في ليل الصيف أمسك صنارتي وأجلس مع رفيقتي على الشاطئ.. أرمي في البحر شصّا وأرجو من الله ألاّ يمسك شيئا.. أنا الصيّاد الوحيد في هذا العالم الذي يرمي صنّارته ويدعو للسّمك بالسلامة. يكفي أن ترى البحر وتغوص فيه قدماك حتى تشعر بالسعادة لأنك ترى البحر عيانا، فغيرك لم يعرفه إلاّ سماعا أو تمثلا أو خيالا، الإدراك العيني للأشياء ليس كتمثلها خيالا.
نجلس أنا ورفيقتي غير بعيد عن صنّارتي ونضع شيئا من الموسيقى.. في الليل كل الأغاني حزينة، هكذا قال جاك باتار ولكنّ الحزن في الأغاني يمكن أن يحوّله هدير البحر إلى مرح.. في الليل وعلى صدى الموج الهادر نتحدّث أنا ورفيقتي بصوت عال.. بل علينا أن نصرخ أحيانا حتى يصل الصوت القريب إلى الأذن المنشغلة بهياج الموج.. الزبد – وهو مستحلب غضب الموج- يذهب جفاء وتغورُ المياه التي غادرت سطحها في العمق.. الصيد في الأمواج بصنارة مضحك.. وعبثي.. يقول بوري سفيان الأفضل لك أن تحبط من أن تتمنى في خضمّ الموج.. لكن ألا ترى معي يا سيّدي أنّ أجمل الأمنيات التي نعيشها هي تلك التي تتشكل مع أوّل الموج ولا يعنينا بعدها إن انكسرت بانكساره أو انتصرت عليه؟
ينشط في ذهني فجأة وأنا أرى الموج يعبث بالصنارة قبل أن ينكسر بيت امرئ القيس: ( وَليْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ ٭٭ عَلَيَّ بأمْوَاجِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي). أعدت البيت على مسامع رفيقتي.. قالت: حماك الله من الهموم.. ورمت نظرا سافر إلى التحام الأفق بالبحر بالسواد.. صمتت ولعلّها كانت ترى ابننا الغائب هناك وراء البحار.. عيني كانت في الشرق تبحث عن لغز امرئ القيس في بيته هذا: ماذا لو أنّ امرئ القيس ساكن نجد لم يرَ في حياته بحرا، من أين تراه يبني تشبيهه: هل يصحّ رأي العرفانيين من أنّ التشبيه يمكن أن يقيس تجربة مجردة: الشعور بالليل على تجربة ملموسة: مشهد الموج. ماذا لو أنّه لا يعرف الموج هل يمكن أن نحكي رغم ذلك عن تجربة؟
يقول العرفانيّون من علماء الدّلالة إنّ أذهاننا استعاريّة، ويعنون أنّنا نفكّر في تجاربنا المجرّدة غالبا باستعارة تجاربنا الملموسة.. أذهاننا استعارية تعني أنّ ما نستعيره من تجارب معلومة لتجارب غير معلومة، ليس غرضه إظهار القدرة على القول بل البحث عن سبل يسيرة للفهم. تظلّ التجربة المجرّدة عسيرة على الإدراك حتى نجد لها نظيرا في التجربة الملموسة: عندها نفهم ونُفهِمَ.
أذهاننا استعارية تعني أنّ ما نستعيره من تجارب معلومة لتجارب غير معلومة، ليس غرضه إظهار القدرة على القول بل البحث عن سبل يسيرة للفهم.
إنّ نزول الليل في ذاته حدث مادّي عاديّ ولكنّ وقع نزول الليل على أنفسنا هو شيء مجرّد. هذا الإحساس يظلّ مبهما حتى نجد له في تجربتنا اليومية ما عليه نقيس. لقد استعملت وأنا أتحدث عن الليل المقبل عبارة «نزول الليل» هذه استعارة لأنّنا ونحن نصف إدراكنا لحلول الليل اقترضنا له عبارة تدلّ على أنّه شخص قادم نازل من السماء أو من كوكب بعيد وكذا الشأن بالنسبة إلى «قدوم الليل» و«مجيء الليل» وغيرها من الأفعال، فإنّها تتعامل مع الليل وكأنّه شخص قادم وقدومه فيزيائي مرئيّ كقدوم أي قادم مرئيّ.. قد يكون حدث النزول عنيفا كما في قولنا «طاح الليل» (أي سقط) في اللهجة التونسية.. تتفقد رفيقتي الصنارة تحاول أن تجذبها فأرجوها أن تترك السمكة كي تأكل على مهل الطعم.. تضحك وتترك الصنارة وتعرف أنني آكل بعقلها حلاوة.. تسلّم أمرها لله في هذا الرجل الذي لم يعرف بعد كيف يسير نظام الكون.. تعود فتجلس وتسكب من الترموس كأسا آخر من الشاي.. تحمل كأسها وتذهب غير بعيد.. أعود أنا إلى امرئ القيس وقد تركته في نجد، كما عهدته.. لو سألته هل عرفت البحر قطّ؟ لما عناه من سؤالي شيئا.. أو لبدوت له حضريّا مغفلا.. ولربّما سألني هو هل عرفت الغول يوما؟ أيّ مطبّ كنت سأقع فيه.. كان سيقول لي أنت لم ترَ غولا ومع ذلك تشبّه الرجل القبيح المخيف به أو تشبّه القبح كما نشبّه نحن الجمال بالبدر.. لكن ماذا لو قلت له: لكنّ البحر موجود ولا يمكن أن نختلف فيه كاختلافنا في الغول وتصوّره.. ربّما تجرّأت على امرئ القيس وسألته لمَ تشبّه بشيء تتخيّله وهو موجود عيانا؟ هل أنّ تصوّرك للموج هو الذي يشرّع لك مقارنته بالليل؟ أم أنّ الموج في أصله قابل لأن يشبه الليل؟ سيقول لي امرئ القيس قولته المعروفة: اليوم خمر وغدا أمر وسيذكر يومه بدارة جلجل وقد سبحت في ماء البركة فتاته التي تقول الرواية إنّه سرق منها لباسها قبل أن يطلب منها الخروج في ثوب حوّاء.
المقارنة التي يقوم عليها التشبيه عملية عرفانية أساسيّة فبها نمقول الأشياء، أي نستطيع أن نلحق عنصرا ما بمقولته، فنحن اعتمادا على المقارنة نلحق النخلة بفصيلة الشجر والدُّوريَّ بفصيلة الطيور.. فنحن وحسب نظرية الطراز نمقول بناء على نموذج مثالي، فأنا باعتباري أقطن قرية في الشمال التونسي، حيث يكثر شجر الزيتون أقيس النخلة على شجرتي الطراز في جهتي، ويقيس أهل الجريد في الجنوب الزيتونة على النخلة، حيث يكثر هذا الضرب من الشجر. بيد أنّ المقارنة المؤدّية إلى المَقولة ليست هي المقارنة التي في بيت امرئ القيس، لأنّها لا تؤدّي إلى تصنيف الليل ضمن الموج ولا تصنيف الموج في الليل هي مقارنة يراد بها اختبار التعرّف على كيان لم تعد له في الإدراك هويّته الأصلية، واختبار التعرّف هذا يكون بالمشابهة. المشابهة هي إذن شيء يسمح لي أن أجدّد إدراكي للأشياء وقد اكتسبت لديّ ولدى غيري تصوّرا أو تمثيلا متواضعا عليه.
أنا في حالة مجيء الليل يمكن أن أتقبله ظرفا زمانيا عاديا ويمكن أن أراه من منظار نفسي عبئا وهمّا وشيئا يقع على نفسي ثقيلا.. في هذه الحالة سأصفه ولن أسمّيه، سأصفه وكأنني أدركه لأوّل مرّة، بما أنني ما عدت أراه كما كنت أراه مع الناس. يمكن أن أقارنه بشيء آخر لا لأقرّب به المعنى الذي لديّ، بل لكي أخلق نوعا من الرسم التطابقي أو التوازي المتماثل، الذي لم يكن موجودا من قبل. أنا أجرب إذن وعيي بالليل بأن أقارنه بالموج.. الليل كموج البحر.. أنا أطرح هذه الصورة فهي تبني لي وعيي الجديد، في الليل أطرحها كي أرسم ليلا، لا هو ليل ولا هو موج، ولكنّه شيء موحّد بينهما: الليل موج يهدر والموج ليل يلف الكون.. لكن ماذا لو أنّه لم يكن للشاعر تجربة واقعية كافية مع الموج؟ ماذا لو كانت لديه أوهام عن الموج ولم ير موجا فعليّا؟ هل يكون حديثه عن الشعور بالليل أقلّ إبهاما أم أكثر إبهاما من تمثّل الموج؟ وماذا لو كان الموج وهو في هذا المعنى ما يزال في مرحلته الأولى لا يسمّي شيئا بذاته بل حركة البحر نفسها؟
عزيزتي اسحبي الصنّارة.. وهيّا فالليل قد ماج موجه.. جذبت الصنارة.. وصاحت: لا أصدق سمكة عالقة.. أسرعت أنظر إلى السمكة.. كانت تتحرك بعنف خلصتها من براثن الصنارة وتركتها تسبح.. مشيت أتبع رفيقتي وهي تقول: لمَ تركتها؟ قلت لها: لم تكن سمكة كانت خيال سمكة.. سمكتي الغالية تسير أمامي.. هجم الليل أكثر وصعقت الصخرة الموجة أكثر فتفتت الماء.. كانت المدينة صاخبة لا تعي لما يحدث وقتها من هدير موج على البحر الطويل.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية