ميلينا يسينسكا: كواليس رافنسبروك

داخل معسكر رافنسبروك – 50 ميلاً شمال برلين- وفي أيام كانت تُعَدُّ بدقات القلب لا بالدقائق أو الساعات، التقت ميلينا يسينسكا ومارغريتا بوبر نويمان عند «حائط النحيب» الحائط الذي وقف عنده المعتقلون بأرتال مُنتَظَمة ومشوا بقباقيب يشكل ضجيجها خريطةً صوتية ترسم حركة ما يقرب من 5000 معتقلة ومعتقل، تنوَّعتْ تُهَمُهم بين المعارضة السياسية، الانتماء إلى جماعات دينية محظورة، غجرا، مجرمين، يهودا، ومن كانوا يسمونهم اشتراكيين.
«اسمي ميلينا من براغ «، قدمت الصحافية التشيكية نفسها إلى الألمانية مارغريتا في معسكر الاعتقال النازي، عن ذلك اللقاء كتبت مرغريتا:» لن أنسى تلك النبرة الخاصة لصوتها، كان لديّ انطباع أن اسمها لم يعنِ لها كثيراً، بل ما عنى لها كثيراً كانت براغ! كانت طويلةً بكتفين عريضين مستقيمَين وملامح أنثوية رائعة، في شفتيها المقلوبتين وفرةٌ من العاطفة، أنفها دقيق جميل، أما جبهتها المغطاة بشعرها الأجعد فقد كانت تَنمُّ عن جديّة كبيرة. كانت ميلينا ممتلئة بموسيقى اسمها لدرجةٍ جَعلتْني أسكَرُ لمجرد لفظ اسمها».
في الحقيقة، كانت ميلينا أول صحافية حاورت مرغريتا بخصوص تفاصيل اعتقالها، وبسبب إعجاب مرغريتا الشديد بشخصيتها وجمالها، لم تتردد في إخبارها بما حدث معها إبان اعتقالها في أغسطس/ آب 1940، مشيرةً إلى أن اعتقالها جاء بعد سنوات من الرعب عاشته في الاتحاد السوفييتي، حيث تم توقيفها عن طريق الشرطة السرية NKVD في موسكو، وحُكِمَ عليها بخمس سنوات سجن مع الأشغال الشاقة. في البداية سُجنت مارغريتا في معسكر الاعتقال كارغاندا – كازاخستان، لتُسَلَّم بعدها للغستابو في ألمانيا عن طريق شرطة الدولة السوفييتية. استُجوِبَتْ هناك لعدة أشهر قبل إرسالها إلى معسكر الاعتقال رافنسبروك. إلا أن قصة مارغريتا لم تفاجئ ميلينا لأنها كانت تتابع ما كان يحدث في تلك الفترة وتعرف جيداً التُهم التي ساقها النظام الحاكم في موسكو آنذاك لتسويغ الاعتقال، لاسيما وأن ميلينا نفسها اعتُقِلَتْ بالطريقة ذاتها سنة 1939 حيث أرسلت إلى سجن درسدن، ثم إلى معسكر رافنسبروك.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا اعتُقِلتْ ميلينا وأُرسِلَتْ إلى رافنسبروك؟ للإجابة على هذا السؤال تنبغي الإشارة إلى أمرين مهمين: أولهما رسالتها إلى راديو موسكو بعد استقالتها من الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا سنة 1936، احتجاجاً على اعتقال عدد كبير من أعضاء الحزب في كل من تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، في تلك الرسالة فضحت الصحافية ميلينا الفظائع التي طالت الشيوعيين، وما كان يقوم به قادة (الوطن الأبوي لعمال العالم) إلا أن تلك الرسالة لم تُنشر في تشيكوسلوفاكيا السابقة، فقد رفضت صحافة بلدها نشرها، لتنشرها في ما بعد مجلة The Present في الولايات المتحدة سنة 1939 تحت عنوان (النصيحة الجيدة، تعادل وزنَها ذهباً) في تلك الرسالة طرحتْ ميلينا سؤالين مهمين: «نريد معرفة ما الذي حدث للشيوعيين التشيك والعمال العاديين الذين ذهبوا إلى الاتحاد السوفييتي منذ أعوام؟ أليس صحيحاً أن الغالبية العظمى منهم في السجون؟ الحمقى من الشيوعيين التشيك الذين ظنّوا أنهم – كشيوعيين- في أمان تحت مظلة (الوطن الأبوي لعمال العالم) ألم يَنَلهُم المصير المؤلم ذاته، الذي طال الشيوعيين الألمان عندما لجأوا في تشيكوسلوفاكيا؟». في الحقيقة، كانت مُحقّةً في ذلك إذ طالت حملة الاعتقالات الكثير من الشيوعيين ومات الكثير منهم بالظل لتسويغ (التطهير) بعد أحداث 1936 خلف «ستار ستالين الحديدي»!

ميلينا يسينسكا

ثانيهما: اعتقال ميلينا من قبل الألمان في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1939 مع عشيقها الطالب التشيكي لومير سيفرني، الذي كان في شقتها لإعطاء ابنتها يانا اتشيرنا دروساً خصوصية، ويساعدها في حل وظائفها المدرسية، إلا أن لومير كان ينتمي إلى تنظيم مقاومة سرية للنازية كما عمل في طباعة الصحف والمنشورات فاعتُقل الاثنان بغية استجوابهما كلا على حدة، لكن تم توقيفهما في زنزانتين قريبتين من بعضهما. قبل البدء باستجوابه أُحضِرتْ ميلينا لتنظيف أرضية الزنزانة التي تم توقيف لومير فيها فاقتربتْ من مكان جلوس لومير وهي تحرك دلو الماء الخاص بها مسرعةً مع خِرقَتِها فقد كان على مرمى السمع. همست له بجملتين قصيرتين: «لم أُخبرهم بشيء، لقد كنتَ مُجَرَّد مدرِّسٍ في المنزل.» أثناء استجوابه، أكَّد لومير ذلك ليثبتَ براءته من أي شبهة فأطلق النازيون سراحه. أما ميلينا فقد احتُجزت في البداية في سجن بانكراتش في براغ، وفي وقت لاحق تم إرسالها إلى درسدن، حيث بدأت المحكمة الألمانية بمطابقة الأدلة لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، فلم تجد ما يدينها فتمت تبرئتها من تهمة التعاون مع أي صحيفة غير قانونية. عادت بعدها إلى مدينتها، ليتم اعتقالها من جديد من قبل الغستابو في براغ، وتُرسَل من أجل «أن تتعلم من جديد» في معسكر الاعتقال رافنسبروك! (كتاب يانا اتشيرنا ابنة ميلينا الذي حمل عنوان «ميلينا كافكا» ترجمة جورج غيبيان 1993).

منذ أن سَرقتْ ميلينا الزهور من القبور لتوزعها كهدايا، إلى أيامها الأخيرة في معسكر رافنسبروك، اتسمت حياتها بكرم الروح، وتألقت هذه الصفة من خلال عملها الصحافي الذي منحها أخيراً السمعة التي اكتسبتها خلال أكثر الأوقات اضطراباً في تاريخ التشيك الحديث.

تصف يانا الوضع الصحي لوالدتها بعد اعتقالها في معسكر رافنسبروك: «منذ أن غادرتْ درسدن، كانت حالتها الصحية سيئةً، ومن المعروف أنه خلال فترة اعتقالها في رافنسبروك لم تذهب إلى طبيب للعلاج، الأمر الذي أدى إلى إصابتها بأمراض أخرى، ولا سيما التهاب الكلى. لكن ميلينا كانت واحدةً من أولئك الأشخاص الذين يُفَضَّلون الصحة العقلية على الجسدية، معتمِدةً على قدرتها الروحية الهائلة التي ستساعدها في التعامل مع كل شيء، لكنها استنفدتْ ذلك الاحتياطي الروحي بسبب العداء من جميع الجهات والخراب التام الذي حلَّ بتلك الجهات، وهو ما قَوَّض وأضعف قدرتها الجسدية على التَحَمُّل». كانت تنظر إلى يديها برعب فتراهما تتغيران، لكنها كانت تتظاهر بأن صحتها جيدة، وأن كل شيء على ما يرام، إلى أن وصل الطبيب ترايتي إلى رافنسبروك وواجهها بحقيقة إصابتها الخطيرة بالتهاب الكلى. عندما التقت ميلينا بالدكتور ترايتي في غرفة المرضى عالجها بلطف خاص، وثِقتْ به عندما أخبرها أنه حضر محاضرات والدها خلال أيام دراسته في براغ، وأن الأمل الوحيد لإنقاذها كان بإجرائها عملية جراحية فأعطت ميلينا موافقتها على تلك المحاولة الأخيرة لتنقذ حياتها، التي كانت تعني لها الكثير. في يناير/ كانون الثاني 1944 تم نقلها إلى غرفة العمليات وطلب الطبيب ترايتي من مساعديه أن ينقلوا لها الدم. تقول صديقتها مارغريتا بوبر نويمان: «عندما ذهبتُ لرؤيتها في منتصف النهار سلَّمتْ يديها إليّ مبتهجة: «كلا الكليتين ورديتين، أنا الآن مثل أي شخص سليم». بعد العملية، تحسنت صحتها لبعض الوقت حيث ساعدتْها عمليات نقل الدم المتكررة التي أعطاها لها الدكتور ترايتي، لكن خلال شهر مايو/ أيار، تدهورت حالتها الصحية بسرعة. بعد ظهر يوم 15 مايو 1944، وبينما كانت مارغريتا في العمل، جاء شخص ليخبرها أن ميلينا تحتضر، دون أي تفكير ذهبت لتراها وعندما اقتربت منها لم تكن ميلينا قادرة على الكلام، جاء أصدقاؤها التشيكيون من المعسكر ووقفوا حول السرير، حدَّقتْ ميلينا بهم بسعادة بعينين كانتا تقولان: وداعاً أيتها الحياة. لكنها صارعت الموت حتى 17 مايو 1944 في ذلك التاريخ تم وضع ميلينا في غرفة محرقة الجثث. وأُرسل الطبيب ترايتي برقيةٌ إلى والدها الطبيب يسينسكي يخبره بوفاة ابنته، وأنهُ يمكنهُ الحصول على أشيائها التي أرسلت إلى براغ.
منذ أن سَرقتْ ميلينا الزهور من القبور لتوزعها كهدايا، إلى أيامها الأخيرة في معسكر رافنسبروك، اتسمت حياتها بكرم الروح، وتألقت هذه الصفة من خلال عملها الصحافي الذي منحها أخيراً السمعة التي اكتسبتها خلال أكثر الأوقات اضطراباً في تاريخ التشيك الحديث. الأمر الذي دفع الشاعرة التشيكية ماري بويمانوفا لمخاطبتها: « يتيمةٌ قبل ولادتكِ/ طفلةٌ وراء سور دائماً ما تتسلق الجدار إلى جنة مليئة بشظايا الزجاج/ أجل.. لقد غسلْتِ أفراح الآخرين/ أيتها اللاجئة من الحياة/ وما زلتِ تحملين الاسم القديم لمعسكر الاعتقال».

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية