تتسم أغنياتهما بنقد عميق وبعد اجتماعي وفي السياسة تلامسان عقول الناس
بيروت – القدس العربي: من دون تكلُف اتصلت ميشيل ونويل كسرواني مع مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في لبنان لتقول لمن على الطرف الآخر من الهاتف: «ألو مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية.. قلت بتصل فيكن قبل ما تتصلو فيي..». صمت ثقيل يسود.. لنعرف بعدها سلسلة الممنوعات: «الإنهيار. البنك المركزي. الدولار. عنف العسكر.. وووو. طيب خلص منشيل الكلمات كلاّ ومنكتب لالالاالا محلها». هذا بعض مما ورد في هذه الأغنية والتي صدرت مؤخراً للشقيقتين كسرواني ضمن سي دي «ألف ليلة وليل». وفي سجلهما العديد من الأغنيات التي تفصح بأن معالجتهما لأي مسألة تقرران التصدي لها تتسم ببعد اجتماعي وإنساني وطبقي ونقدي عميق، كما يلتقي حولها كثر كما «جمل بوسط بيروت» و«منعيد ومنعيد» و«زفتنا الطريق».
البداية التي لم تحسب لها ميشيل حساباً فكانت مع «جغل اليوزيك» والتي سجلت أكثر من مليون مشاهدة. وفي الخطوة التالية انضمت نويل إلى شقيقتها وقررتا كسدورة على متن جملين بوسط بيروت، آملتين أن تشعرا خلالها بالانتماء للمكان… ولكن.
الصبيتان تعيشان حالياً بين لبنان وفرنسا وهناك تجدان سهولة في تقديم فنهما، وممارسة عملها كمتخصصتين في الإعلان. طلبنا حواراً معهما، لكن إلتزامات نويل المهنية المسبقة حالت دون مشاركتها.
سألنا ميشيل كسرواني:
○ عندما كتبت وغنيت «جغل اليوزيك» هل خطر لك أن طريقاً جديداً سيُفتح لك أم كانت مجرد ردة فعل على سلوك زملاء جامعة الكسليك؟
•كتبت «جغل…» في عمر 19. كنت أراقب المجتمع من حولي والمتميز بذكورية عالية، ولم يخطر لي إسماعها لأحد. صدفة غنيتها في الجامعة، كنا خارج الصف ومعنا زميل يحمل غيتاراً. تبين أن أحدهم سجّل الأغنية عبر هاتفه، وأنتهى الأمر. بعد عام قال لي أصدقاء: ميشيل عم نسمع صوتك غنيتك حلوة وبتضحك! كان ردي «ما عندي غنّية». وكان الإصرار «مبلى». بحثت وسمعت وشاهدت الأغنية وكانت برفقة غيتار غير مدوزن. وبالتأكيد ما حدث فوق التصور. أنا طالبة جامعية تسعى لإتمام دراستها، وفجأة بدأت شاشات التلفزة تدعوني للحوار، والبعض الآخر يطلب مواعيد حفلات. وفي الواقع بالكاد أحسن مسك الغيتار، فكان ذلك مضحكاً لي. إنها مشاعر اللحظة، وبمرور الوقت توضحت الأمور، ولم تعد القصة «نهفة». اكتشفت أن الإنسان المقهور من أمر شخصي، ويتحدث عنه من صميم قلبه، رسالته ستصل وستترك أثراً بالناس. وهكذا تابعت، قبل الكتابة أفكر بما يمسني ويمس المجتمع من حولي، فمن المؤكد حينها سيطال مجتمعاً أكبر وأوسع. فالنقد الذي أكتبه أنا وشقيقتي نويل يحاكي الناس. التجربة الأولى كانت عفوية، ودون حسابات، لكنها تميزت بالعمق. دائما أتلقى فيديوهات عن «تيك توك» لأطفال يغنون «جغل..» وعمرها الآن 11 سنة.
○ كتبت «جغل» وأنت تغادرين عمر المراهقة انتقدت مجتمعنا اللبناني بذكوريته العالية ومظاهره الفارغة. لماذا؟
•هو نقد طبقي حاد. و«تفشيخ» الشباب ينجح أحياناً بجذب الصبايا. وعندما تحصد هذه الدينامية بين مجموعة شباب وصبايا حلولا يصبح الأمر حزيناً. قيمة الإنسان في مجتمعنا بما يملكه، وإبن من هو. وهذا خطير برأي، خاصة وأن مصارفنا قبل الإنهيار كانت تُعلن عن قروض لعمليات التجميل، وأخرى لرحلات الإستجمام، وشراء السيارة. كثُر لا يملكون ثمن السيارة استدانوا لشرائها كي تضفي عليهم قيمة زائفة، وبالتالي يخضعون لضائقة تسديد القروض. يبذل بعضنا جهداً كبيراً للحفاظ على قشور اجتماعية تافهة ويبدد طاقاته من أجلها، وهذا حرام. وقع الانهيار وتبدلت بعض المعايير ولم يعد معيباً أن يكون أحدنا فقيراً.
○ هل ترينها صدفة أن تصبح لك مع شقيقتك نويل أغنيات يسمعها ويشاهدها الجمهور؟
•بدون شك. فبعد أكثر من سنة على «جغل..» كانت أغنية «جمل بوسط بيروت» وليدة غربة كنا نشعرها ونحن نسير في الوسط. نسأل لمن صُمم؟ بالتأكيد ليس لنا. نجوب الوسط سيراً على الأقدام، فحتى الآن لا نمتلك سيارة، نشعر المكان يرفضنا ويرمي بنا خارجه. وسط مدينة خال من مقاعد لقراءة كتاب أو للعب الموسيقى. تلك الطبقية الظاهرة أغضبتنا، فقررنا انتهاكها عبر جملين من بعلبك دخلنا عليهما إلى وسط المدينة. دعونا أصدقاءنا للتصوير بما لديهم من معدّات. مثّلوا القراءة في محيط بركة سمير قصير، وبعضهم تناول الطعام على رصيف فندق قريب، وآخرون مارسوا الرياضة في الهواء الطلق.
○ وهل اعترضكم أحدهم؟
•بالطبع، ورغم كوننا كنّا مع جملين منتظمين يقفان على الإشارة الحمراء ويسيران على الخضراء. في قانون البلدية لا شيء يمنع الجمل من السير، وهو لم يتغير منذ كانت الدواب تنقل حمولتها من المرفأ. وعندما طلبنا إذن التصوير كان السؤال هل لديكم أغراض؟ كان الجواب لا. وما أن دخلنا لم يبق نوع من «سيكوريتي» دون صراخ و«جعير». وكانت المرة الأولى التي يرتفع فيها صوت بوجهي. سُئلت شقيقتي نويل أين «سيصف» الجمل؟ ردّت نُسلمه لـ«الفاليه باركينغ». طلبنا من الشرطة كشف القانون الذي يمنع تواجد الجمل في المدينة؟ وبالنهاية تركنا وسط بيروت بعد تصوير فيديو مميز.
○ هل نقول أنك استدرجت نويل إلى هذا الغناء الساخر؟
•لم أستدرجها، فنحن معاً درسنا الإعلان في الجامعة، ونعمل معاً في الرسم. نكتب ونتناقش معاً بضحك ولعب، خاصة مع فكرة «جمل بوسط بيروت» فيما كان والدينا يتفرجان مسرورين. والدي رافقنا إلى بعلبك بحثاً عن الجملين، ولم يحضر إلى بيروت أثناء التصوير، وقال هذه مسؤوليتكما. وهكذا تحولت مزحتنا إلى حقيقة وأخترقنا طبقية وسط المدينة مع الجملين وأربعين شخصاً مثلنا.
○ جديدكما «ألف ليلة وليل» فماذا أثمر الاتصال مع مكتب جرائم المعلوماتية في لبنان خاصة وأنه حوار من جهة واحدة؟
•في الحقيقة هو تواصل من جهتين. فهم يتصلون بنا لدى كتابة أي قطعة. منذ عشر سنوات ونحن نصدر أغنية وفيديو كلما شعرنا بحاجة للتعبير، وبدون دعم من أية جهة ليبقى الصوت حراً. ولم نحسب يوما حساباً للرقابة المسبقة. نكتفي بإطلاع موثوقين على ما نكتبه، ونعدّل ما نراه مناسباً. فيما بعد وصلنا لمرحلة التفكير بما نكتبه، وهذا ما نراه هدراً للوقت. ولهذا قررت مع نويل كتابة أغنية لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية تعبّر عن مشاعرنا. وهكذا بدأنا بالبنجور وأتصلنا بالمكتب «قبل ما يتصلو فينا».
○ وماذا عن الرد؟
•سافرت نويل إلى فرنسا وبدوري عرضت الأغنية على حائط منزل قديم في الجميزة، وانتظرت إنطباعات الناس. فقبل تسجيل الأغنية نقوم بأبحاث كي تأتي ممثلة لمجموعة أشخاص، وليس لنا فقط. تأكدت من تواصل الناس معها وسافرت إلى فرنسا لضرورات بطاقة السفر وأصدرناها من هناك. ربما نعرف رأي مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية لدى عودتنا إلى لبنان فليس معنا خط هاتف لبناني.
○ تعملان معاً فهل المهمات موزعة بين الكتابة والتلحين؟
•نكتب ونُلحن معاً. نكتب لحناً أولياً والمنتج الموسيقي كريم خنيصر يطوره بعد جلسات عمل مشتركة. في الكتابة نفهم بعضنا «ع الطاير». نكتب بين المزح والجد وبعض الـ»تعصيب». كذلك نُسجل العمل معاً ونتقاسم المهمات.
○ قلتما «الثورة فكرة». بعد مرور سنتين على انتفاضة 17 تشرين هل يمتلك اللبنانيون الفكرة برأيك؟
•ما من فكرة أو تجربة تُسحب من تاريخ البشر. بالطبع يمكن الضغط على الناس اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ودفعهم للإحباط، إنما يستحيل سحب الفكرة. مثلا يستحيل إقناعي بأن السلطة الحالية تعمل لمصلحتي، وأي تحرك مضاد لها خيانة. الفكرة ليست مجردة، فالتجربة تعطي الفكرة. وهكذا لدى كل منا ردّة فعل مؤجلة، فقد تعود طاقتي بعد ثلاث سنوات لكوني حالياً محبطة من الإنفجار.
○ «لن ننسى. لن نصالح. لن نساوم. لن نصافح». من تعنيان بتلك اللاءات الأربعة؟
•جملة قرأتها على انستاغرام خلال عملية «سيف القدس» في فلسطين تُظهر ردة فعل الفلسطيني على ظلم الصهاينة. شعرتها تعني شعب لبنان أيضاً، مع العلم أن الأحداث في واحد من بلدان المنطقة تنعكس عليها جميعها. تواصلت مع كاتب تلك اللاءات الأربعة وأستأذنته استعمالها في أحد أغنياتنا، فرحب، وهكذا ضُمت الأصوات بعضها لبعض. كما أني تواصلت مع عائلات ضحايا تفجير الرابع من آب للوقوف على رأيهم بالصور المستخدمة بحيث تكون ممثلة لهم، ووجدنا تشجيعهم. وهكذا توجهت هذه الأغنية مباشرة إلى السلطة المسؤولة عن هذا التفجير. نعم هو تفجير أظهر وكأن السلطة انفجرت بوجهنا، وبكل الأحوال هي تقتلنا ببطء أو بسرعة وكما ترى مناسباً. لهذا ومع قدوم موعد الانتخابات ليس لنا أن نساوم أو ننكسر. مع العلم أنه ليس سهلاً أن يكون أحدنا قوياً عندما يُطحن اقتصادياً وسياسياً.
○ بالمناسبة أغنية «منعيد ومنعيد» أظهرت نضجاً كبيراً في مقاربتكما للحياة التي نعيشها. نحن بصدد انتخابات ما بعد الانتفاضة برأيك «منعيد»؟
•بعد انتفاضة 17 تشرين 2019 لا أشعر بأننا «منعيد» وعلى المنوال نفسه. نحن الآن في حرب شد وجذب. «بيروت مدينتي» قالت كلمتها لأول مرة سنة 2018 ونحن الآن أكثر تنظيماً. لا شك أن أسماء عديدة ستكون تحت خانة «منعيد» والخرق أيضاً سيكون ملحوظاً، وهذا ما تقوله شاشات التلفزيون. ربما أكون محقة بأني لأول مرة أسمع وأرى من يتحدث بشكل مختلف في انتخابات 2018 وكانت نايلا جعجع، بهرتني ووجدت حديثها يمسني. ننتظر لنرى الحصيلة.
○ أغنياتكما الساخرة والعمق المعرفي الذي تتميز به تستدعي السؤال عن خلفيتكما الثقافية؟
•جميعنا في العائلة متأثرون بوالدينا. والدتنا تكتب الشعر ونشرت منه كتب عدّة. والدنا قارئ نهم وفنان في نحت الخشب. يتميز والدينا باللطف والرقة، ولا يتنازلان عن الحق ويرفعان الصوت لأجله. أهل بهذه المواصفات دون شك سيتركان أثرهما لدى أولادهما. إلى هذا مررنا كعائلة كما العديد من اللبنانيين في ظروف اقتصادية صعبة، بدون أن تترك أثرها على أجواء العائلة الفنية. جميعنا له شغف فني، شيقتنا معمارية وتكتب الموسيقى، وشقيقنا كاتب. وهذا ما شكل لنا جميعاً مساحة أمان لمواجهة ما يزعج أي منا. وعندما تحسن وضع العائلة الاقتصادي نسبياً كنا قد وصلنا إلى الجامعة. ربما لهذا كانت صدمتي أكبر من تصرفات الشباب والصبايا، عندما كنت أراقب «تفشيخهم». سلوكهم كان مضحكاً جداً، ولم يكن يستحق سوى سخريتي. ولأننا في منزل أكثر مقتنياته من الكتب كان الكتاب صديق تلقائي. هدايا الأهل في المناسبات اقتصرت على الكتب وأدوات رسم. نحن متأثرون بمسرح الرحباني، وكذلك نحب روايات فيكتور هيغو. وقرأنا أدباً من كل أنحاء العالم تُرجم للعربية أو الإنكليزية أو الفرنسية. مغرمون بالرسوم المتحركة، ونضمنها بعض أغنياتنا لأن تعبيرها أكبر من شكلها. نستمد الوحي من مصادر كثيرة، وهي قد تجتمع في مكان ما كما الجاحظ وموليير، ورؤيتهما النقدية للبخيل. وعند الحاجة يفلتر أحدنا إن صح التعبير مصادره ومعلوماته، ويستفيد مما يسهل مهمته. وكي يصدر أحدنا أعمالاً تترك أهمية في الزمن لا بد من مسافة تفصل بينها. نحن لا نعيش ضغط الـ»فانز» ولا نفكر أنهم سينسوننا. منذ سنوات ونحن نقدم أعمالاً ودائماً المسافة بينها بالحد الأدنى تسعة أشهر، حدث هذا استثنائياً خلال الثورة. وكل ما سبق تلك المرحلة من أغنيات فصل بينها سنة ونصف. نفضل العمل بالأفلام والقراءة لمزيد من الإطلاع. فثمة إيقاع صحي لكل إنتاج ذو قيمة لا يمكن تجاوزه. كما نهتم بالاستمتاع بإنتاج الأعمال سواء كانت فيلما أم أغنية، قبل التركيز على كيفية مقاربة الناس لهذا الإنتاج.
○ فنكما فيه راب أم هو راب فعلاً؟ ماذا نسميه؟
•السؤال صعب. لسنا حيال فن الراب. نوع الموسيقى يختلف بين أغنية وأخرى، ونريده مناسباً للأداء الطبيعي الذي نعتمده. وقد نقترب قليلاً من الراب أو شعر النثر أحياناً، وأخرى من البوب، أو نبني مقاطع على حوارات مثل أغنية «منعيد ومنعيد».