مَروِياتُ الهَزِيمة

لقد تنبهت (الثقافة الغربية) في وقت مبكر، لإشكالية الفرد وعلاقته بالإدارة وسلطة المجتمع القائم، عندما وصفتها، وحاولت إيجاد مخارج معرفية لها، لإذابة الاختلافات بين الطرفين تحت مسمى مصلحي واحد يجعل منهما قطبا موحدا في سيرورة الوجود، ولعل وصف هيغل المبكر لهذه الإشكالية، من خلال ظهور النوع الروائي بعد سيادة الملحمة، دال على ذلك، كونه يؤكد على أن الشكل الجديد، ملتصق بصعود البورجوازية وهاجسها الأخلاقي والتعليمي، ما يؤدي إلى ثورة البطل بروح رومانسية، تفرض بالضرورة سقوطه، أو مكابرته أمام السلطة السائدة، لتعيش بذلك المغامرة الروائية في الأوهام، نتيجة للفارق الكبير القائم بين الواقع المرجو والواقع المعاش.
من هنا تترسخ في متون المعرفة الغربية، البذرة الأولى لمفهوم (الفرد الإشكالي)، الفرد الذي يصارع النظام القائم، في سبيل قيم سوسيولوجية ينتمي إليها، وهو أمر فتح الطريق أمام كثير من المفكرين والفلاسفة والسوسيولوجيين، لرصد هذه العلاقة الشائكة بين الفرد والسلطة السائدة، لما لذلك من أهمية كبرى في نمو مجتمعات إنسانية معاصرة، تحترم الإنسان وحقوقه وتخلو من الجور والطغيان، وهو ما عبرت عنه الطروحات الماركسية والمثالية معا، لتصل ذروتها مع أسماء مهمة مثل: فانون وكولن ولسن وماركوز في رصدهم لتحولات المجتمعات، من خلال علاقتها بأفرادها ومقدار احتضان هذه المجتمعات لهم، إيجابا أو سلبا، من هنا استطاعت المرويات الغربية أن تحتفي بمتغيرات إنسانية لأفرادها، إشكاليين كانوا أو منتمين أو رافضين أو سلبيين، لتتجاور في ذلك مع الرؤية الإدارية العامة في المجتمعات الغربية، التي عملت على جذب الفرد لها لا رفضه أو إقصائه أو حتى إسكاته قسرا.
ولكن الأمر ذاته مختلف في (الثقافة العربية) تماما، مما يفرض أن نتساءل لمعرفة طبيعة نتاجنا الثقافي، من خلال تعالقه المعرفي بالمنظومة السلطوية، الموجِهة سلبيا للوعي الكتابي والجمالي على وفق تداخل بنيوي دال، لماذا تقدم مروياتنا السردية الحديثة،دائما، بطلا مهزوما غير منتم، ليكون ناتئا معارضا للقيم السائدة؟ ولماذا لا تتحول المعارضة في المرويات الأوروبية، إلى قمع وكبت للحريات؟ ولعل هذين السؤالين هما جوهر بناء شخصية الفرد الإشكالي عبر تأريخ السردية العربية الحديثة، المصاحبة في نموها وتطورها للتحولات الفكرية والمعرفية الكبرى في مجتمعنا، ويبدو أن في اعتراض لوسيان غولدمان الوحيد على النظرية الماركسية، وهو المفكر المادي الماركسي، مدخلا لما نبتغيه هنا من جواب، إذ يؤكد غولدمان رافضا بأن «ثورة الطبقة العاملة أصبحت في المجتمع الرأسمالي الأوروبي الحديث مستحيلة، لاندماج هذه الطبقة في المجتمع الرأسمالي، واستيعاب المجتمع لها عن طريق الضمانات الاجتماعية والنقابات، ما جعل هذه الطبقة نفسها تحافظ على الوضع الآني، ولا تسعى لتجاوزه نتيجة لتحسن حالتها المادية، وبالتالي نُزِع عن هذه الطبقة قوة المعارضة في المجتمع الرأسمالي الحديث»، وهذا بعد معرفي دقيق في وصفه لصلة الفرد بالمؤسسة، وهو يطابق في ذهني دراسة فانون الموسومة «معذبو الأرض»، التي يخصها بالعالم الثالث- كما يسميه- عاكسا صورة الإنسان فيه، وهي صورة تمتد جذورها إلى علاقات من القهر والكبت والتخلف الاقتصادي، ما يحتم فعلا حدوث ثورة للتغيير.

الفرد الإشكالي هو الذي يصارع النظام القائم، في سبيل قيم سوسيولوجية ينتمي إليها، وهو ما فتح  الطريق أمام المفكرين والفلاسفة لرصد هذه العلاقة الشائكة بين الفرد والسلطة السائدة

بينما من جهة أخرى يقدم كتاب هاربرت ماركيوز «الإنسان ذو البعد الواحد» الصورة المغايرة عن العالم المتقدم، لما رسخه فانون عن العالم الثالث، وهي رؤية قريبة في معناها ودلالاتها من حديث غولدمان السابق، إذ بات الإنسان منتميا إلى المؤسسة في ظل الرأسمالية العالمية، لأن مصلحتهما ارتبطتا معا، لذا أصبح احتمال قيام ثورة أمرا مستحيلا، فالعالم هنا- أفرادا ومؤسسات- يخشى أن يفقد امتيازاته المادية والثقافية، والمعنى الذي يمكن استنتاجه من كلام غولدمان وماركيوز معا، يصب مباشرة في حقيقة كون أن المجتمع الرأسمالي يخطط جاهدا لاحتواء قوى النفي والمعارضة بضمهما إليه ماديا ومعرفيا، فيظهر نوع من الانتماء، وإن كان الأمر قائما على معارضة شديدة في القيم السائدة، بينما يتحدد المعنى في طروحات فانون، في حقيقة كون المجتمعات المتخلفة اقتصاديا- ومنها أغلب الدول العربية- لا تحتوي الفرد بل تقمعه فيلجأ إلى المعارضة والثورة، تحقيقا لمصلحته ولكيانه الثقافي والمعرفي.
لذلك أُنتج ما يمكن أن أسميه بـ (مرويات الهزيمة)، لأن درجة الكتابة لدينا تنتِجُ بتأثير ذلك، ثقافة مستلبة في ظل منظومة معرفية قامعة تسلب الإنسان حقه في التعبير الحر، فغدت أدبياتنا- ولاسيما مروياتنا- لا تتحدث إلا عن الهزيمة والانكسار والضياع، ولا تقدم شخصياتها إلا إذا كانت مهزومة وسلبية وغير قادرة على الفعل، فتفضل الارتداد إلى الذات وعدم الانتماء، حيث الانكسارُ والضياعُ وتهميشُ الإنسان، وهو شكل احتفت به السردية العربية الحديثة- كتابة وصورا- من قبلُ، ولاسيما في مرحلتها الستينية والمراحل اللاحقة لها، ولعل أعمالا روائية وسينمائية مثل: «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي و«الكرنك» و«اللص والكلاب» لنجيب محفوظ و«شرق المتوسط» عبد الرحمن منيف و«الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي.. فضلا عن أفلام المخرج المصري داوود عبد السيد، ومن يمثل وعيا مقاربا له من المخرجين العرب، أمثلة دالة على هذه المرويات، إذ يبدو ذلك واضحا ضمن الشخصيات المثقفة الأكثر تحسسا للأمر، الشخصيات التي غدت في أعمالنا بطلا إشكاليا، في معارضته للقيم السائدة التي تفرضها السلطة، سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية، وهذا هو السبب الجوهري في تقديم السردية العربية لهذا النمط من الشخصيات، مما يُظهر الفرق بين طبيعة المعارضة في شخصية الفرد الإشكالي في مروياتنا العربية، عنها في الرواية الغربية، والحقيقة هنا يتحدد سؤال المثقف وموقفه من التغييب، فكُتَابُنا يكتبون بأسلوب متناغم مع ضغط وتهميش السلطة بأنواعها، ما جعل نتاجهم – في أغلب الأحيان- احتجاجا على وضع مزرٍ ينتمون له رغما عنهم، فيتشكل بتأثير ذلك وعيُهم الكتابي، مولدا درجة مغايرة تماما للكتابة الإيجابية المنتمية للمنظومات المعرفية والسياسية، ما يحفز للتساؤل عن مكمن المشكل، إن كان في غياب المثقف والمبدع على مستوى الكتابة، أم هي مشكلة تهميشه وعزله، بوصفه مجرد تراث مختلف لمجتمعنا، كما تدركه السلطة العربية المتجذرة منذ أقدم العصور؟
وحقيقة الأمر أن عودة سريعة إلى متن مروياتنا القديمة من حكايات شعبية وخرافية ومقامات وأمثلة وسير وغيرها، تؤكد من دون أي تردد بأن (مروياتنا العربية الحديثة) لم تكتسب هذه الدرجة التراجيدية ذات الطابع المنهزم، من مروياتنا الشفاهية القديمة، لأن اللغة ومعناها مكثت قديما في نصوصنا، بوصفها مركزا وهما لصاحب النص، بينما شغلت الأيديولوجية الحيز الكبير في ما نكتب الآن، تأثرا بالظرف السوسيو ثقافي والتراكمي للسلطة بأنواعها المهيمنة، في وعي المجتمع وتأريخه المؤثر في الأفراد المبدعين، مما ولد توجها غير مسبوق لمحيط اللغة أكثر من اللغة ذاتها، وربما للأمر – أعني علاقة المبدع بالسلطة – صلة بالفكرة التي سبق أن ناقشها عبد الله الغذامي عندما تحدث عن مصطلح (النقد المدني أو الدنيوي) الذي اجترحه الناقد إدوارد سعيد في «العالم والنص والناقد»، مبينا أن الناقد/المثقف يوضع على حد الشيفرة بين النظام المؤسساتي الذي يدير فعل الناقد، والثقافة التي تتحدى فعل النقد، في حيويتها بوصفها حدثا غير ممنهج، مما يولد تعارضا بين النظام والثقافة، يعمل الناقد على تحويله إلى تجانس يخدم نمطية الكتابة التي يزاولها، وهذا بالضرورة سيبعد كتابته عن أي تعارض سلبي، يمكن أن يؤثر في درجة كتابته كون السلطة هنا- والمقصود طبعا السلطة الثقافية الغربية- متماهية مع وعي المثقف ليكون وعيه وضميره إيجابيين، لكن هذا النظام نفسه في مجتمعاتنا العربية لا يحقق التوازن الشيفري الذي أشار إليه سعيد، بسبب الهوة الواسعة بين وعي المثقف العربي وكتابته مع النظام، ما يولد بالضرورة درجة سالبة من الكتابة المعارضة لكل مفاهيم هذا النظام، وهنا يكمن مأزق النظام الإداري ورجعيته، ومأزق المثقف ونكوصه.

٭ ناقد وأكاديمي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية