ميرال الطحاوي في “بنت شيخ العربان”: سردية الانتماء وصراع الاندماج والتلاشي

عادل ضرغام
حجم الخط
0

دائما ما كنت أتوقف كثيرا ويقف غيري من الباحثين أمام سؤال ناتج عن طول ملاحظة وتأمل: ما السرّ وراء طريقة معاملة المصريين للآخر المباين، حيث تتبدى بشكل فيه الكثير من الإجلال والتبجيل؟ وغالبا ما كنت أبرّر ذلك بيني وبين نفسي مرددا أن السبب ربما يعود إلى ميراث طويل من حكم الآخرين، ولكن كتاب “بنت شيخ العربان” للروائية والباحثة ميرال الطحاوي ربما أضاف إليّ توجها جديدا في الإجابة عن هذا السؤال، فالأمر لا يرتبط فقط بالتاريخ الطويل للحكام الأجانب، وإنما يضاف إليه سمات القداسة التي تتولد لبعض الحكام نتيجة لسياقات وأسباب عديدة، فجانب كبير من هذا التبجيل يعود إلى سمات القداسة التي أسدلها الحكام على أنفسهم، وإلى الآليات التي تقرها كل سلطة منتصرة على نفسها لتشكيل ملامح مغايرة بين الحاكم والمحكوم، ومن ثم تأسست هذه القداسة نتيجة لارتباطات تاريخية بين المصريين والعربان.
السؤال المهم الذي يلح على ذهن القارئ لحظة قراءة العنوان هو سؤال النوع، فالصورة المؤسسة للكاتبة – وهي الصورة الأكثر وضوحا ولمعانا – صورة الروائية، خاصة حين يتم النظر إلى منجزها في ذلك الجانب بداية من “الخباء”، ومرورا بـ”الباذنجانة الزرقاء” و”نقرات الظباء”، وانتهاء بـ”بروكلين هايتس”. ففي مجمل هذه الأعمال هناك توجه لتصوير السياقات الحضارية لعوالم هؤلاء البدو أو العربان، والسياقات الثقافية التي تؤسس لغيتو ثقافي في لحظات شموخه بانعزاله، وفي لحظات تلاشيه بالاندماج مع نسق المصريين، أو في لحظة الإقصاء على الأطراف بعيدا عن المركز الفاعل.
وقد شكل ذلك التوجه خطا دافقا في إبداعها. حتى في روايتها الأخيرة بروكلين هايتس حين حاولت أن تؤسس إطارا معرفيا إبداعيا جديدا، وتبتعد عن عالمها القديم، من خلال الاتكاء على تأسيس إدوارد سعيد في كتاباته الرائدة واللافتة في ذلك الجانب، حيث عمدت إلى اختيار نماذج بشرية من أعراق مختلفة وجمعتها في سياق واحد على الأطراف، لم تستطع أن تتخلص من عالمها الأثير، وظل ذلك العالم حاضرا يمارس دوره كذاكرة منفتحة تؤثر على تخطيط الكتابي الآني بمرتكزاته المعرفية.


هذه الصورة المؤسسة لميرال الطحاوي بوصفها روائية – بالإضافة إلى عنوان الكتاب، والعناوين الداخلية المشدودة للفن المحكوم بإطار موضوعي يحدّ من فنيتها اللافتة – تجعل توقع القارئ للنوع الأدبي مرتبطا بالنسق الإبداعي أكثر من ارتباطه بكتابة بحثية مهمومة بمقاربة أنساق ثقافية وسياسية وثيقة الصلة بالشخصية العربية، في مقابل الشخصية المصرية، ووثيقة الصلة بنسق اجتماعي ثقافي يمارس تغييبا لكل ما هو نسوي، وتهميشا لوجوده، وكسرا لاستراتيجيات نموه وتأسسه.
لقد ظل هذا التوزع حاضرا بين التوجه الأدبي والتوجه البحثي المنطلق في الأساس لمقاربة فن غناوة العَلَم بوصفه فنا نسويا شعبيا تعرض للتهميش والتغييب والإقصاء، بالرغم من تأكد القارئ من النوع الأدبي وهدفه الأساسي، فالهدف يتجذر في سياق التحليل الثقافي والاجتماعي لنسق أو إطار ظل محاولا الحفاظ على نقائه ونسبه، فشجرة النسب – على حد تعبير الكاتبة – هي التاريخ الحقيقي الذي يجدر حفظه، ومن ثم جاء نصها في هذا الكتاب مساءلة مستمرة لقيمة العشائرية أو القبائلية في ظل سيطرة وهيمنة المجتمع المدني.
ما قدمته ميرال الطحاوي في هذا الكتاب من توزع بين الذاتي والجماعي، وبين الأدبي والبحثي يشير إلى أن الفارق بين كل قسيم ومقابله ليس كبيرا، فالتاريخ – وهو يشكل قسما كبيرا من الكتاب يتجاوز ثلثيه – يستخدم وفق تحديد أهم منظريه في العقود الأخيرة، وخاصة لدى هايدن وايت وليندا هيتشون الآليات نفسها التي يستخدمها كاتب الرواية أو السرد، ربما يكمن الفارق بينهما في الدرجة، فكاتب التاريخ يختار رواية من روايات عديدة متاحة، ويضعها في بؤرة التركيز والاهتمام، ويهمل بالضرورة روايات أخرى قد تقوّض الفكرة المعرفية التي يؤسس لها، ويشكلها في بحثه. وقد ظهر ذلك واضحا في الكتاب فاختيار الحادثة أو المقولة الكاشفة، ووضعها في بؤرة الاهتمام والتركيز سمة مهمة من سمات الكتاب، خاصة حين تنقلها من وجودها الداخلي، وتضعها عنوانا كاشفا عن وجهة النظر، وكاشفا عن وجود الأيديولوجي الذاتي في السياق البحثي الموضوعي، مثل “إذن أنت أمير الكلاب” إشارة إلى حديث العربي الجنوبي لعمرو بن العاص، للكشف عن النسق القبلي بين عرب الشمال وعرب الجنوب الذي انتقل وظل حاضرا مع العربان في مصر، أو “يأخذها التمساح ولا يأخذها الفلاح” إشارة للغيتو الثقافي والاجتماعي الانعزالي برفض تزويج بناتهن للفلاح المصري.

العربان من مركز السلطة لهامش التلاشي

في الأجزاء الأولى من الكتاب يتقاطع الذاتي بالجمعي، ويشعر المتلقي أنه أمام سيرة تحاول أن تثبت طبقة معرفية، بوصفها تاريخا حقيقيا ينتقل من جيل إلى جيل، هذه الطبقة كان لها شأن عظيم، في لحظات انتصارها وسموقها، وفي لحظات هزيمتها وانكسارها، حيث يتأسس لها حتى في لحظة الهزيمة نوع خاص من الزهو والتعالي، فنمط الإباء أو الشموخ لا يغيب، وإنما يظل حاضرا وموجودا، مشدودا إلى غنائية حزينة وأسى ممتد.
بداية الارتباط بهذا العالم ناتجة عن الإحساس بالمغايرة، من خلال حديث الجدة واستخدامها لجملة “أنت بنت عرب” بشكل لافت، وكأنها جملة تشكل مدرجة السلوك، وسنن الحركة والتوجه بداية من الاحتشام وطريقة السير في الطريق. فالحكاية باب المتخيل، تسدل نوعا من القداسة المشدودة إلى حدود التوهم، بصناعة عوالم لا تتحرك ولا تتشكل إلا داخل عقل طفلة صغيرة.
والإحساس بالمغايرة يأتي مبررا للاهتمام بالبحث في موضوع تاريخ البدو والعربان، الهجرات والتغريبات قبل الإسلام وبعده، بوصفه بحثا يشكل طريقا طويلة للمساءلة، وطريقا للمعرفة، للتأكد من مشروعية هذه المرويات الحكائية، خاصة حين ترتبط هذه المرويات بإطارين مهمين، هما على الترتيب إطار السلطة، وإطار أهل البلد من المصريين القبط. فقارئ الكتاب يدرك أن وضع البدو أو العربان مشدود دائما إلى هذين الإطارين، وقد قاربت المؤلفة حالهم باختلاف العصور والأزمنة.
تهتم الباحثة بالوقوف عند المرحلة الأولى، حيث كان العرب أو البدو حكاما لمصر في الفسطاط منعزلين، وبداية تكوين ما يمكن أن نطلق عليه أرستقراطية عربية، حيث تكاتفت أسباب عديدة لصناعة ذلك، منها ما هو ديني، ومنها ما هو لغوي فقد تجاوب مع هذا التحول أن اللغة القبطية لم تصمد كثيرا أمام العربية، لغة القرآن، وأصبحت – نظرا لسطوة المنتصر تجاه المهزوم – لغة الدواوين، وقد مكن ذلك للبدو سيادة ما في إطار الدين والتفسير. ومنها كذلك ما يرتبط بطبيعة النظرة المتبادلة بين العربي والقبطي، وهي نظرة مؤسسة تحت تأثير الحوادث الكبرى في التاريخ السياسي والثقافي والعسكري، حيث تعيدها الباحثة من خلال الاستناد إلى كتب التاريخ إلى الفارق بين سام وحام ابني نوح.
ولكن الجانب الأهم من كل الجوانب السابقة – وهو الجانب الذي قامت لأجله هذه الهجرات والتغريبات بما في ذلك حركة الغزو في عهد عمر بن الخطاب – الجانب الاقتصادي، فقد كفل للبدو والعربان وضعا أرستقراطيا مميزا. فبعيدا عن الجزية والخراج كفل لهم تميزا في الشكل والهيئة، وحق الضيافة، وحق الارتباع في حقول المصريين. وقد استمرت هذه الارستقراطية العربية فترة طويلة، يعيشون في إطار يقترب من القداسة المكفولة بالاقتصاد المتولد من الجزية والخراج.
ولكن هذا الوضع أصابه التحول بتغير العقلية الحاكمة من أموية إلى عباسية، فالجاحظ يقول “دولة بني أمية عربية أعرابية، ودولة بني العباس فارسية أعجمية”، فهذه المقولة تشير إلى طبيعة التحول، فالقوة المهيمنة عسكريا في الدولة الأموية عربية، وهذا جعلها طوال حكمها تصنع توازنات، وتقوم بتحريك هجرات متعمدة لقبائل الشمال حتى يكون هناك توازن ديموغرافي بينها وبين قبائل الجنوب، وتحرك عصبيات من مكامنها بين العرب والموالي. ولكن العباسيين خلخلوا هذا التوجه باعتمادهم على عناصر غير عربية، وهذا أوجد وضعا خاصا ومغايرا للموالي، وخاصة للقادمين من بلد الفرس والأتراك، وأوجد أرستقراطية عسكرية وإدارية تتشكل منهما بهدوء.
