بيروت – «القدس العربي» : تحدّت المخرجة والممثلة الفلسطينية ميرا صيداوي نفسها وكافة العوامل المُحبطة وأنجزت عرضها المسرحي نصاً وإخراجاً «كل الحق علي»، رغم أن أمومتها الأولى لا تزال بحدود الأشهر الثلاثة. عروض ثلاثة احتضنها «استوديو كون» في بدارو وجدت إقبالاً كبيراً من جمهور صفق بإعجاب للممثلين باسكال جلّوف وعمر أحمد، وللصيداوي أيضاً، نظراً لرهافة النص.
قبيل انطلاق العرض شهدت «القدس العربي» تواصلا ودياً بين المخرجة وبطلي المسرحية. شكر دون حدود، وشرف العمل معهما. ودعتهما للبوح بكل مشاعرهما في العرض الأخير.
«استوديو كون» صالة ومسرح تجريبي قدمه المخرج أسامة حلاّل لصيداوي هدية. افترش بعض الحضور الأرض، وأمامهم توزعت مقتنيات منزل متواضع في مخيم شاتيلا. زوجان شابان رزقا حديثاً بطفلهما الأول «يوناس». ومعه تبدّلت الحياة بسرعة. زوجة تعيش مشاعر استقالة قسرية من الحياة، فالمولود يستهلكها بالكامل.
الزوجان «ياسمين وعلي» في وضعية نقاش دائم. تسعى ياسمين للتعبير بنفس فلسفي جدلي، وردود علي تتميز بمرح وفكاهة أضحكت الحضور مراراً.
محاولات علي تجميل الحياة، رغم كل ما يحيط بها من عقبات وشروط غير إنسانية في المخيم تفشل. سيل من التحركات العصبية لياسمين تعلن بعدها: أنا مش سعيدة. يطلق علي مقارناته بين محلية وعربية ليخلص بأن زوجته في نعيم. دارهما في شاتيلا يحسدان عليه، «جنبه شجرة… بكل المخيم ما فيش غيرها».
تمرر ياسمين إشارة: «الرضاعة تحفّز هورموني السعادة والرغبة الجنسية». علي لا يعيرها اهتماماً. ويتواصل الحوار مرتفع النبرة بين استفاقة وأخرى للرضيع. ياسمين فنانة تشكيلية سلبتها الأمومة من حيزها الخاص.
علي يتابع عمله في تصليح الأدوات الكهربائية خارج المخيم، ومناوشاته الليلة مع محمود من شباك منزله، فصوت الـ»موستيك» يزعجه. مشاعر الجفاف العاطفي، وكآبة ما بعد الولادة يتفاقمان لدى ياسمين «بدي طلق وارجع ع اليرموك لعند أبوي».
يستحق علي الموقف ويبدأ الهجوم بمقولة «كل الحق عليي» بدءاً من «الملحفة الزرقا ـ بطاقة الهوية اللبنانية للاجئين، وصولاً إلى دمار اليرموك مروراً بجدار الفصل في مخيم عين الحلوة ومشاكل المجارير والكهرباء وووو». كل هذا من مسؤولية علي سعيد أسعد توفيق الأسمر من عكا.
نصف ساعة من الزمن لعرض «كل الحق عليي». زمن يُكثّف تداعيات الأمومة لأول مرّة، وما ترتبه من متغيرات، أرادتها صيداوي ممزوجة بحياة المخيم، حيث الهم يتضاعف. هي تجربة ميرا صيداوي الفعلية مع الأمومة، قد لا نخطئ التقدير أنها كتبتها سرقة بين نوم واستيقاظ طفلها «ميلان علي»، وبين رضعة له وتبديل حفاض.
أما الحوارات الزوجية التي تلي الولادة وهي ذات جذور متعددة، منها اهتزاز ثقة المرأة بذاتها وبجاذبيتها، وشعورها بعدم جدواها كإنسان، فتلتقي حولها تقريباً كافة الأمهات الجديدات.
عبّرت صيداوي عن مشاعر الأمهات جميعهن، وخلطتها بنكهات المخيم الخاصة. لسان حال الجمهور من اللواتي والذين عايشوا التجربة كان يؤكد ذلك.
ماذا عن فرقة مسرح المخيم الذي تأسس من قبل علية الخالدي، عوض عوض وميرا صيداوي؟ تقول ميرا: بعد مسرحية «أيوبة» اكتشفنا نحن الثلاثة الحاجة لمسرح يخرج من المخيم إلى بيروت. حكايات المخيم مقفلة كما الكنز ولا أحد يعرف خصوصيتها. بعد «أيوبة» عرضنا «قدم» من إخراج علية الخالدي، والآن «كل الحق عليي» من إخراجي وتأليفي. كتبت النص وطورته ذاتياً وبدعم من علية وعوض.
■ وماذا عن مسرحية «كل الحق علي» وإنتاجها؟
تعاونت مع عمر أحمد من مخيم شاتيلا وباسكال جلّوف من سوريا، والتي تتابع دراستها في الجامعة اللبنانية الأمريكية. معهما كانت تجربة ذات خصوصية. وفي الأعمال التالية سيكون العمل محصوراً بممثلين من المخيم. ففرقة مسرح المخيم يجب أن تكون من المخيم لتصل الرسالة حقيقية.
■وصلت الرسالة تماماً في «أيوبة» وكنت وحيدة كممثلة من المخيم؟
البحث المستقبلي بشباب وفتيات من المخيمات يختصون بأعمال مسرحية من رحم حياة المخيمات. يمكن لكل منا نحن الثلاثة تقديم اعمال خاصة إلى جانب الالتزام بأخرى تعبر عن ناس المخيمات. الهم الأول الآن البدء بالتمارين الفنية والجسدية مع شباب وفتيات من المخيمات. وهذا يؤدي لمزيد من الصدق والمشاعر الحقيقية. ويصب في خانة المقاومة للحفاظ على هوية المخيم. وأن نناضل معاً لتحقيق المسرح الفلسطيني في بيروت. وهذا بالطبع سيؤدي لتغيير حيوات في داخل المخيمات. ستكون مجموعة لابأس بها أمام فرصة التفكير بصورة مختلفة. أنا وعوض عوض كانت لنا فرصة، ومن خلالها كانت الصلة بعلية الخالدي صاحبة الحضن الدافئ، والتي شكلت بالنسبة لنا توازناً عاطفياً وفنياً كنا نحتاجه.
■ والخطوة التالية؟
مباشرة العمل لتدريب ممثلين من المخيم. فلسطين وحدها تحثنا على العمل، وبالطبع قضايا ناسها.