كان ـ «القدس العربي»: في أول أفلامه منذ فيلمه «أنا، دانيال بليك»، المتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان 2016، يقدم البريطاني المخضرم كين لوتش فيلما صادقا مؤثرا عن قضية آنية تمس حياة ملايين الأسر، ليس في بريطانيا فقط، ولكن في العالم بأسره. إنه فيلم عن التأثير الفادح المدمر لعقود العمل المؤقتة، التي تعرف في بريطانيا باسم عقود الصفر ساعة، على حياة الأسر التي تحاول أن تعيش بكرامة في عالم طحن رحاه الفقراء طحنا.
ثمة مخرجون نراهن عليهم، فلا يخيب الرهان، ولا يخيّبون لنا ظنا. كين لوتش من هؤلاء المخرجين الذين لا يخيبون الآمال، فهو صاحب نظرة إنسانية واجتماعية ثاقبة، وتحمل أفلامه تعاطفا كبيرا مع هؤلاء الذين يحاولون الاحتفاظ بإنسانيتهم، ويحاولون مجرد العيش في عالم مادي لا يكترث ولا يبالي. لوتش، الذي يتجاوز عمره الثانية والثمانين، لا يزال في أوج عطائه السينمائي، ولا يزال ينجز أفلاما تنفذ إلى أعماق المجتمع، وإلى عقل وقلب المشاهد.
يستشرف لوتش، اليساري الإنساني الملتزم بقضايا الكادحين والكادحات، في أفلامه، مستقبلا يتوحش فيه النظام الرأسمالي أكثر فأكثر، ليلتهم المزيد ممن يقتات على جهودهم وحيواتهم ليزدهر أصحاب المال. في عام 2016 حصل فيلمه «أنا، دانيال بليك» على السعفة الذهبية، وهي ثاني سعفة ذهبية يحصدها لوتش في تاريخه السينمائي المديد، وصور في فيلمه مدى جور نظام الرعاية الاجتماعية في بريطانيا، على من يستحقون حقا العون. الفيلم إنساني في مداه وتأثيره، فقضية دانيال بليك، هذا العجوز الذي عمل طوال حياته، وحين واجه الإصابة والمرض، لم يجد سوى الخذلان من النظام الاجتماعي، قضية إنسانية في المقام الأول وتتجاوز الحدود الجغرافية.

في «نأسف لم نلحق بكم» يقدم لوتش فيلما مؤثرا موجعا اختار له أن تدور أحداثه في مدينة نيوكاسل، التي دارت فيها أيضا أحداث « أنا، دانيال بليك»، عن أسرة تسعى جاهدة أن تحيا بكرامة وسط خضم من الديون، ووسط سوق عمل لا يرحم، ووسط وعود كاذبة بعقود عمل توفر الاستقلالية والحرية والمال الوفير.
ريكي تيرنر (كريس هيتشين، في أداء متميز) أربعيني وأب ورب أسرة. كان ريكي يعمل في مجال البناء ولم يعش يوما على الإعانة الاجتماعية للدولة، فهو، كما يصف نفسه، «لديّ عزة نفس» تمنعه من الاعتياش على الإعانات. في مسعى لتحسين حياة أسرته الصغيرة، يقرر ريكي العمل سائقا لدى شركة لتوصيل الطرود للمنازل.
للكلمات وقع السحر على الأذن وحين توَظف المفردات جيدا، فإنها تقدم وعودا لا تعتزم قط الوفاء بها. وقد وقع ريكي تحت سطوة الكلمات والوعود، فوفقا لمدير شركة التوصيل تلك، ريكي لم يعد «موظفا» بل «مالكا ومشاركا»، وبدلا من أن يكون «سائقا لشاحنة من شاحنات الشركة»، أصبح «مالكا لشاحنة صغيرة يقودها لصالح الشركة»، وبدلا من الحصول على «أجر أو راتب» أصبح يحصل على «حصة من الإنتاج والأرباح»، وبدلا من «ساعات عمل محددة» أصبح «حرا كلما زادت ساعات عمله زاد دخله». إنه وعد الحرية والاستقلالية والمال الوفير الذي تقدمه الشركات لتتملص من واجبها إزاء الموظف ولتسلب منه حقوقه المادية والإنســـانية، ولتحقق من ورائه أقصى ربحية ممكنة.
ونظرا لأن ريكي «شريك» وليس «سائقا أجيرا» كما تقول الشركة، كان يتعين عليه إما أن يشتري شاحنته الصغيرة الخاصة، بمقدم يصل إلى ألف جنيه لا يمتلكها ولا تمتلكها زوجته، أو أن يستأجر شاحنة من الشركة مقابل 65 جنيها في اليوم. خياران كلاهما مرّ وتبعاتهما كبيرة، ولكن ريكي وزوجته آبي (ديبي هانيوود) لا يجدان مخرجا سوى أن تبيع هي سيارتها التي تعتمد عليها في الذهاب لعملها حتى يتمكن من دفع مقدم ثمن الشاحنة.
وعلى الرغم من أن الشركة تعفي نفسها من أي التزام إزاء العامل، إلا أنها تكبله بكل الالتزامات والقيود التي تفرضها عليه. تفرض الشركة عليه غرامة مالية فادحة، إن لم يتمكن من توصل الطرد لأصحابه في الوقت الذي حددوه، وإن احتاج إلى يوم عطلة، لا يمكنه ذلك إلا إذا وفر سائقا بديلا، حتى أنه لا يمكنه الحصول على استراحة في يومه حتى يفي بكل حصته المقررة من التوصيلات.
الأسرة هي محور الفيلم وجوهره، فأسرة ريكي وأمله في توفير حياة أفضل لطفليه وزوجته هما دافعه للعمل في توصيل الطرود.
في يومه الأول في العمل يتعلم ريكي أن جهاز تتبع موقع الطرود الذي تعطيه له الشركة أهم لديها منه، فهو يمكن استبداله، أما الجهاز فقد استثمرت الشركة فيه مالا لا تود تبديده. كما يتعلم ريكي أن الزجاجة البلاستيكة التي أعطاها له زميل أمر حيوي للغاية، فهو لا استراحة له وسط السعي اللاهث لتوصيل كل الطرود في حصته، ولا سبيل لقضاء حاجته إلا في تلك الزجاجة.
هكذا يتبدى لريكي ولنا أن حلم الثراء، وأن تكون سيد نفسك والمتحكم في حياتك، ما هو إلا مجرد وهم تبيعه الشركة لتحقق من خلاله أقصى ربحية ممكنة، بدون أن تكترث بما تلحقه من دمار في حياة موظفيها. في عمله «المستقل» الجديد يجد ريكي نفسه محاصرا من جميع الجهات. بين شركة تفرض عليه عقوبات مالية إن تأخر ولو دقائق معدودات عن موعد التوصيل، أو إن استراح لبضع دقائق، وبين عملاء يجب أن يرضي رغبتهم في الثرثرة وإلا شكوه لإدارة الشركة. يجد ريكي نفسه في حالة من الإعياء الجسدي والنفسي الشديد، ولكن المتضرر الحقيقي هو أسرته، التي، للمفارقة، قرر من أجلها العمل في هذه الظروف المجحفة شديدة القسوة.
الأسرة هي محور الفيلم وجوهره، فأسرة ريكي وأمله في توفير حياة أفضل لطفليه وزوجته هما دافعه للعمل في توصيل الطرود. ولكن الضغط المتواصل والتوتر الدائم اللذين تتسبب فيهما ظروف العمل شديدة القسوة، تهددان أسرة ريكي وتعرضان اتزانها للخطر وتنذران بتفككها وانفراط عقدها. لريكي أسرة نحبها كما يحبها هو. زوجته آبي حانية محبة، ولكنها هي أيضا تعاني ظروف عمل قاسية مجهدة في مهنة شاقة تتطلب إنسانية بالغة، وهي العناية بالمسنين. ديبي أيضا تعمل بلا عقد يكفل لها حقوقها وتواجه ضغوطا بالغة في عملها، الذي تؤديه بإنسانية ورفق يحفظان على المسنين كرامتهم. تقدم آبي لمن ترعاهم من المسنين رعاية وإنسانية لا تحصل عليهما من قبل جهة عملها.
أما الابنان اللذان يبذل كريس وآبي جهدهما لرعايتيهما هما لايزا جين (كيتي بروكتور) الذكية اللطيفة، التي لا ترغب في شيء إلا الحضور الدافئ لوالديها في البيت. أما سيب (ريس ستون) فهو صبي في مرحلة المراهقة، بكل ما تحمله هذه الفترة العمرية من تمرد وتغيرات. لديه طاقة إبداعية كبيرة يستخدمها في رسم الغرافيتي مع مجموعة من أصدقائه. ولكنه يتمرد على مدرسته ويرتكب مخالفات قد تضعه تحت طائلة القانون. هي أسرة صغيرة متحابة، ولكن الجهد والإرهاق والعناء الذي يتكبده الأب والساعات الطويلة في البعد عن المنزل، في الوقت الذي يحتاج فيه الابن المراهق لوجود الأب كلها أمور تضع المزيد والمزيد من الضغوط على الأسرة.
وما يزيد من تفهمنا وتعاطفنا مع هذه الأسرة الصغيرة هو صدق الأداء الذي يقدمه الجميع. هانيوود، وهي معلمة عملت في التدريس لأعوام عديدة ودورها في الفيلم أول أدوارها على الشاشة، هي الأم بكل حنوها وألمها وقلقها وخوفها على زوجها من عمله المضني الذي يهدد كيان الأسرة. بروكتور، في أول أدوارها أيضا، هي تجسيد صادق للابنة المرهفة المشاعر التي تود فقط أن تنعم بدفء أسرتها. أما ستون، فهو تجسيد حقيقي لصمت المراهقة وتمردها المكتوم، وتجسيد لاحتياج الصبي لوالده. غضب سيب ليس مؤشرا على كراهية أبيه، بل رغبة في القرب منه واحتياج له.
يقدم لوتش رؤيته للتأثير الفادح لظروف العمل واستغلال العمالة على الفرد والأسرة باقتدار كبير وبتمكن بالغ. ينجز لوتش فيلما ينفذ للقلوب والعقول، ويقدم فيلما إنسانيا وآنيا للغاية. هو صرخة لوتش في وجه النظام الرأسمالي وتحذيره من جوره ومن جبروت الشركات. وعلى الرغم من أن للمخرج الكبير مكانة وقدرا قال إن هذا قد يكون آخر أفلامه، إلا أننا نرجو ألا يكون كذلك.