في المقابل بدأت الأرستقراطية العربية تتفكك، وتفقد امتيازاتها المؤسسة، فصورة المحارب الذي جاء من أجل دينه التي صنعت لها بهاء وقداسة لم تعد حاضرة. ويمكن أن نتأمل ردة الفعل مع السلطة الجديدة في مصر في عهد العباسيين إذا أشرنا إلى أنهم حتى ذلك الوقت لم يندمجوا بالمصريين فقد كانوا يأنفون من الزراعة، فلم يعد أمامهم على حد تعبير الكاتبة سوى السلب والنهب والإغارة، وتفرقوا من الفسطاط مكان عزلتهم إلى الصعيد والصحراء الشرقية.
ينطلق العرب في علاقتهم بأصحاب السلطة من تصور خاص يرتبط بكونهم أحق بالسلطة وبالحكم منهم، ومن ثم لم تتحسن علاقتهم بالسلطة الحاكمة في مصر على تنوعها واختلافها. ففي العصر الفاطمي تحسن وضعهم بشكل ملحوظ، فقد عمد الفاطميون إلى تقريبهم، والعمل على تسيير تغريبات وهجرات جديدة، وذلك لاستخدامهم والاستعانة بهم ضد محاربيهم والخارجين عليهم في المغرب العربي. ولكن وضعهم في العصر المملوكي يكشف عن كونه الأكثر سوءا، فكل شيء بينهما يؤدي إلى النزال والصراع. فقد أظهر هؤلاء العربان بصورة المتمردين الثائرين، وقاموا بأفعال غريبة مثل التهجم على البيوت، وقطعوا طريق الحج. ولكن يبدو أن هناك سببا آخر يتمثل في أن الأعراب- انطلاقا من كونهم يقيسون القيمة بالنسب – لديهم غصة أن يحكمهم عبد مملوك استنادا إلى صورتهم الثابتة الممتدة بداية من دخولهم الأول إلى مصر.
بداية من عصر محمد علي أيقن البدو وعربان مصر أن الوقت أصبح منطقيا لكي يعيدوا تأمل وضعهم وصورتهم الحقيقية غير المشدودة إلى تأسيس تاريخي، وإنما تأمل ينبع من اللحظة الآنية، فقد أثبت لهم بطشه بالمماليك المشابهين له، وربما يتشاركون معه في الأصل، بالإضافة إلى توجهه إلى الجزيرة العربية، وتسيير حملات غزو إليها، أن هناك تغييرا لموازين القوي في صالحه.
ربما كانت الفترة الأكثر تأثيرا في القضاء على مملكة العربان، وتفريقها إلى الأطراف، بعيدا عن المركز، هي الفترة التي تلت ثورة يوليو 1952، لأنها اعتبرت كبراء العربان والمشايخ، وأصحاب الثروات الكبرى نوعا من الأرستقراطية البائدة التي يجب القضاء عليها، حتى يطل الفلاح المصري برأسه. لقد شيد العربان سلطانهم بوصفهم سلطة أولا، وثانيا بوصفهم مجاورين أو متحالفين مع أصحاب السلطة متحركين دائما بين القرب والبعد بين المصالحة والخروج على أصحاب السلطة. ولكن ثورة الضباط كانت في مجملها انتصارا للفلاح المصري، وإن أدت بالتدريج إلى طبقة أرستقراطية يطبعها الطابع العسكري، فالخطاب الثوري في عام 1952 هزّ الأعراف، وقوّض التراتبية الاجتماعية، وأحدث شرخا في تصورات البدوي عن نفسه. مما أدى في النهاية إلى تفكك الهالة المصنوعة، وبدأ هذا الكيان بالتلاشي على أطراف المدن، أو الاندماج في الكيان المصري بفعل سطوة الدولة المدنية، والتخلي عن فكرة المغايرة والقداسة.


صراع الاندماج والتلاشي

في تأسيسها لإطارين متقابلين متناقضين لارتباط كل منهما بفضاء مختلف يتمثل في الصحراء والنهر، من خلال الاتكاء على السرديات والتراث الشفاهي المنقول من جيل إلى جيل، والممتد من تغريبة إلى أخرى تعود الكاتبة إلى عهود سحيقة مشيرة إلى أن التغريبة الأساسية بنزوعاتها الاقتصادية المشدودة إلى الحاجة أكثر من ارتباطها بالدين ونشره لا تمثل اللقاء الأول بين الثقافتين، وإنما كانت هناك صور نمطية مؤسسة لدى كل فريق عن الآخر، بداية من هاجر المصرية زوجة إبراهيم العبراني، ومرورا (بمارية) الجارية التي أهديت إلى الرسول الكريم.
فالعرب لديهم يقين أنهم منحدرون من أصل سام، ولا يشوب هذا الأصل سوى الانتماء من جهة الأم لهاجر، ومن ثم نجد ابن قتيبة يعلي من شأنها كثيرا، فهي لدى ملك مصر “أفضل الإماء”، ويضرب أمثالا كثيرة عن أبناء الإماء والجواري الذين أصبحوا أكثر شهرة وعظمة. يتكامل هذا التباين إذا ذهبنا به إلى خطوة أكثر امتدادا في الزمن من خلال المقارنة بين أبناء سام وحام، فقد أشارت المصادر إلى أن نوحا لسبب ما دعا على حام فاسود وجهه، وكتبت على نسله العبودية، وتأسيسا على هذه الخلفية ورث الفلاح في المخيلة البدوية صفات كل الشعوب المنتمية إلى حام، ومن ضمنها الاستسلام للعبودية.
وفي الجانب المقابل نجد أن صورة العربان في مخيلة المصري لا تخلو من تأسيس مرتبط بأزمنة سحيقة، ولم تتغير هذه الصورة إلا بقدر طبيعة المصريين الدينية، والمشدودة إلى تقديس النماذج الدينية والشعبية مثل الهلالي والجازية ويونس، بوصفهم يشكلون نماذج دالة لفكرة البطولة وللسلوك القويم والفروسية، وذلك لأن هذه الصورة النمطية ظلت إطاراتها ثابتة، وإذا تغيرت هذه الصورة في لحظات محددة، سرعان ما تقع حادثة أو فعل يعيدها إلى بؤرة التركيز بيقينها القديم.
ربما تكون اللقطة الأولى التي رسمت ملامح هذه الصورة لدى المصريين تتمثل في مساعدة هذه القبائل للقائد قمبيز الفارسي، فقد تعاونوا معه للدخول واحتلال مصر. بالإضافة إلى ما عرف عن هذه القبائل في لحظات انفلاتها وصراعها مع أصحاب السلطة من إشاعة الفوضى، وانتهاجهم لأسلوب السلب والإغارة بوصفه حقا طبيعيا، ارتباطا بنمط حياتهم الصحراوي، حيث لا يجدون غضاضة في ذلك، ولم تفلح هالات التقديس المرتبطة بنماذج دينية أو شعبية في كسر وتقويض هذه النمطية. فالمصري في سيره مطمئنا لفكرة التقديس تقابله حوادث تهشم هذا التقديس، مثل حادثة حسن بن مرعي الذي أمّن طومان باي ثم سلمه للعثمانيين، فقد كان لهذه الحادثة أثر كبير في استمرار الصورة السلبية ونموها، بسبب صورة طومان باي في مخيلة المصريين بوصفه مخلصا من أذى مواجهة العثمانيين، وبوصفه أيقونة الكفاح ضد ظلمهم. ويتساوق مع هذه الحادثة موقف سعد الطحاوي صديق دليسبس من عرابي، وكونه سببا مهما من أسباب هزيمته.
وجود الكيانين على هذا النحو انطلاقا من الصورة التي يختزنها كل قسيم عن الآخر، كان له تأثير في تنميط العلاقة، وتحركها من حالة الانعزال التام من خلال إسدال نسق تراتبي- في البداية على الأقل- بين الحكام وأهل البلد من المصريين، وهذه النمطية تظل الفاعلية فيها لرد فعل المنتصرين تجاه المهزومين في كل زمان. وهناك مجموعة من المقولات أو الأمثال السردية الكاشفة عن طبيعة العلاقة بين الحكام من العربان والمصريين، فالصفة الغالبة صفة “الفلاح” لكل مصري، منها على سبيل المثال “يأكلها التمساح ولا يأخذها الفلاح”، حيث يتجلى وجود غيتو ثقافي واجتماعي قائم على العزلة للمحافظة على نقاء النوع، ففي المثل رفض للاندماج من خلال الإشارة إلى رفض تزويج بناتهم للمصريين، فقد كانوا يستنكفون أن ترقد ابنتهم أسفل فلاح.
فالعرب في البداية على الأقل قاوموا فكرة الاندماج، وعاشوا منعزلين في نمط حياتهم القبلي، ولم يتكيفوا أو يندمجوا بسهولة مع المصريين، وذلك بسبب تعاليهم، وشعورهم أنهم الحكام الأصليون والمالكون للمكان. ولكن بعد أن تحللت سلطتهم وجدوا أنفسهم في وضع خاص، فليسوا أصحاب سلطة، ولا قريبين من أصحابها، وإنما في صراع دائم مع كل سلطة، ولا يجيدون الزراعة كالمصريين، ومن ثم لم يجدوا سوى سبيلين: الأولى الاندماج التدريجي خاصة أن هذه القبائل في جدلية الاندماج لم تكن على وتيرة واحدة، فمنها قبائل اندمجت في الحياة المصرية، ومن ثم تحللت أنساقها الثقافية والاجتماعية، وإن ظلت بقاياها حاضرة، ومنها- وهذا يشكل السبيل الأخرى- قبائل- خاصة القبائل الشمالية القرشية- ظلت محافظة على نموذجها الثقافي والاجتماعي محتمية بحياة الأطراف بعيدا عن مركز الدائرة، طبقا لتوزع حالهم قربا أو بعدا من السلطة الحاكمة.

سردية الانتساب والانتماء

تسري في صفحات الكتاب روح موضوعية الباحث في مقاربة الموضوعات، فهناك تسمية للأشياء بمسمياتها، فالباحثة في البداية وضعت إقرارا يتمثل في قولها “لا أحاول الدفاع عنهم أو إدانتهم”، وهو قول كاشف عن تحري الموضوعية في مقاربة موضوعها بالدرس والتحليل.
ولكن قراءة الكتاب قراءة واعية – بعيدا عن فكرة التوجه والاهتمام في حد ذاته – تكشف عن أن هناك خيطا بسيطا كاشفا عن الانتماء إلى هذا الإطار، وقد كشفت عن ذلك من البداية، ويبدو هذا الانتماء واضحا من خلال اختيار عناوين لا تخلو من تثبيت المغايرة والاختلاف، ولا تخلو أيضا من إثبات القداسة والنبل، حتى أثناء مقاربة موضوعات لا تخلو من مفارقة للنسق المقبول في ظل حياة مدنية.
هذه الروح المرتبطة بالانتماء أو الانتساب لا ترتبط بالانحياز، وإنما ترتبط بالأسى لفقد ملك ومغادرة طبقة مصونة بالانعزال والانكفاء على الذات إلى صور شتى من التلاشي، أو بالتشظي على الأطراف للحصول على مقابل من خلال فرض إتاوة بوصفها نوعا من أنواع السلطة، أو التلاشي بالاندماج، لأن هذا الاندماج ضد خصوصية النسق ومركزه الناصع المنغلق على ذاته.
تتمثل هذه الروح المملوءة بالأسى في بعض العناوين مثل(قطاع الطرق النبلاء)، وذلك وفق يقين قرّ في أرواحهم أنهم حكام مصر الأصليون، وأن المماليك والعثمانيين ليسوا إلا مغتصبين. وأغلب الظن أن الباحثة تأثرت بوجهة نظر علماء الحملة الفرنسية لهؤلاء العرب، حيث ظلت صورتهم في تحديد علماء الحملة الفرنسية مرتبطة(باللصوصية الممتزجة بالشرف)، خاصة إذا كان ذلك السلوك يمثل نمط حياة مألوف لهم قبل الإسلام، فقد كانت الإغارة والسلب، وأخذ ما يملكه الآخرون واستحلاله- انطلاقا من مبدأ القوة- سلوكا لا يقبل الدهشة أو اللوم.
يتجاوب مع تأسيس تلك الروح، ما يشمه القارئ من محاولة الدفاع عن الجد سعود الطحاوي، أحد المشاركين في هزيمة عرابي الذين تذكرهم كتب التاريخ المدرسية (وهو وصف لا يخلو من محاولة إسدال دلالة سلبية)، انطلاقا من علاقته بدليسبس، وبوصف قبيلته واحدة من القبائل التي انحازت لفرمان الخديوي توفيق، للسماح للإنجليز بإنزال قواتهم بالسويس. بالإضافة إلى حديثها – استنادا إلى رأي الرافعي – عن سمات عرابي، ومحاولة سلبه القدرة على القيادة، بوصفه في ظل هذا التحديد شخصية عادية، لم تحصل على التدريب الكافي للقيادة، ولإعداد رجل حربي، فمهارة عرابي لا تتعدى حدود البلاغة، حيث تجلى في إطار ذلك – ربما لنفي التهمة عن الجد – مرتبطا بعدم الكفاءة، وسوء التخطيط، وانعدام الحس السياسي، حيث قدم نفسه بوصفه منتميا للفلاح المصري، وليس مشدودا لكل الفصائل التعددية للمجتمع المصري.
ومن آليات سردية الانتماء أو الانتساب اللجوء إلى صورة العربان في المخيلة الشعبية، وهذا توجه يفرض نوعا من الغطاء على السمات القارة التي أشار إليها المؤرخون المصريون أو مؤرخو الحملة الفرنسية، او القادة العسكريون مثل نابليون. فمعظم هؤلاء رسموا صورة إجمالية للبدوي قائمة على السلب أو النهب وعدم الوفاء بالعهد، فتاريخهم ليس إلا حلقات من التمرد والمناوشة والخروج عن السلطان، لتأصل تصور بداخلهم بوصفهم الحكام الأصليين للبلاد والمالكين له.
الصورة السابقة ليست بالحدة ذاتها داخل المخيلة الشعبية، لارتباط هؤلاء بالدين، وبالنسب الشريف، وارتباطهم بأصحاب السير الشعبية، التي كفلت لهذا القادم في التغريبة العربية صورة تندّ عن التصور العادي، مثل أبي زيد الهلالي، بالإضافة إلى المتصوفة مثل السيد البدوي. فلجوء الباحثة إلى صورة العربي في المخيلة الشعبية ليس إلا محاولة – بعيدا عن فكرة استقصاء أركان البحث بموضوعية- لهدهدة وتقليم الصورة الواردة بحدة لافتة في كتابات المؤرخين، وهي تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة الثقافة المصرية التي لم تكن في أي عصر من العصور ساكنة أو منغلقة، فهي ثقافة منفتحة، ولا تفقد خصوصية هويتها حتى في أحلك لحظاتها.

 

ميرال الطحاوي: “بنت شيخ العربان

دار العين، القاهرة 2020

333 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية