مًقاهي الرًّصيف وًزُمًر الدًرًّاجات النًاري

حجم الخط
0

يتعشّق الإنسان مهارة توازنه على الدراجة الهوائية وهو طفل في نعومة أظفاره، ويكون ذلك مقدّمة سًهلة ومُشجّعة لركوب الدراجة النارية. لست من أولئك، لأن محاولتي الأولى إستغرقت بضع هنيهات من المعاناة الداهمة، عندما إختلست فرصة ركن البلّاط درّاجته الهوائيّة على مدخل منزلنا الذي كان قيد إعادة الترميم. وضعت رجلي اليسرى على عًجًل، على الدوّاسة اليسرى.
وهممت باعتلاء المقعد العالي، وإذا بي أدفع عجلات الدرّاجة بسرعة الى الأمام، ممّا أدّى الى إرتطامها في فخارة ضخمة للمُونة – كان والدي قد غسلها ووضعها في الخارج حتى تجفّ رطوبتها فتحطّمت شرّ تحطيم، واحدث ذلك دويّا عاليا، هرع على إثره البلّاط مع الوالد لاستيضاح صدى التحطيم. انتهى الأمر بنهي وزجر لم يتعدًّ قسوة الكلام، بل كان لهذه الحادثة لاحقا، الأثر البالغ بعدم محاولتي من جديد. مضت السنين، وكنت دائما أتمنى لو اكتسبت هذه المهارة حتى تسهل أمامي وسيلة نقل تتجنّب زحمة السير، وتخفّف عني كلفة التنقّل. أعتبر نفسي من عشّاق الدراجات، ومن هواة مشاهدة هذا النوع من السباق على القنوات التلفزيونية، كتعويض عن مهارة وًدًدتُ لو اكتسبتها.
ولست من المغامرين لاكتسابها في هذا العمر، تجنّبا للوقوع في نفس التهلكة التي أودت بحياة إبن بلدة الفريكه، الأديب اللبناني المهجري، عند محاولته تملّك هذه المهارة في سن الكهولة. أمّا اليوم، وتحديدا، عشيّة الأحد الواقع في الثلاثين من شهر حزيران (يونيو) 2013، فأنّني في حالة من الغضب والتوتّر، سًبًّبًها وصول زمرة من راكبي درّاجات ناريّة الى المقهى، وًرًكن درّاجاتهم على طول واجهة المقهى، مع إحداث ضجيج ودخان خانق للانفاس، قبل إطفاء محرّكاتها. ترجّلوا جميعا، ودخلوا الى المقهى المزدحم، مُحدثين ضوضاء وفوضى، كما لو أن ثيرانا بريّة قد دًهًمًت المكان. انهمكوا في تجهيز مقاعدهم التي لملموها عن الطاولات المشغولة. خلعوا عن رؤوسهم الخوذات، وعن أجسادهم اللباس الواقي من الإرتطام في حال حدوث حادث ووقوعهم على الأرض. جلسوا في حلقة وتخاطبوا بأصوات عالية، ولم يبدوا أيّ تهذيب أو إحترام لحرمة المكان والحاضرين. ظنّوا أنّهم من عليّة القوم، ولكنّهم من حُثًالتها، دون شك أو ريب. لم يكونوا مراهقين، بل بعضهم كسى الشيب شعر رؤوسهم ولحاهم الطويلة، وبعضهنّ، اللواتي قدمن معهم على الدرّاجات، كُنًّ من العوانس اللواتي قد عبرت عُذريًّتهنّ أجيال من فحولة الذكور، وكنّ يتبرّجن بخلاعة فاحشة فاضحة. غرقت في هذا الوطيس، وتلمًّستُ الرُكونً الى الذات الصامتة. حوّلتُ عنهم ناظريًّ، وتخيّلتُ أنني في معرض للدرّاجات الناريّة، حتى أسهو عنهم قليلا، وأُكملُ أشعالً الغًليون الذي امتهنتُ مًهارةً صُنعه من إخشاب أغصان أشجار السنديان والزعرور في غابات ووديان نابيه العذراء، بعد ارتفاع أسعار غلايين ‘دانهيل’ لكن دون جدوى. غادرتُ المقهى، لكنًّ خُطُوًاتي ضلّت بُوصلة مًسارًها الصحيح نحو السيارة ولم تًهتدي اليها سوى بعد متاهة ذهنية في الشارع الخاوي الطويل. لا زلت من عشّاق الدرّاجات الناريّة، رغم إقتناءها أحيانا من أمثال هؤلاء الأوباش وحثالة القوم، الذين لا تليق بهم وبحضورهم سوى الزرائب وأوكار السوقة.
هؤلاء يلوّثون الامكنة التي تُعطي الصُورة الحقيقيّة للعفويّة الترفيهيّة التي تجمع الناس في لبنان على مختلف نوازعهم ونزاعاتهم، في جوّ من الإلفة والحميميّة الدافئة، التي تفتقدها كل مقاهي الدول العربية، دون إستثناء. هناك زُمًر أخرى مُشابهة لما ذكرتُه، وخاصة في مقاهي الأرصفة المشهورة في لبنان، ًتُسيء التصرُّف أيضا، ولا تلتزم بالآداب العامة، وعلى إدارات هذه الأماكن، بالتنسيق مع السلطات الأمنية المحليّة، وضع حدّ لهذه الظاهرة اللامُجتًمعيًّة المتفشّية مؤخرا في مقاهي الأرصفة لمدينة بيروت وضواحيها. لم يبقً لنا في لبنان سوى هذه الأماكن لإنعاش النفس المتوحّدة، والتواجد بين جُمُوع لا تًجمع فيما بينها سوى صفة الإنسان الكائن الحي، في مجتمعات غًلًبً عليها طابع التخلّف العًارم والتًعصُّب المًذهبي القًاتل.
سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية