سوريا المفيدة، هذه المساحات الجغرافية شرق سوريا التي واكبت تبدلات محورية في نوعية الرايات المسيطرة عليها خلال السنوات الماضية، شهدت عمليات تدمير غير مسبوقة للمدن والبلدات من قبل كافة أطراف الصراع. ووسط كل هذا الدمار، لا تزال هناك معالم قائمة لم يمسسها سوء، ألا وهي الآبار النفطية، التي يبدو أن الجميع مهتم بسلامتها في المرتبة الأولى.
روايات وتصريحات الانسحاب الأمريكي من شرقي سوريا، كشفت بعض ما كان في الأمس يجري في الأقبية السرية والتحالفات غير المعلنة. حيث تفيد مصادر مطلعة عن استغلال قاده رجالات نافذون في قوات سوريا الديمقراطية “الحليف المحلي للتحالف الدولي بقيادة واشنطن لمكافحة تنظيم الدولة”.
صفقات سرية
القيادات المستفيدة من صفقات النفط السرية، حسب ما قاله النقيب زعال محمود، من قسم الدراسات الأمنية في حركة تحرير الوطن، التابعة للمعارضة السورية لـ “القدس العربي”: استغلت الغطاء العسكري المقدم لها من القوات الأمريكية، لإقامة تحالفات اقتصادية على أقل تقدير مع أعداء واشنطن المعلنين، حيث شكلت تلك اللوبيات المالية الحزبية إدارة خاصة وغير معلنة مع النظام السوري وإيران، تقضي بمد الأخيرين بالنفط المهرب عبر العراق إلى طهران، وكذلك إلى دمشق.
يشرف على هذه الصفقات عدة أشخاص عاملين فيما يعرف بـ “القسم التجاري” التابع لقوات قسد. ورغم تسريب المواقع الإعلامية عن قيام قسد بعقد صفقات مع الأسد لتزويده بالنفط، والإشارة إلى أسماء مديري الصفقات، إلا أن تهريب النفط إلى إيران عبر العراق كان مغيباً تماماًعن الساحة الإعلامية، إذ أن قادة تنظيمي “pyd،pkk ” أحاطوا عمليات التهريب بسرية تامة، ونفذوا ذلك عبر أشخاص موثوقين لديهم، واتخذوا إجراءات من شأنها عدم لفت أنظار حلفائهم.
ضلوع الحرس الثوري
وأضاف المسؤول الأمني، بعد تحكم الحرس الثوري الإيراني بمفاصل المنطقة المقابلة لقوات سوريا الديمقراطية على ضفة نهر النيل، تولت إيران إدارة عمليات تهريب النفط إلى عمق مناطق سيطرة الأسد أيضاً، وذلك بالاتفاق مع القوة النافذة داخل “قسد”.
(ز.م) وهو ضابط منشق عن جيش النظام السوري من المنطقة، راقب عن كثب ما يحدث من صفقات بيع النفط بين ميليشيا قسد والحرس الثوري الإيراني، ووثق شهادته بالقول: “يوجد معبر يستخدم لنقل البترول الذي تبيعه ميليشيا قسد لإيران عبر الحدود السورية العراقية، وهو معبر مدينة البوكمال، حيث تخرج قوافل البترول من مناطق سيطرة قسد عبر المعابر النهرية إلى غربي الفرات في مناطق سيطرة نظام الأسد، ثم تصل بعدها إلى تجار إيرانيين يؤمن حمايتهم وطرق وصولهم وعودتهم قادة ميليشيات شيعية عراقية متمركزة في مدينة البوكمال وريفها. وفق ذات المصدر.
ويتم نقل البترول إلى العراق وصولاً إلى إيران، وأضاف: “وسائل الإعلام سلّطت الضوء على صفقات بيع قسد البترول لنظام الأسد، بينما في الحقيقة عندما تصل قوافل البترول إلى مناطق سيطرة نظام الأسد في الضفة الغربية لنهر الفرات، يتحّول قسم كبير من هذه القوافل باتجاه الأراضي العراقية، ليتسلمها تجار إيرانيون، بحماية قادة ميليشيات عراقية”.
أرباح خيالية
وذكر مقربون من قيادات قسد ان: “الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني PYD جنى ملايين الدولارات من شمال شرق سوريا، وكان للتجار الإيرانيين الذين عبروا العراق إلى الحدود السورية حصة الأسد من البترول.
حيث تبيعهم تلك القوة النافذة في قسد البترول بأسعار متدنية، وينقلونها إلى إيران ليُباع مع البترول الإيراني بأسعار السوق الدولية، ويشرف على هذه العمليات من قبل إيران أكبر رضائي، أحد مسؤولي الاستخبارات الإيرانية العاملة في سوريا، والذي يعتبر مهندس صفقات البترول بين قسد وإيران”.
ممرات سرية
كما وثق (م .ع) أحد المتعاونين: “أنه بعد سيطرة ميليشيا الحشد الشعبي العراقي على الشريط الحدودي مع سوريا المحاذي لمناطق سيطرة ميليشيا قسد، فرض قادة الحشد سطوتهم على المناطق برفقة تجار إيرانيين، وفتحوا ممرات سرية عبر الحدود إلى مناطق سيطرة قسد.
أما المقدم محمد الأحمد، مسؤول قسم المتابعة في حركة تحرير الوطن، فقال لـ “القدس العربي”: تخرج الصهاريج من منطقة العمر- الجزلة – مركدة، عبر جديدة العكيدات، ويقوم شخص يدعى الملا صالح، أحد القادة العسكريين في لواء الباقر التابع للحرس الثوري الإيراني باستلام الصهاريج، ويسلك طريق حلب الرصافة، ومن ثم بلدة التبني، وصولا إلى منفذ دخولها وهي جديدة العكيدات، حيث تقدر الكميات التي يتم بيعها بشكل متتالي كل يومين بحوالي 200-250 صهريج”.
وأضاف المسؤول المعارض: “منطقة الحدود العراقية السورية منذ شهور طويلة تشهد يومياً في ساعات متأخرة من الليل على خط (الهول – شنغال) عمليات نقل للبترول إلى تجار إيرانيين بحماية قادة الحشد الشعبي إلى داخل الأراضي العراقية بشكل مخفي.
وقد اختار الطرفان هذا الممر السري لأنه بعيد عن المناطق المأهولة بالدرجة الأولى، كما أن طريق تهريب البترول يمر بأودية مخفية تحيطها الجبال، والعامل الأهم هو قرب حقول الهول ورميلان من الحدود السورية، وبعدها عن أنظار الأمريكان والتحالف الدولي”.
في حين أفاد متعاون متابع من المكون الكردي (أ.ج) على اطلاع قريب من تحركات تنظيم “pkk”: “أن القادة النافذين في التنظيم تربطهم ونظام الأسد علاقة وطيدة منذ زمن حافظ الأسد، كما تربطهم بإيران منذ ثمانينيات القرن الماضي علاقة جيدة أيضاً، ولم تنته هذه العلاقات مع قيام الثورة السورية أو بالتحالف مع أمريكا والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية”.
وأردف المتعاون: “هؤلاء القادة دفعوا المقاتلين من المكون العربي والمغرر بهم من المكون الكردي إلى واجهة المعارك، وانشغلوا بجمع الثروات من حقول البترول التي انسحب تنظيم الدولة منها، وتقاسموا الأموال مع نظام الأسد وإيران، بل ومع بعض الأشخاص الذين لهم ارتباطات مع التحالف الدولي.
ومع قرب القضاء على تنظيم “الدولة” وإعلان الانسحاب الأمريكي من شرقي الفرات والتقارب الأمريكي التركي وإقامة منطقة آمنة، تشكّلت قناعة لدى قادة قسد بأن مصالحهم مع أمريكا قاربت على الانتهاء، ولم يعد يجدي إخفاء أعمالهم وخططهم ومشاريعهم التي كانوا يطمحون إليها ويسعون لتحقيقها في الخفاء، حيث كانت تقارير المخابرات الأمريكية تشير لما يقومون به، لذا سارعوا إلى جني ما يستطيعون من أموال، وتكثيف عمليات بيع البترول إلى إيران.
وهذا الأمر أثار استياء الولايات المتحدة، وقد عبّر الرئيس ترامب عن هذا الاستياء خلال اجتماع للوزراء في البيت الأبيض، بقوله أنه “غير سعيد” لما يفعله الكرد -الذي وصفهم بـ “شركائنا”- حيال بيعهم النفط لإيران.