مَذَاقُ «المَادْلِين»

المَادلين Madeleine كعْكَة صغيرة على هَيْئة صَدَفَةٍ أو مَحَارة فيها نكهة الليمون أو زهرة البرتقال، هي على الأغلب الأعم اختصاص فرنسي يعود إلى القرن الثامن عشر، ويقال إنها تنسب إلى خادمة في قصر المركيز باروتان دي بومان Perrotin de Baumont تعرف باسم مادلين بولمياي Madeleine Paulmier كانت تعدها في هذا القصر لسيدها وقد تعلمتها من جدتها.
تقول الحكاية إن المادلين كان بديلا من مأدبة أخرى فاخرة أفشلتها خصومة في المطبخ بين الطباخ وقيم القصر، يبدو أن الخصومة وصلت إلى حد اتلاف كل الأكل. النبلاء إذا جاعوا يمكن أن يتخلوا عن أكلهم المألوف شرط أن يرفعوا من شأن الأكل البديل. جربت الفتاة مادلين حظها في تقديم هذه الحلوى الشعبية، فلاقت استحسان النبلاء، وصارت من أكلاتهم.
لا نريد أن نتحدث ههنا عن انتقال حلوى شعبية إلى علامة ملكية لتعود من جديد إلى الشعب، من بوابة النبلاء، بل ما يعنينا ههنا رمزية اكتسبتها هذه الحلوى من طريق أحد الكتاب الفرنسيين المشاهير وهو مارسيل بروست Marcel Proust صاحب رواية « «في البحث عن الزمن المفقود». حين تقول اليوم «مادلين بروست» أو «مذاق المادلين» فأنت تعني شيئا مرتبطا بمذاق المادلين، لا علاقة له بالحلوى نفسها، ولا بالخادمة التي رفعتها حلواها الشعبية لتصبح من المشاهير المخلدين، بل ترمز العبارة لكل شيء يثير فيك ذاكرة ما، أو تنشط في ذهنك ذكرى ما تعود إلى طفولتك؛ فمذاق المادلين هو رمز لكل ذكرى عالقة في ذهنك، لم تستطع على مرّ السنين أن تتخلص منها، بل هي دائما ترجعك إلى طفولتك.
في المجلد الأول من رواية «في البحث عن الزمن المفقود» وعنوانه «في جوار سوان» الذي طبع لأول مرة عام 1913 يقول بروست: «وفجأة لاحَت لي الذكرى. كان هذا المذاق مَذاقَ قطعة مادلين صغيرة، كانت تقدمها لي العمة ليوني صباح يوم الأحد، في كومبراي (لأنني لم أكن أخرج من المنزل قبل القداس في ذلك اليوم) عندما كنت أذهب لتحيتها في غرفتها، كانت تقدمها لي بعد أن تغمسها في شايها المنقوع، أو في شرابها من الزيزفون. لم تكن رؤية المادلين الصغير تذكرني بأي شيء قبل أن أتذوقها» (الترجمة لنا).
كيف استطاعت «مادلين بروست» أن تكتسب هذا الطابع الرمزي، وباتت رمزا لكل ما يغرقنا في ذكريات طفولتنا؟ يقول السيميائي البلجيكي جان ماري كلينكنبارغ في كتابه «مختصر في السيميائية العامة» وهو يستشهد بهذا المثال في فصل له عن الرمز: «بعض الرموز لها طابع اجتماعي أكثر من غيرها، لكن رموزا أخرى لها طابع اجتماعي أقل. فعلى سبيل المثال فإن/ مذاق المادلين/ الذي يرمز لـ« ذكرى من (قرية) كومبراي (الخيالية)» هو علاقة رمزية، ورمزيتها لا تكتسب دلالة، على الأقل في بدايتها، إلا للسيد مارسيل بروست» (الترجمة لنا). الطابع الاجتماعي الذي يكون للرمز هو أن تتواضع جماعة معينة على أن تستخدم رمزا ما لفكرة معينة، من ذلك أننا نستخدم اللون الأخضر اليوم للبيئة، فهذا رمز اجتماعي موسع يعرفه العالم بأسره. لكن الهلال رمز مقتصر على الثقافة الإسلامية؛ ويقتصر الصليب على الثقافة المسيحية، وهذان استعمالان أقل اجتماعية من الرمز الأول، وقياسا عليه فإن رمزية المادلين البروستي هي أقل من جهة الشيوع والتواتر من رمزية الهلال أو الصليب.
هناك جهات تصنع شيوع الرموز فهي التي تعطيها مجالا للتداول واسعا، وتذريها في ريح ملائمة تشهرها. لا شك في أن جمعيات المحافظة على البيئة وصيانتها في العالم هي التي روجت للون الأخضر رمزا للبيئة، وجعلوه كونيا حتى إن شركات النفط الموجودة على الضفة الأخرى من العناية بالبيئة، تبنت هذا اللون في نوع من النفط خال من الرصاص، تعتبره صديقا للبيئة. رمزية مادلين بروست جاءت من بوابة الأدب؛ وأن يصبح مقطع قصصي مصدرا للإلهام الرمزي، ويشيع ذلك الإلهام ويدور في الآفاق فيعني ذلك قبل كل شيء، أن الأدب بخير، وأن من روجوا للرمز هم رعاة الأدب، وأن الثقافة التي تنتج رموزا كهذا هي ثقافة في أحسن أحوالها. لكن مهلا فليس الأمر على هذه الشاكلة من البساطة؛ فهناك عناصر ثقافية وربما أيديولوجية تكون أيضا وراء تعميم الرمز أو إكسابه طابعا اجتماعيا.

رمزية مادلين بروست لا تعني فقط أنها رمز ثقافي قومي، بل هي أيضا رمزٌ كوني، أو قل هي عينة من رمز كوني. الكونية لا تعني ههنا أن يكون للمادلين شأن كما كان اللون الأخضر تجريدا رمزيا لفكرة العناية بالبيئة.

لحكاية المادلين رائحة ثقافية خاصة، حتى من قبل أن تفوح رائحة المادلين في أنف بروست الحقيقي، أو أعوانه السرديين. هناك أمم تعتقد أن طعاما ما أو شرابا معينا هو حكر عليها، يقول بارت في «أسطوريات» تشعر الأمة الفرنسية بأن النبيذ متاعٌ حكر عليها، ويمكن قياسا على ذلك أن نقول إن المادلين كعك حكر على الأمة نفسها. لقد صار المادلين حلوى وطنية حين رضي القصر الملكي عنها؛ حين تسلل نتيجة خطأ أفسد الأكل الأرستقراطي الراقي في قصر الأشراف والضيوف، من الجوق الملكي الفرنسي. بعض الحكايات تقول إن أول طبخة ملكية للمادلين كانت في قصر كومرسي Caumercy الفرنسي، وكان فيه يومها ملك بولونيا المنفي حينئذ ستانسلاس Stanislas وبعضا من الوجهاء والمفكرين (يقولون إن الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير كان موجودا وقتها في القصر). تروي بعض الحكايات أن ستانسلاس أرسل إلى ابنته الملكة ماري زوجة لويس الخامس عشر شيئا من مادلين تلك الوليمة المفاجئة. كل العناصر التي ذكرناها في السرد وبقطع النظر عن صدقها، أو عدمه تشرع لتبن ملكي لحلويات شعبية.
كثيرة هي الحلويات التي تريد هذا الولاء الشرفي، أو حتى المعارضة للسلطة. فمثلا عندنا في تونس حلويات يطلق عليها اسم «بقلاوة الباي» وكأنها تريد بـ«البياية» أي بالانتساب إلى حاكم البلاد وقتها أن تأخذ شهادة عبورها الوطنية، حتى تنافس البقلاوة الطرازية الأكثر انتشارا. أما الحلوى المعروفة بأذن فإنها تريد أن تكسر هيبة سلطة تتسقط الكلام لتعاقب به المتكلمين.
ليست الحلوى إذن منتوجا غذائيا، بل هي منتوج ثقافي أيضا وسيميائي، يحمل من تسميته أو من اقترانه الرمزي بدلالات حافة، وثيقة عبوره الثقافية عبر السيميائية. رمزية مادلين بروست لا تعني فقط أنها رمز ثقافي قومي، بل هي أيضا رمزٌ كوني، أو قل هي عينة من رمز كوني. الكونية لا تعني ههنا أن يكون للمادلين شأن كما كان اللون الأخضر تجريدا رمزيا لفكرة العناية بالبيئة. هناك شيء في الرموز له علاقة بمعالجتنا المعلومات المخزنة في أذهاننا. الدرجة البسيطة والمألوف من ذلك تحدث حين نتكلم. فحين تقول لي كعكة أو حلوى أو مادلين، فإن نطقك بهذه التسمية يجعلني أتمثل في ذهني صورة خطاطية مجردة لما سميته لي، وهذا شأن مشاهدتي صورة المادلين أو الكعك فإنه ينشط في ذهني اسمها الذي أعرفه.
حافز التنشيط الصوتي أو البصري هو دَخْل كي أتذكر يوميا أسماء الأشياء فأسميها، وأركب من أجل وصفها كلمات في جمل وأقوال. هذه الرمزية هي شأن اللغة في ربط أسمائها بمسمياتها. إلا أن هناك درجة رمزية أخرى تجعلنا نربط بين المادلين ومذاقه، وذلك المذاق حين خزناه في زمان ما من حياتنا هو طفولتنا. أن تنشّط رائحة الملوخية في ذهنك شيئا من ذكرياتك، حين كنت تتذوق هذا الأكل في بيت جدك أول مرة، وأن تتذكر تفاصيل كانت تحف بذلك الحدث، وتستطرد به إلى بنت الجيران، التي كانت تعترضك صدفة، وأنت مأخوذ بتلك الرائحة وإلى عينيها التي لم تكن تعرف ما السر الذي فيهما، فهذا يشبه في رمزيته التي من الدرجة الثانية رمزية مذاق مادلين بروست، حين كان يتذوقه مع الشاي النقيع من يد عمته في قرية كومبراي الخيالية. هناك شيء أكثر رمزية من مذاق مادلين بروست ومن طعم الملوخية عندي هو: نحن؛ نحن معامل للرمز.

أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية