ميركل والاتحاد الأوروبي: تباين في الآراء حول سياستها وقلق حيال المستقبل من دونها

آدم جابر
حجم الخط
0

ما الذي سيبقى من بصمات ميركل على صعيد أوروبي؟

باريس ـ «القدس العربي»:  رغم تباين الآراء بخصوص سياستها حيال الاتحاد الأوروبي، إلا أن رحيل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن السلطة يثير المخاوف من حدوث فراغ داخل هذا التجمع الإقليمي الذي يحسب له اليوم ألف حساب على المستوى الاقتصادي على الأقل والذي يواجه تحديات جمة وحاسمة، تتعلق بإعادة بناء اقتصاد قوي بعد جائحة كوفيد-19 بالإضافة إلى مواجهة انعكاسات التغير المناخي، وتأكيد دور الاتحاد الأوروبي الجيوسياسي في مواجهة الولايات المتحدة والصين، لا سيما في ظل الخشية من أن يستغرق تشكيل الحكومة الألمانية الجديدة شهرين أو ثلاثة أو حتى خمسة أشهر كما حصل في عام 2017.

يرى العديد من المسؤولين والمحللين الأوروبيين أن رحيل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، رئيسة الحكومة الأطول عمراً بين الديمقراطيات الأوروبية، سيترك فراغاً كبيرا في أوروبا، سواء بين مواطني الاتحاد الأوروبي أو على طاولة الدول السبع والعشرين، حيث عملت هذه الأخيرة على وحدة جميع البلدان الأوروبية، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. ولعبت دورا حاسما للغاية في الاتحاد الأوروبي (من أزمة عام 2008 المالية إلى وباء كوفيد-19 وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). فقد أشاد رئيس الوزراء الهولندي مارك روته بـ «سلطتها الهائلة» فيما اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أنها كانت حاسمة في فك قيود المفاوضات الأوروبية التي كانت تطول أكثر من اللزوم في بعض الأحيان. وحسب دراسة أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية في اثني عشر بلداً عضوا في الاتحاد الأوروبي، فإن 41 في المئة من الأشخاص المستطلعة آراؤهم، أكدوا أنهم سيصوتون لأنغيلا ميركل في حال وجود تصويت لاختيار رئيس لأوروبا.
في المقابل، انتقد مسؤولون آخرون، على غرار وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة آنا بالاسيو، المستشارة الألمانية، «لاستراتيجيتها في انتظار المواقف اليائسة للمطالبة بإجراءات يائسة». وتقول إن هذه الاستراتيجية «أفادت في كثير من الأحيان أولئك الذين يخالفون القواعد» في إشارة إلى المماطلة الألمانية في مواجهة رئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان الذي ابتعدت بلاده عن القيم الأوروبية. علاوة على ذلك، فإن أنغيلا ميركل كانت قد أثارت حالة من الغضب خلال أزمة اليورو في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، على خلفية تأخرها في تقديم المساعدة للبلدان المثقلة بالديون، على غرار اليونان، مما أثار مخاوف من انهيار العملة الموحدة.
في هذا السياق، صرح رئيس المفوضية الأوروبية السابق جان كلود يونكر، في وقت سابق لصحيفة «لوسوار» البلجيكية، قائلا: «أنغيلا ميركل لم تنقذ أوروبا، بل إن الرواية الألمانية هي التي تود أن تجعل منها مصدر كل الحلول في الأزمات الخطيرة. أنا لا أستخف بالدور الذي لعبته، لكنني بعيد عن المبالغة، لأنني عايشت ترددها خلال هذه الفترة التي كانت من بين الأصعب بالنسبة إلى البناء الأوروبي» حسب السياسي اللوكسمبورغي المخضرم، والذي رأى من جهة أخرى، أن ميركل تصرفت «كسيدة دولة» من خلال فتح الحدود الألمانية للاجئين في عام 2015 على الرغم من الهجمات التي تعرضت لها في بلدها، كما «كان رد فعلها جيدا» خلال أزمة وباء كوفيد-تسعة عشر بقبول إنقاذ تاريخي بقيمة 750 مليار يورو خطة تجسد التضامن الأوروبي.

مخاض عسير

بعد أن ظلت ألمانيا قُطب استقرار طوال الأعوام الستة عشر التي حكمت ميركل خلالها البلاد، تجد اليوم نفسها في مرحلة ارتباك سياسي، على ضوء نتائج الانتخابات الفيدرالية الأخيرة، التي جاءت نتائجها متقاربة جداً، بتقدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة أولاف شولتز بفارق ضئيل جداً عن الحزب المسيحي الديمقراطيّ المحافظ (حزب ميركل) تاركين المركز الثالث للخضر أنصار البيئة. وفي ضوء المواجهة بين الحزبين والحاجة إلى تشكيل ائتلاف حكومي يبدو هذا المسعى معقدا لعدة أسباب، منها تشرذم الأصوات بشكل غير معهود. وهو أمرٌ من شأنه أن يؤدي إلى مفاوضات طويلة، في تكرار لسيناريو الانتخابات الفيدرالية التي جرت عام 2017 حيث لم يتم التوصل إلى الائتلاف الحكومي الواسع الحالي إلا بعد ستة أشهر، مما أدى إلى شلل سياسي ولا سيما على صعيد القضايا الأوروبية. وهو سيناريو لا يصب اليوم في مصلحة أحد، لا ألمانيا، التي سيكون عليها الخروج سريعاً من غموض ما بعد ميركل، لمواجهة التحديات الداخلية، ولا الاتحاد الأوروبي الذي سيجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ قرار رئيسي لغاية تموز/يوليو عام 2022 وذلك في الوقت الذي يواجه فيه المزيد من التحديات المقلقة، بما في ذلك عدم اهتمام الولايات المتحدة والاستفزازات المتزايدة في الجوار القريب، ناهيك عن قضايا التغير المناخي والهجرة وما إلى ذلك والتي يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرا إلى البت فيها بشكل أفضل مما كان عليه الحال حتى الآن.

علاقة أوروبا المستقبلية

الجمود الطويل بشأن تشكيل الحكومة في ألمانيا، يقلق حلفاء برلين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والذين يخشون أن يقود الفراغ السياسي في أقوى الدول الأوروبية اقتصادياً إلى تهميش جيوسياسي للتكتل الأوروبي في مواجهة الصراع الاقتصادي- الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. هذا الفراغ، يقلق بشكل خاص فرنسا التي ستتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/يناير المقبل، لاسيما وأنها تعتمد كثيراً على برلين لدفع أولوياتها في أوروبا أكثر «سيادة» والتي تعززت كثيراً عقب الانسحاب الأحادي الجانب للقوات الأمريكية من أفغانستان من دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ثم بعد ذلك أزمة الغواصات مع أستراليا على خلفية الإعلان عن الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا في المحيطين الهندي والهادئ.
مع ذلك، فإن زعماء الاتحاد الأوروبي واثقون، على الأقل، من أن المستشار الألماني المقبل – الديمقراطي الاجتماعي أولاف شولتز أو منافسه من يمين الوسط أرمين لاشيت – سيكون مؤيداً لأوروبا. تمامًا مثل «الشركاء الصغار» المحتملين للتحالف الحكومي المتوقع أن يتم تشكيله. ويرجح دبلوماسيون في بروكسل أن تكون هناك استمرارية في علاقة بروكسل بالاتحاد الأوروبي، إلا إذا حدث زلزال سياسي بدخول حزب اليمين المتطرف إلى التشكيلة الحكومية الجديدة واستحواذه على حقائب وزارية سيادية أو حساسة. ويرى دبلوماسيون أن هذه الاستمرارية ستكون على مستوى السياسة الخارجية التي لطالما كانت أنغيلا ميركل تزرع الغموض بخصوصها، لا سيما فيما يتعلق بتركيا والصين وروسيا. فقد انتهجت ميركل سياسة الحوار والتعاون مع موسكو، رغم بعض التوترات. وتجاوز البلدان الصعاب التي واجهاها بشأن مشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذي يتحفظ عليه عدة شركاء داخل الاتحاد الأوروبي.
من جهة أخرى، سيكون دخول الليبراليين إلى الحكومة الألمانية، موضع تقدير من قبل الدول الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدرجات متفاوتة. حيث سترتاح إلى ذلك دول الاتحاد الأوروبي التي ترى أن سياسة التقشف في الموازنات العامة أمر ضرري حتى لا تنفق الأموال العامة في المساعدات التي تتغذى منها مشكلة التداين. أما الدول التي ترى أن هذا التقشف لا ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته، فإنها تأمل في أن يظل الاتحاد الأوروبي سندا قويا للدول التي تتضرر أكثر من غيرها بسبب مشاكل استثنائية، وهو مثلا حال وباء كوفيد-19. ويقول أصحاب هذا الطرح إن ميركل ترددت فعلا في الانضمام إلى الأصوات التي كانت تطالب الاتحاد الأوروبي بإطلاق خطة إنعاش لمساعدة اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي على الانطلاق بقوة بعد الوباء، ولكنها ساندتها وشجعتها في نهاية المطاف. وبالتالي فإنها سمحت لكثير من مواطني دول الاتحاد الأوروبي الذين كانوا يشككون بجدوى هذا الاتحاد بإعادة النظر في رأيهم في الموضوع.

كلمات إرث ميركل المفتاحية

يمكن اختصار إرث أنغيلا ميركل من خلال ما يقول فيها منتقدوها من جهة، والذين يمتدحون أداءها من جهة أخرى. أما المنتقدون فَيَرون أنها استفادت إلى حد كبير من الإصلاحات التي كان المستشار الألماني الأسبق جيرهارد شرودر قد قام بها في مطلع القرن الجاري من دون أن تضيف إليها شيئا، وأنها لم تكن سياسية ذات رؤية على المدييْن المتوسط والبعيد بالنسبة إلى ألمانيا، كما أنها ساهمت إلى حد كبير في دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان الألماني في عام 2017 بسبب سخائها «غير المبرر» في فتح الحدود الألمانية أمام اللاجئين القادمين أساسا من سوريا والذين يقارب عددهم مليون شخص.
في المقابل، يُذكّر المرتاحون داخل ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى لأداء أنغيلا ميركل طوال ستة عشر عاما على رأس المستشارية الألمانية، أنها سمحت للاقتصاد الألماني بالتعافي وبالبقاء في منزلة قاطرة اقتصادات الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أنها نجحت في الحد كثيراً من نسبة العاطلين عن العمل في بلدها. ويقول هؤلاء إن ميركل فتحت أبواب ألمانيا في عام 2015 أمام اللاجئين السوريين لعدة أسباب منها الجانب الإنساني ومنها أيضا إدراكها بأن ألمانيا التي تزداد فيها منذ عقود نسبة الأشخاص المسنين غير قادرة على تنشيط الدورة الاقتصادية إلا من خلال اللجوء إلى يد عاملة ذات مهارات جيدة. وإذا كانت دول أوروبية كثيرة قد أقفلت أبوابها أمام اللاجئين السوريين، فإن ميركل كانت واعية لأهمية الموارد البشرية السورية التي هربت من بلادها بسبب الحرب بالنسبة إلى إنعاش الاقتصاد الألماني. ويضيف الذين يُثنون على ميركل، بالقول إنها كانت بحق تمثل صوت الحكمة والرصانة في الاتحاد الأوروبي حيث توجد دول تطالب دوما بالاستفادة منه أكثر مما تفيده ودول تستفيد من مساعداته الاقتصادية وتسعى في الخفاء إلى طعنه في الظهر مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين. ولعل الصورة الأقرب التي يمكن عبرها تقويم أداء أنغيلا ميركل بشكل هادئ هي التي تستقي كلمات هذا الأداء المفتاحية لدى منتقديها ولدى المُثْنِين عليها في الوقت ذاته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية