نحن نزعم أنّ لكلّ عصر من العصور طرقه في التعبير عن عواطفه، وفي التصريح بمشاعره، وهذا الاختلاف يقتضي أمرين من ناحية استعمال العبارات: الأمر الأول أن توجد عبارات جديدة تعبّر عن تصوّرات جديدة؛ والأمر الثاني أن تحمّل العبارات القديمة جملة من الدلالات الجديدة التي لم تكن لها قديما. وبما أنّ المرء ميّال بطبعه إلى الكسل اللغوي، فإنّه عادة ما يجنح للحلّ الثاني أي لحشو المعاني الجديدة في الوحدات اللغوية القديمة. ونحن سنرى هذه الفكرة في استعمال العربية الفصحى المعاصرة، أو عاميّاتها عبارات الحبّ القديمة في اللغة اليومية.
الحبّ شيءٌ جميل في حياة الناس، ومن منهم لا يريد أن يُحَبَّ أو يحِبَّ. بالحبّ نولد ونترعرع وبالحبّ نتصافى ونتصالح وبالحبّ نتواصل ونتكاثر وبالحبّ قد يصل الرجال أو النساء إلى سدّة الحكم . لكن أن تحبّ شيء وأن تعبّر عن الحبّ بالكلام شيء آخر. هناك من الناس من يشكو عسرا في التعبير عن حبّه أو في سماع كلام الحبّ التي تليق به ممّن يحبّه. عسر التعبير هذا الذي يختلف باختلاف الثقافات، ليس نابعا من فيض الحسّ أو شحّه، بل من القدرة أو الجرأة على تسخير اللغة للتعبير، فمن يستفيض في وصف حبّ واهم، كمن يكون شحيحا في وصف فيض من الحبّ صادق كلاهما لا يلائم بين الحالة النفسيّة والعبارة الواصفة.
عبارات الحبّ من أبرز العبارات المحافظة على وجودها في المعجمين الفصيح والعامّي، بل إنّ بين الفصحى والعامّة ترافدا واقتراضا، فمرّة تأخذ العامية عبارات حبّها من الفصحى ومرّة تأخذ الفصحى من العاميّة ألفاظا تفصّحها. نحن نستعمل في عامّياتنا عبارات فصيحة أضفينا عليها سمات العاميّة من نوع (أحبّك) و(أعشقك) و(أهواك) المقبلة علينا من العربيات القديمة ؛ وفي المقابل نستعمل في الفصحى عبارات أخذناها من العامّية وأغلبها استعارات متجدّدة يستعملها العامة في لغاتهم من نوع، (أموت فيك) التي عُدّي فيها الفعل إلى حرف لا يناسبه في الأصل. نحن نعتبر أنّ اختزال المحبوب في عضو منه (عيوني، روحي، مهجتي، قلبي، روح الروح) هو صنعة فيها اشتراك بين اللغة القديمة والعامّيّة، وفيها تشابك كثير من الثقافات الشعريّة الصوفيّة والعامّية، بالإضافة إلى أنّ الاستعارات الحديثة في تعبيرنا عن الحبّ باتت تأخذ من اليوميّ، إذ طغى عليها المعجم الحربي المعاصر (قنبلة) وصار للموت عشقا دلالة حربيّة معاصرة، فلم يعد العاشق يموت بسهام عينيها بل بشظايا لغم خفيّ. لكنّ الحبّ بما هو عبارات تستعمل واستعارات تبنى، ليست مرتبطة بعلاقة بشريّة أشهرها العلاقة الغراميّة، بل الحبّ معنى ذرّي يوجد في تفاصيل وصفنا للأكوان المختلفة لذلك يعدّ معنى من المعاني المركزيّة، فنحن نحبّ أكلة دون أخرى وشرابا دون آخر، ونحبّ فسحة ونحبّ وسيلة نقل ونحبّ سيارة ولا نحبّ أخرى، ونحبّ خاتم خطوبة ولا نحبّ آخر، ونحبّ العدل والحرّيّة والكرامة ومعها نحبّ الجمال. لكن هل أن تحبّي رجلا، وأن تحبّ امرأة هو جزء من حبّك للجمال أو للجميل مجسَّدين؟ أن تحبّ العدل فهذا يعني أنّك تعي جيّدا أنّك على خطّ القيمة التي يحبّها أكثر الناس ميلا إلى الحقّ لكن أن تعبّر عنها صراحة فهذا ليس مضمونا وليس مكفولا في جميع الشرائع، يكفي أن تقول في بلد العسف إنّك تحبّ العدل حتى تصنّف في فئة المعارضين، لكن أن تحبّ شخصا فتلك قضيّة أخرى أكثر حميميّة، فكلما تحدّثت خارج النسب كنت أقرب في الحبّ إلى الحبّ الطرازيّ.
في الثقافات التي كانت تكتم حبّها، ثمّ تعبّر عنه كانت عبارات الكتمان والتصريح حيّة ومهمّة، لكنّ الثقافات المنفتحة التي تقول فيه البنت لحبيبها إنّها تحبّه بمجرّد أنّها تحبّه، ولا تخشى أن تعلن حبّها فذلك أمر معاصر وتحرّريّ وهنا يرتبط التعبير عن الحبّ لا بقيمة الحرّية والمساواة، في ثقافة البوح تزول عبارات الكتمان والخوف التي كانت تنتج مع الشعور بالحبّ والتعبير عنه، فلا حاجة في هذه الثقافة المتحرّرة إلى الرقيب، أو العاذل، أو حتى الرسول الذي تقدّس اسمه لقداسة مهمته. اليوم مات رسول العشق فلا حاجب بين من يريد أن يخاطب في الحبّ حبيبه، ورسالته فيكفي أن تفتح صفحة فيسبوك لتبدأ محاورة تقول فيها وبلا خجل وبلا واسطة (أحبك).
عبارة (حبيبي) ضمرت في المذكر وغابت تماما في المؤنث (حبيبتي) لا يقول الشاب المحب اليوم حبيبتي، فهي من عناصر إنقاص هيبته عاشقا لذلك تستعمل البنت تسمياتها لحبيبها ويستعمل الحبيب تسمياته. الجديد هو أنّ المصدر عوّض الاسم فبتّ تسمع (أنت ، هو ، هي الحبّ) يختزل الحبّ في ذات وفي اسم وفي كيان.
لماذا للكون عشاق سواي؟ تقول صبية صغيرة ما تزال تلبس منديل التلمذة: صار الحبيب موضة وتجربة لا بدّ لها أن تكون، وإلاّ بات المرء ناقصا فقيرا معدما. الحُبّ صار عندهم كالحَبِّ يصنع رغيف الحياة ويستهلك إلى آخر قطعة. مات الرقيب أيضا لأّنّه لا مكان له في الشمس، وصدق الشاعر سلم الخاسر في بيته الشهير (من راقب الناس مات همّا// وفاز باللذة الجسورُ) أو قول بشار من قبله (من راقب الناس لم يظفر بحاجته/ وفاز بالطيبات الفاتكُ اللَّهِجُ).
في العامّية التونسيّة صارت عبارتا (صاحب وصاحبة) منافستين وربما معوّضتين لعبارة حبيب وحبيبة. ليست الصاحبة مرادفة تماما للخليلة، وإن كانت تقابل لفظ الحليلة. فالصاحبة يمكن أن تصبح حليلة، ويمكن أن تكون عشقا طارئا موازيا لها لكنّها عبارة لا يُتخاطب بها، بل هي تستعمل في الغيبة فلا يقال (أنت صاحبي ) مثلما يقال (أنت حبيبي) بل الأكثر أن يقال (هو صاحبها). لقد دخل إلى مفهوم العشق الجديد مقاييس الوفاء والخيانة. الصاحبة والصاحب خليلة كالحليلة ليس من حقّها – وهذا بقوانين العشق العرفية – أن تنظر إلى غير صاحبها أو أن تواعد غيره فهذا خيانة عظمى لكن إن فعل هو، أمكن للخيانة أن تجد طريقا إلى الحلّ. ما يزال الرجل العاشق تعدّديا حتى في المخيال الأنثويّ المعاصر، بل إنّ التعدّد في الصاحبات ممّا يفتخر به الرجال في ما بينهم. قلّما تحدّث الشعراء القدامى في غزلهم عن خيانة الحبيبة، فقد كان الشاعر أحيانا لصّ اللحظات يسرق من غيره اللحظات الجميلة لكنّه لم يشعر أو يشعرنا أنّه كان يخون أحدا، لذلك لم يكن معنى الخيانة ركنا من أركان القصة العشقيّة القديمة. الخيانة تنتمي إلى اللامفكر فيه في هذا السياق وباتت مع مفهوم الصاحبة والحليلة مفهوما حاضرا مفكّرا فيها بقوّة. كانت الخيانة قديما مفهوما مفكّرا فيه لكن في دائرة الصداقة وعبر معنى العشق الخيانة من باب الصداقة ومن باب توهم أنّ الحبيبة زوجة والعقد الجامع عاطفي حبّي بلا شهود رسميّين: الكلّ يعرف والكلّ لا يعنيه.
عبارة (حبيبي) ضمرت في المذكر وغابت تماما في المؤنث (حبيبتي) لا يقول الشاب المحب اليوم حبيبتي، فهي من عناصر إنقاص هيبته عاشقا لذلك تستعمل البنت تسمياتها لحبيبها ويستعمل الحبيب تسمياته. الجديد هو أنّ المصدر عوّض الاسم فبتّ تسمع (أنت ، هو ، هي الحبّ) يختزل الحبّ في ذات وفي اسم وفي كيان.
خلاصة الأمر اليوم أنّ الحبّ لم يفتقد معناه العامّ من أنّه علاقة عاطفية (غالبا ما تكون خارج مؤسسة الزواج) بين رجل وامرأة لكنّه افتقد كثيرا من عناصره النظاميّة القديمة من نوع منظومة الأخلاق الدينية (حلال /حرام) أو الاجتماعيّة (شرعي/ غير شرعي) واكتسب عناصر تشريعية حديثة أخذت من مؤسسة الزواج (الخيانة والوفاء / الغيرة) وفي السلوك بات المجتمع المعاصر أميل إلى تفهّم مثل هذه العلاقات والتغاضي عنها، لذلك زالت عبارات كثيرة كانت أدخل في ترذيل الجماعة لهذه العاطفة التي لا تكتسب سُنّيتها إلاّ داخل مؤسّسة الزواج. الموت المعجميّ لألفاظ العشق القديمة وولادة أخرى مختلفة يعني أنّ هذه العاطفة المتغلغلة في تفاصيل حياة الإنسان اليومية قد تغيّرت. ولبست أثواب عصرها واحتاجت معاجمها الجديدة. وأبرز ما في الحكاية أنّ الفرمانات السلطانيّة التي تبرم هذه العلاقة لم تعد ذات قيمة فمن الممكن أن تعيش العلاقة يوما أو شهرا أو سنة لكنّ العبارات لن تكون في ثقافة الشحّ بحجم الأزمنة أو الأفئدة التي حوتها.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة