«مين قال» دراما عائلية تنتقد السُلطات التعسفية للآباء

كمال القاضي
حجم الخط
1

بات من الصعوبة بمكان البحث عن مسلسل جيد وسط ركام الأعمال التجارية التي تخاطب غرائز المُنحرفين من هواة القتل والتعذيب والبلطجة وتجار المخدرات وأرباب السوابق، فالمتوافر بكثرة على الشاشة الرمضانية لا يخرج عن هذه النوعيات المُكرر عرضها في كل المواسم والتي لا يمل الكُتاب والمخرجون من الدوران حولها في إطارات وسياقات مُختلفة برغم رفض الغالبية العظمى من الجمهور لها. ولأسباب غير معلومة يتم ترحيل الأعمال الجادة إلى الخانة الأخيرة في الجدول الزمني، فإما أن تتم متابعتها بعد مُنتصف الليل أو في وسط نهار رمضان، وبالتالي تتوه القيمة الفنية والدرامية للعمل مع لخبطة المواعيد وحالة الزحام والفوضى وهيمنة المُسلسلات ذات الإنتاج الضخم على النوافذ المرئية والأكثر انتشاراً واحتكارها لأوقات الذروة التي تتصاعد فيها مُعدلات المُشاهدة.
من الأعمال التي ظلمها توقيت العرض والإنتاج المتوسط مسلسل «مين قال» للمخرجة نادين خان ابنة المخرج الكبير الراحل محمد خان. فبرغم أهمية القضية التي تتم مناقشتها والحضور القوي للبطلين جمال سليمان وأحمد داش إلا أن التركيز الجماهيري على المُسلسل لا يُناسب مستواه الفني الفارق ولا الأداء المتميز لجميع الأبطال، لا سيما أن الموضوع المطروح يستحق المُتابعة والانتباه، خاصة أنه يرتبط بقضية اجتماعية وعائلية غاية في الحساسية والدقة تتصل تفاصيلها بأخطاء التربية الكلاسيكية التي يقع فيها الآباء بحسن نية فتنعكس أضرارها على الأبناء الذين يفقدون بوصلة التواصل مع آبائهم نتيجة سوء التفاهم المستمر بينهما.
لقد فتش كاتب المُسلسل مجدي أمين عن تفاصيل الخلاف الدائم بين الآباء والأبناء فعمل على إبراز الأسباب التي تؤدي إليه والتي من بينها استخدام الأب لسلطته ومحاولة فرض رغباته بالقوة بغير اكتراث لما يترتب على ذلك من ردود أفعال غاضبة من ناحية الأبناء، وهي الإشكالية الأزلية التي نتج عنها الكثير من المُشكلات التي تزداد تعقيداً بمرور الوقت وتكون نواة لفقدان الثقة بين الطرفين وخلق حالة من العصيان والتمرد على السلطة الأبوية.
تلعب نادين خان بحساسية على التفاصيل كمكون أساسي للموضوع الشائك وتلفت النظر إلى دقتها وأهميتها في رأب الصدع أو اتساع الهوة بحسب مُقتضيات الأزمة وحدود الخلافات، كما أن جمال سليمان يلعب دوره بمهارة عالية وإجادة كاملة في الأداء، فهو يعايش الشخصية ويتماهى فيها، فهو أب في الواقع ويعرف جيداً أسرار العلاقة بين الأب والأبناء، وكذلك يقدم داش دوراً محورياً ويبذل جهداً حقيقياً في تأكيد إحساسه بشخصية طالب المرحلة الثانوية الذي يقف حائراً في مُفترق الطرق نتيجة عدم تكيفه مع طباع الأب الصارم الذي يُصر على دخوله كلية الهندسة، بينا يرغب هو في دخول كلية التجارة لتأهيل نفسه للعمل في مجال البزنس.
المخرجة استعانت بعدد من الوجوه الجديدة للقيام بالأدوار المُساعدة، من بينهم ديانا هشام وإلهام صفي الدين وأميرة دياب، وقد أصابت في اختيارها لمجموعة البنات الصغيرات ومساعدتهن على أداء الأدوار ذات الصلة بالأدوار الرئيسية والموضوع محل النقاش، حيث يؤدي ظهور الوجه الجديد غير المعروف إلى تأكيد عنصر المصداقية لأن المُتلقي يفترض أن الشخصية التي تلعب الدور هي جزء من الموضوع.
ومن عوامل تميز المسلسل أيضاً أنه لا يطرح الخلافات بمعزل عن سياقاتها فهناك وعي كامل لدى الكاتب والمخرجة بانتظام الوحدات الدرامية المُنفصلة المُتصلة فليس هناك افتعال لأية مشكلة خارج ضروريات الحكاية التي تقوم أسسها على مفهوم أعمق هو اختلاف الثقافات والمُدركات الحياتية بين الأجيال بحكم السن والخبرة، إضافة إلى تجاهل التطور السريع في المفاهيم وارتباطه بأصل الأزمات، حيث أنه من غير المنطقي وقوف الابن عند الحدود الثقافية للأب الذي تربى بشكل مُختلف وتعود على نمط فكري وحياتي مُعين كان بالأمس يناسبه واليوم ليس بالضرورة أن يناسب الابن. وتكاد تكون هذه الجزئية بالتحديد هي التي حاول المسلسل أن يُشير إليها بشكل غير مباشر، بمعنى أنه توقف أمامها وعبر عنها من خلال تضمينها داخل المواقف اللائقة والمُتجانسة وهو ما يُسمى بالتناول الموضوعي المُتصل بجسم المشكلة وحجمها وتأثيرها على الأطراف المُختلفة سواء كان الأب أو الأم أو الأخ الأكبر العائل أو أي ولي أمر آخر يمتلك سُلطة ونفوذ وله صلاحية اتخاذ القرارات المصيرية التي من شأنها إحداث تحول في مستقبل من يقع عليهم القرار.
المُدهش أن الرؤى المُقدمة في مسلسل «مين قال» تعبر بشكل واقعي عن أزمات نفسية وعائلية تحدث في آلاف الأسر المصرية وغير المصرية وهو ما يؤكد تزايد هذه النوعية من الصراعات الداخلية بين أعضاء الأسرة الواحدة، لكن القليل منها فقط هو ما يجد سبيله للحل في ظل الاعتقاد بأن الإفصاح عن المُشكلات الأسرية هو إفشاء للأسرار الخاصة وهذا هو مكمن الخطورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية