مي قاسم: جدتي اعتزلت الفن وثابرت على متابعة كل جديد بعين ناقدة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:بعد فيلم “نورهان” تستعد المخرجة مي قاسم لتقديم فيلم روائي طويل بطلته امرأة تعيش في عالم تنهشه الحروب. ربما لا تكون المهمة مستحيلة ففي الواقع الحروب تلفنا، وأثرها دائماً أشد قسوة على النساء.

مي قاسم المتخصصة في كتابة السيناريو، والشغوفة بالرسوم المتحركة كوسيلة تعبير سجلت نجاحاً في فيلم “نورهان” الوثائقي. هو فيلم عن جدتها التي تركت عالم الشهرة وهي في أوجها. قدمت قاسم للمشاهد تجربة امرأة مغنية، ممثلة وأم. الجدة “خيرية” واعية ذكية وفطينة في إدارة حياتها في كافة مراحلها. ويمكن وصف الفيلم بعصارة تجربة خصبة ومفيدة.

معها هذا الحوار:

*كيف تختصرين شخصية نورهان صاحبة الشهرة التي طوت الصفحة بقرار صارم وعادت لخيرية؟

**يمتد الفيلم لساعة و12 دقيقة، واختصار شخصيتها بأقل من ذلك صعب. لو أردنا وصف نورهان فهي شخصية متعددة الجهات، وعلاقتي العاطفية بها شكلت جزءاً واضحاً في الفيلم. نورهان ليست امرأة قوية وذكية ولديها حضور وفنانة عظيمة فقط، بل هي كذلك إنسانة معطاءة وحنونة. حنانها كجدة كبير، وأظن أن هذا الحنان كان جزءاً من علاقتها مع الجمهور. وهذا ما ورد خلال قراءتي لحياتها في الفن وعلى المسرح.

*نورهان درس في الحياة. فماذا قال لك؟

**في الفيلم أكثر من محطة شكلت فيها نورهان مدرسة. منها طريقة فهمها للحياة وتعاطيها معها. أتحدث عن ما يفوق الـ40 سنة من العلاقة مع جدتي وفيها الكثير من المحطات. وكل من يتابع الفيلم يمكنه أن يتأثر بما هو مناسب له. فقد وصلتني ردود أفعال من نساء فنانات كانت لهن محطات مع الفن، منهن من قررت وضع نقطة على سطر الفن في حياتهن بهدف بناء عائلة. بعض هؤلاء كنّ في صراع ذاتي حول القرار بوقف أو متابعة الفن. بعد مشاهدة الفيلم كانت لهن ردة فعل قوية ومؤثرة. نعم سرد الفيلم حياة امرأة فنانة في زمن الأربعينيات والخمسينيات، وفي المقابل كان هناك كم من العقبات تواجهها كامرأة تقوم على تنشئة طفل بمفردها، وهي فنانة. في رأيي الأسئلة عينها لا تزال مطروحة في زمننا هذا، بل لا تزال من الأسئلة المهمة.

*هل حدثت مفاجآت خلال التصوير، وهل اكتشفت ما كنت تجهلينه لدى جدتك؟

**حصلت الكثير من المفاجآت بدون شك. هي لحظات صغيرة كنا نتوقف عندها معاً ولم تكن هناك ضرورة لأن ترد في الفيلم.

*ماذا ورثت من جينات جدتك؟

**علمياً نحن نرث من الجينات أكثر بكثير مما نعرف. لا تقتصر الجينات على الشكل الفيزيائي. نرث كذلك الخبرة والمعلومات ويصلنا من أهل أبعد من أقارب الدرجة الأولى. من الصعب تحديد الإرث الجيني. ولكوني عشت وكبرت قرب جدتي مرّ بيننا شعاع معدٍ هو الشغف، حب الحياة، الموسيقى، الفن، المزاج وحتى حب الطبخ.

*هل تمنيت وراثة أمر محدد من جدتك هو ليس لك الآن؟

**لا أعتقد ذلك. أنظر جيداً لما أخذته منها وما أنا عليه كشخص لأحدد الفرق تماماً بيننا كفردين، وكطموح ورؤيا. رؤية جدتي عن الحياة أغنتني كثيراً، ويبقى لي حيزي الخاص وأسلوبي في التعاطي مع هذه الحياة.

*لماذا طال زمن الفيلم فقد بدأته في 2008؟

**حينها كنت ما أزال في نيويورك، زرت جدتي صيفاً وسجلنا معاً لساعة على شرفة المنزل الجبلي. أعلنت تعبها. في اليوم التالي كان تسجيل آخر، وسافرت. عدت في 2009، لمتابعة التصوير الذي استغرق وقتاً، فجدتي ليست على الدوام في مزاج جاهز للتصوير. كما أني شخصياً لم أكن أدرك مسار الفيلم، وهذا ما اتضح لي بالتدريج بعد مزيد من التعمق في شخصية جدتي. عندها أقلع الفيلم بالشكل المطلوب. فقد صورت معها 26 ساعة من الحوار خلال خمس سنوات. ما صورته ليس فقط عن جدتي، بل من عاصرتهم كذلك، منهم محمد عبد الوهاب، محمد عبد الكريم، محمد عبد المطلب، تحية كاريوكا، بديعة مصابني، أمال العريس وجميع من عاشت معهم تجارب فنية، وهؤلاء في إمكاني أن أخبر قصصهم من خلال جدتي، فقد ربطتها بهم صداقة وليس أي شيء آخر. نورهان اعتزلت الفن لكنها تابعت كل جديد من حولها. فهي تتميز بنظرة فريدة عن مسار كل فيلم تتابعه. لهذا قررت التوقف عند كل نقطة تتيح لي التوسع.

*وهل كانت لك جرأة الاختصار؟

**نعم في النهاية يجب تحديد الأهم، وكذلك عرفت لماذا أخبر قصة نورهان جدتي. وهذا ما توصلت له بعد سلسلة أحاديث مع أصدقاء وفنانين وكتاب.

*منحت هذا الوثائقي نسقاً حيوياً مشوقاً عبر سبل تنفيذ متعددة. هل لأنه فيلم شخصي وخاص كما وصفته؟

**فيلم “يوميات حراك” عن حراك سنة 2015 بخصوص النفايات عرض في مركز “مواطنون ومواطنات” وحصل بعده نقاش غني. في كل عمل أقدمه العامل الشخصي موجود بدون شك، فلست بصدد تقديم ريبورتاج. الوثائقي في رأيي يحمل على الدوام وجهة نظر شخصية، فيما يعرض الريبورتاج وقائع محددة. كذلك في أفلامي الوثائقية بعض من رواية.

*كيف يستقبل الجمهور عملاً شخصياً خاصة الجيل الجديد الذي لا تروق له أغنيات الزمن الجميل؟

**أعتقد أن ذلك يتم بسهولة. فصوت نورهان وموسيقى ذاك الزمن وكذلك كلمات الأغنيات تمس المشاعر. ولا ننسى شخصيتها وحميمية حضورها. نحن نحتاج من يتحدث بهذه الصراحة.

*كانت للفيلم مشاركات في مهرجانات عالمية فماذا عنها؟

**صحيح منها سيدني، ليون، مارتينيك، اوكرانيا. في رأيي ليس لهوية المتلقي صلة تمكنه أو تمنعه من استيعاب ما يقوله الفيلم. حياة نورهان في اعتقادي أكثر من خاصة بل هي عالمية. شفافيتها وحميميتها في الفيلم ساعدت في وصولها لكل متلقي.

