة من بوهيميا (التشيك حاليا) الى القسطنطينية الى الاسكتلندي جيمس كولن وابنته ماري، يحول المخرج شتولتسلس شخصية ماري السكوتلندية الى اليهودية ريبكا، التي في طريقها الى الزواج من رجل يهودي ثري . وبذلك يخلق هنا قصة حب ممنوع بين شاب مسيحي متدين، يخفي مسيحيته وزوجة يهودي مستقبلية، ليمنح الفيلم جانبا رومانسيا ودراميا في ذات الوقت. ففي الوقت، الذي يعرفنا مخرج الفيلم هذه الرحلة على مزيد من عادات اليهود وطقوسهم لا نتعرف من الجانب الاسلامي الا على طقس صلاة في خلفية مشهد الطقوس اليهودية ولكن على مجزرة قام بها السلاجقة حيث قتلوا سكان قلعة وهم في وضع سجودهم وعلى قسوة وعدم انسانية الانسان الشرقي . لقد اهتم المخرج في فيلم الطبيب بتقديم عمل يحمل مواصفات هوليودية المانية تجارية على وهذا على حساب السرد المنطقي، هذا الذي نلقهاه الى حد ما في الرواية، التي هي الاخرى بدورها لا تستند في مجملها على وقائع تاريخية. ففي الوقت الذي يجعل نوح كولدن بطله الانكليزي كول يتعلم الفارسية خلال اقامته في البلقان، يبعث به المخرج فليب شتولتسلس كمعجزة لغوية مباشرة الى اصفهان حيث يدخل في صفوف دروس ابن سينا للطب والفلسفة. فابتداء من رحلة القافلة، التي مثلت الانتقال الفاصل بين اوروبا المعتمة وعالم الشرق المشتهى، المشع بالالوان لكن المظلم سلوكا ومعتقدا، يزج بنا المخرج في مشاهد القواليب الجاهزة للتصورات الغربية الخرافية عن الشرق، قافلة الابل، المرأة المحمولة في الهودج والمصدرة كالبضاعة، الزوابع الرملية، بانوراما الصحارى الممتدة، الالوان الغرائبية.
الصداقة بين الأديان
فمشاهد العتمة، القدرات، الوجوه المشوهة، الفقر، العمراني البدائي والتخلف الحضاري العام، الذي يستهل به الفيلم مشاهد الجزء الاول في لندن القرن الحادي عشر، تقابلها منذ بداية الجزء الثاني من الفيلم، الدخول في العالم الشرقي مجازر وحمامات الدم والتعصب الديني والعنف. فالخلافات، التي يعيشها المشاهد في لندن لا تتعدى كونها مشاجرات شخصية وبأياد خالية بينما في الشرق الصراع الدموي بالسيف والنار حول السلطة، الذي يروج له رجل دين متعصب بسحنات خمينية. لقد وظف المخرج الرواية لاسقاط احداثها على وضع العالم الاسلامي الحالي في التصور الغربي. فهناك تقابل انساني عاطفي يمثله المسيحي كول واليهودية ربيكا، اللذان ينقذان مثلا حياة طفلة نجت من مذبحة السلاجقة بينما المسافرون الاخرون، الذين لا يرون فائدة من انقاذ الطفلة. ففي الوقت الذي يقول فيه المخرج ‘الامر هنا يتعلق … بالصداقة بين الاديان’، فهي صداقة تجمع بين كول والمسيحي وىبيكا اليهودية فقط من جهة اخرى لا يقدم لنا الفيلم مبررا لرفض المجتمع الاسلامي في اصفهان المسيحيين كطلبة الطب. على عكس ذلك فقد اغرق المخرج في مشاهد الثقافة اليهودية سواء في لندن او في مرحلة السفر او في اصفهان باسهاب كبير، من الختان مرورا بطقوس الصلاة والدعاء والاكل الافراح والمآتم، بينما لم يعرض من ثقافة المجتمع الاسلامي في اصفهان، باستثناء مجالس ان سينا العلمية الا مجتمع الطغيان، المجون، العهارة والعربدة نموذجها صديق كول كريم (الممثل النمساوي من اصل تونسي إلياس مبارك) ابن الثري المدلل العربيد الماجن في مقابل اليهود النشطاء.
لقد منح المخرج الحضور الغربي المتمثل في شخص كول ابعادا مصيرية، حيث جعل منه الشخصية المحورية بينما بقيت شخصية ابن سينا ثانوية تقتصر على نقل مبادئ الطب الاغريقي، بينما الابداع والتطور العلمي يمثلها الاوروبيون. فبعد انتشار وباء الطاعون في مدينة اصفهان عن طريق عدوى حملها احد عناصر السلاجقة، لم يتوصل في واقع الامر الى اكتشاف اسباب انتشار هذا الوباء حتى يمكن القضاء عليه لا الطبيب الكبير ابن سينا ولا تلامذته وامنا كول، الذي اكتشف ان المرض يزداد انتشارا عن طريق الجثة الميتة فأمر بإحراقها واحراق الجرذان الحاملة للجرثومة .
الجرأة والانتكاس
فحين تغلب الاطباء على وباء الطاعون يقول لهم الملك وهم ساجدون امامه: ‘ لوكانت الدنيا عادلة لوجب علينا ان ننحني اجلالا لكم ابطال اصفهان، لكن الدنيا ليست كذلك’ . فقصر نظرية ابن سينا الطبية في الفيلم انها تقوم على اساس طبي فحسب وليس علميا جريئا: ‘إننا لا نعالج هنا الامراض، إننا نعاج هنا المرضى’. غير ان كول يضع كل نظريات معلمه بما فيها نظرية الاطباء اليونان محل التساؤل، فهو الوحيد الذي تجرأ على تشريح جثة احد الموتى، حيث كان سيدفع هو ومعلمه حياتهما ثمنا لذلك. غير انه من خلال جرأته هذه استطاع التعرف على حقيقة المرض، الذي اصاب الملك، ولذلك كلفه هذا الاخير باجراء العملية الجراحية، حيث يقول له: ‘الليلة انت الشاه وانا مواطنك’ اما ابن سينا فقد اصبح مساعدا فقط لكول في هذه العملية. وحين نجحت العملية يقول له الملك: ‘بفضلك لن يلحقني ملك الموت فوق الفراش ولكن في ساحة المعركة’.
لقد كان كول هو الوحيد، الذي يجرأ على مخاطبة الملك والرد على اقواله ولسبب شجاعته يحترمه الملك وجعل منه صديقا: ‘حين ستعود الى وطنك، كيف ستختفظ بي في ذاكرتك ايها الانكليزي، صديقا ام طاغية؟’ ‘هما معا’، يجيبه كول. فعبر صداقته مع الملك الطاغية، الذي يهتم بالصيد وقتل الحيوانات اكثر من اهتمامه بموت شعبه بمرض الطاعون، يتمكن الانكليزي كول من انقاذ حياة اليهود، الذين يتعرضون لمجزرة على يد المتطرفين الدينيين، حيث يتم حرق الثوراة والمعبد اليهودي برمته، بل حتى انقاذ حياته وحياة معلمه ابن سينا. لقد تم التركيز هنا على معاناة اليهود عبر العصور في مقابل التطرف الاسلامي وبذلك حول المخرج رواية الطبيب الى اسطورة تنشر ظلالها على الحاضر بخلفياتها الدينية والحضارية. لقد جاء كول من الغرب ليصحح لابن سينا نظريته الطبية وليتعلم منه هذا الاخير وهما في الزنزانة فيما يتعلق بتشكيلة الجسم البشري الداخلي. ان الغرب هنا جاء الى الشرق ليعلمه كيف يستأصل مرض الطاعون الذي يعتريه (التطرف، الارهاب وتوابعهما من الامراض)، وليس مداواة المرضى فقط.
التأمل في الابداع
ان الدور الذي يلعبه اليهود في فيلم الطبيب هو دور الوساطة، التي تبدأ بالطبيب اليهودي مارلين في لندن وتستمر بالعلاقة بين ريبكا وكول، اللذين يعودان في النهاية معا الى وطنه الاصلي كالتحام حضاري وكحل مستقبلي لاوروبا، مقابل الحضارة الشرقية التي أفلت، حيث يرمز لافولها بانتحار ابن سينا ومعه العلوم الشرقية وتدمير مدرسته العلمية على يد المتطرفين الدينيين. في الختام يعود كول حاملا مشعل العلم الى اوروبا والعالم ليفتح في لندن مستشفى يتداوى فيه الناس بالمجان كما كان الحال عليه في اصفهان المدمرة. ‘لنتأمل’، إذا كما دعانا احد الصحافيين العرب وهو يكتب عن هذا الفيلم، ‘في هذا الإبداع والإنصاف.. وقارنوا هذا بكثير من أعمالنا الفنية التي تمتلئ بالتشويه والابتذال والكراهية ضد الإسلام قبل غيره’.