بيروت-“القدس العربي”:تنقل بين عدد من محطات التلفزيون اللبنانية وحافزه الدائم تقديم مادة إعلامية إيجابية، فهو يؤمن بالإعلام البناء. ميلاد حدشيتي منشغل بالتنمية البشرية، وإلى جانب تخصصه الصحافي درس البرمجة اللغوية العصبية، وأنجز ماجستير في علم النفس الإيجابي التطبيقي والتدريب على مهارات الحياة وعلى مدى ثلاث سنوات. والرسالة التي كتبها لنيل الماجستير من بريطانيا عالجت الأزمات التي تلمُّ بالصحافيين الذين يغطون الحروب.
مؤخراً ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ومع ارتفاع نسبة البطالة بات هاجس ميلاد حدشيتي وزملائه في جمعية “هيومن شيب” عقد اللقاءات الموسعة مع العائلات للبحث في سبل التضامن والتكافل في مرحلة صعبة.
معه هذا الحوار:
*بكرت بطرح موضوع التضامن والتكافل الأسري في المرحلة الجديدة التي يعيشها الشعب اللبناني. ما هي الحوافز؟
**جاءتنا الأعياد ونحن نعيش الأزمة الاقتصادية، وخلالها شعرت برغبة وحماس للمشاركة وعيش الأعياد بطريقة مختلفة لدى الكثيرين. تمر الشعوب بأزمات والأهم أن تعيها لتتعلم منها. لهذا طرحت السؤال “ماذا لنا أن نتعلم من هذه الأزمة وكيف لنا تحقيق نمو ما؟” وهذا ينطلق من قيم كنا نعيشها وتخلينا عنها. الناس الذين تشاركوا وتساعدوا وتضامنوا هم الذين أعادوا إحياء قيم الأعياد بعد بناء رؤية مختلفة عنها. منهم من تخلّى عن شراء عشرات الهدايا لمساعدة عائلات محتاجة. ومنهم من اجتمعوا على طاولات عشاء.
من هنا كان قراري بالعمل على المرونة النفسية ومعيارها الأول إعادة تقييم الأشياء بنظرة مختلفة ومتفائلة. وهذا بمفرده قد لا يجد حلولاً لتعقيدات معينة، لكنه سيساعد على استنباط حلول.
*وهل للتفاؤل أن يؤمن لقمة عيش أو فرصة عمل؟
**بل للتفاؤل أن يساعد الدماغ كي يستنبط حلولاً أكثر بكثير من النظر إلى مشكلة ما بتشاؤم. ويمكن للمرء النظر إلى ذاته في المرآة ليحدد مسؤولياته، وأي جزء منها عليه أن يتحمل.
*هل من مسؤولية تقع على عاتقك خارج إطار تقديم محاضرة لناس جاؤوا يسمعون محاضرة؟
**أنا جزء من جمعية “هيومن شب” ومؤسسها قبل أكثر من سنة، بهدف تعزيز التفاؤل والأمل بالاستناد إلى علم النفس الإيجابي وبناء على أطر علمية في مجتمعنا. وإن أردنا ترجمة “هيومن شب” قد يصح القول تعلم الإنسانية، الإنسانية الإيجابية مهارة يمكن اكتسابها.
*بدأ الحراك وتفاقمت الأزمة الاقتصادية وأنتم جمعية ناشئة فهل تبدلت النظرة للأمور؟
**في البداية سعينا لدعم المؤسسات والجمعيات والمدارس والعائلات بهدف تغليب لغة المشاعر الإيجابية والجميلة، منطلقين من أهمية الصحة النفسية. ومع بدء الحراك في لبنان وبروز الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وجدنا أن مثال الشجرة التي تلوي مع مرور العاصفة ولا تنكسر هو الأكثر ملاءمة لنا. إذاً علينا تعلُم الوقوف مجدداً.
*وهل لويْنا كشعب على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي في رأيك؟
**صحيح والخوف من وقوع من لم يلوِ مع العاصفة.
*ما هو دور علم النفس والإيجابية والتفاؤل في تحقيق رغبة رب عائلة لا يملك المال في شراء الخبز والبطاطا والعدس لأطفاله؟
**المطلعون على علم النفس يعرفون “بيراميد ماثلو” الذي حدد أولويات الإنسان بدءاً من الطعام، يليه الانتماء وتحقيق الذات. بكل تأكيد لن يأتي التفاؤل بربطة خبز. ومن شأن التشاؤم أن يتركني ألازم المنزل من دون البحث عن أي حل للحصول على الخبز، بعكس التفاؤل يمد الإنسان بالأمل لتحقيق هذا الهدف. وقد أكدت الدراسات أن المشاعر المزعجة تُضيِّق الأفق. دراسات كثيرة صدرت حول دور التشاؤم والتفاؤل في حياة البشر منذ التسعينيات وحتى الآن.
*من الضروري طرح السؤال مجدداً عن كيفية حصول طفل على حذاء يقيه مطر الشتاء ووالده عاطل عن العمل؟
**هدفنا بالمقابل أن ننمي لدى الإنسان الآخر بأنه مستفيد عندما يعمل لمساعدة سواه. كذلك نحن في حاجة لعدم لوم غير القادر على شراء ربطة الخبز كمثل القول له “ولووو أنت شاب وعليك أن تعمل”. بل علينا مواجهته بالحب الذي من شأنه أن يحقق الفرق. ومن شأنه أن يحفزه كي لا يستسلم وأن يبقى في بحث لتحصيل ربطة الخبز بشتى الطرق.
*”هيومن شب” جمعية اضيفت إلى جيش الـ”أن جي أوز” أم لديها أي جديد؟
**الهدف الأول الذي التقينا حوله كمجموعة شباب العمل لتكون الصحة النفسية أفضل على صعيد مجتمعنا. فالملاحظ أننا نهمل الاهتمام بالصحة النفسية. نعرف بوجود جمعيات معنيّة بالصحة النفسية، وتنشط في علاج الاكتئاب والقلق والإحباط، لكننا قررنا الذهاب باتجاه آخر. قررنا تشجيع الناس على امتلاك مشاعر الامتنان والأمل والتفاؤل. وأن يدركوا قيمة الامتنان والمشاركة وأهميتهما في حياة الفرد. وأولى حملاتنا بحثت عن الامتنان.
*أنتم بصدد سلسلة اجتماعات وندوات بهذا الشأن فماذا عن تفاعل الناس؟
**هو تفاعل كبير، ويحضر اللقاءات آباء وأمهات وأبناء أحياناً. نثابر في عملنا انطلاقاً من تشجيع الناس، ووجود مساحة آمنة تتيح للجميع التعبير عن مشاعرهم. بات معروفاً أن أغلبنا يواصل حياته بالتزامن مع نشرات الأخبار والبث المباشر، وبالتالي يكون القلق الناتج عنها. وبات كل منا يخاف من قلقه، ويخشى مستقبله. وبالتأكيد الخوف مبرر، وما نقوم به البحث عن إجابات لما يمكن تعلُمه. ثمة أفراد يبحثون عن استراتيجيات للتعامل مع الأزمة، منها على سبيل المثال تشغيل سيارة واحدة من قبل العائلة وليس أكثر. فأنشتاين يقول بإن اللجوء للأساليب نفسها التي أدت للمشكلة لن تؤدي للحل.
*هل تتساوى استراتيجيات المواجهة بين من فقد عمله وآخر عليه التنازل أو الانحناء للأزمة؟
*ثمة نصائح مشتركة بين الجميع. منها أين يتركز تفكير الفرد هل على المشكلة أم الحل؟ هل أمضي اليوم بالسؤال عن المسؤول عن مشكلتي أم في البحث عن حل للمشكلة؟ الجزء الأكبر من نشرات الأخبار ينصب على تحميل المسؤوليات وليس الحلول. والسياسيون يعرفون مكامن الضعف فيلهون الناس بعيداً عن التفكير بالحلول. وهناك كثيرون بيننا تعلموا الاستسلام وبأنه “ما بيطلع منا شي”.
*الأزمة مهما كان نوعها تحتاج لإدارة. كيف للعائلات أن تتضامن وصولاً لأفضل إدارة ممكنة للأزمة؟
**يتم ذلك عبر الوعي النفسي، والإدارة المالية الحكيمة، وكذلك التفكير الصحيح. كررت السؤال بأكثر من صيغة، فأنت تنقلين نبض الناس. والناس جميعهم في حاجة للتفكير بروية للتمكن من إدارة الأزمة وبذل الجهود للتمكن من ضبط المشاعر والتفكير والتصرفات. والضبط ليس القمع بل التعامل مع هذا الثلاثي عبر استراتيجيات بنّاءة.
*إنه صراع البقاء ومشهد موظفي مكاتب السياحة في هجومهم على مكاتب طيران الشرق الأوسط بسبب الدولار أظهر ذلك. فما رأيك؟
**مشهد يتساوى مع ما نعرفه عن الإنسان الأول الذي كان يصارع للبقاء على قيد الحياة. هذا الإنسان كان يقلق ويخاف ومن ثم يهجم لتحصيل لقمة عيشه. وهذا السلوك معروف باسم “سورفايفر مود” وكان الإنسان الأول يعتمده ليبقى على قيد الحياة ولديه ثلاث حركات إما الهجوم أو الهرب أو الجمود. وهذا هو حالنا مع الأزمة التي نعيشها. يحصل التغيير عندما نتحمل مسؤولية ما حصل. فهؤلاء المسؤولين نحن من أتى بهم وليس لنا نكران هذا.
*هل يطلب الناس استشارة محددة عندما تلتقي بهم؟
**من دون شك. تحتاج الناس لخطوات عملية في حياتها. ويطرحون أسئلة محددة لتسهيل الحياة. ونحن في جمعية “هيومن شيب” لا نسمح لذاتنا بالإرشاد على الصعيد الاقتصادي فهو ليس مجال عملنا. وما لاحظناه في الندوة الأولى التي جمعتنا بالناس أن الأزمة تركتهم يتجمدون. وفي الندوة الأولى حضر 160 شخصا. ونتطلع لعقد ندوات في مختلف مناطق لبنان.
*هل أنت واثق من قدرة من التقيتهم على تحقيق التضامن في إدارة أزماتهم الحاضرة والمنتظرة انطلاقاً من الوعي النفسي؟
**نعم. لأن الوعي النفسي يساعد الفرد في وضع نفسه مكان الآخر وبالتالي يصبح الحكم عليه أقل. كما يساعد الوعي النفسي على القيام بتعاطف إيجابي مع الحالة. الوعي النفسي يجعل الإنسان أكثر تقبلاً. وأشدد على أهمية التعبير الكلامي عن الأشياء، إذ هناك فرق بين رؤيتنا للأمور في أن تكون تحدياً أم خطراً. وهو الفرق المتمثل بين العقلية النامية والعقلية الجامدة.
*هل رسخ في ذهنك رد أو حصيلة خلُص إليها مشارك أو مشاركة في ندوات التوعية التي تعقدها؟
**ثمة خلاصة قالتها نازحة من سوريا. إذ قالت “سأعود إلى بلدتي وسأكون مديرة مصرف العائلة. وسأتمكن من تدبير عائلتي بمئة ألف ليرة شهرياً. فقبل الآن لم أكن ألمس المال بيدي”. أهمية الشعوب تكمن في استنباط أفعال من أزماتها.