*ماذا قالت حين شاهدت الفيلم؟

**تلتقه كمن يتعامل مع ألبوم صور. فهي لا تستمر طويلاً في المشاهدة المركزة بل تسرح في أفكارها. ثمة مشاعر تتولد لديها وتذكرها بحياتها. خاصة وأنها تعترف بأن السينما هوايتها الوحيدة. وقالت في الفيلم أنها كانت تأخذ المال من جدي وتذهب يومياً إلى السينما. كما قالت إنها كانت تنسى أنها متزوجة خلال وجودها في صالة السينما. يمكن وصفها منذ صغرها بأنها فصيحة وذكية، وكانت تختار للمشاهدة الأفلام الغربية وكذلك المصرية. لهذا عندما كانت حيال مخرج ليس لديه شغف السينما انتقدته بشكل لاذع.

*أنت في صدد فيلم روائي طويل فماذا عنه؟

**انتهى تصويره وأنا بصدد إنجاز المكساج. يتحدث الفيلم عن امرأة تعيش بصعوبة في عالم تلفه الحروب، وقريباً سيشارك في مهرجانات. كتبت سيناريو الفيلم وأمثله كذلك. كما صورته جميعه باستثناء اللقطات المتحركة لي في الفيلم وصورني خلالها المخرج الصديق كريستوف كراباش ومثّل معي، وزميل آخر في الولايات المتحدة هو روبرت كلودني مثّل معي وصورني في بعض المشاهد. كما طلبت من آخرين في الشارع تصويري. وقد حدث ذلك في الولايات المتحدة. استغرق الفيلم سنتين من التصوير بين باريس ونيويورك. وهو من إنتاجي.

*أنت الشخصية الرئيسية في الفيلم؟

**صحيح. لم أكن أرغب في ذلك، بل بنساء ثلاثة يقمن بالدور، شقيقتي، إحدى صديقاتي التي تغني وأنا. ولكن لم يستقم الأمر فحللت بنفسي في الشخصيات الثلاث.

*وماذا عن فيلم بيروت، باريس، نيويورك؟

**هو فيلم وثائقي أعمل لإنجاز تصويره. هو فيلم يحاول المقارنة بين هذه المدن الثلاث وما كانت عليه منذ 20 سنة حتى الآن. وفي حوزتي أرشيف عن تلك المدن، التي أتحدث عنها وعن المساحات العامة، الصراع على الأرض، عالم المدينة، الحواجز، الحدود، اللاجئين والأرض والكون.

*هل درست الصور المتحركة فأنت تجيدين توظيفها؟

**عندما تعثر تحقيق الدعم لإنجاز فيلمي الأول لسنوات، قررت أن يكون بالرسوم متحركة، ووجدتها وسيلة مساعدة في تعبيري عن نفسي. عندما نفهم أسلوب الرسوم المتحركة، فتطبيقها متاح بأكثر من طريقة. درست الرسوم المتحركة مع مارتي ايبراهامز في نيويورك، وتعلمت أكثر من طريقة في استعمالها.

*تقدمين “ساعة موسيقى معاصرة الكترونية وكسدورات صوتية” في راديو لبنان. هل من تبادل فني بين الموسيقى والسينما؟

**هو القسم الأجنبي من راديو لبنان أقدم من خلاله أيضاً برنامج “موسيقى الشعوب” كل يوم سبت الساعة الخامسة، وبرنامج “ساعة موسيقى معاصرة وكسدورات صوتية”. ليس بالضرورة البحث عن ترابط أو تبادل. من جهتي أكتب كذلك الموسيقى من خلال العزف على البيانو. كل ما أقوم به من أعمال في إطار الفن يتساعد ويتعاون، وليس لي تحديد أين يقف هذا الفن أو أين يبدأ، أو أين يستفيد أحدها من الآخر.

*وأين يقع التعليم في حياتك المهنية؟

**حين أدرّس كتابة السيناريو ففي هذا الجانب أكون مع آخر في حياتي، في حين أن بقية المهمات أو الأعمال تتصف بأنها انفرادية. أسلوبي في التعليم يساهم في تشجيع الطلاب أو المشاركين في ورشات العمل للإنفتاح والحديث عن ما يمسهم من قضايا للتعبير عنها في الأفلام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية