الساحة السياسية في إسرائيل صاخبة. للمرة الأولى تصرخ العناوين بأن حزباً عربياً يمكنه تتويج رئيس حكومة في إسرائيل. ما هذا التغيير التاريخي الذي حدث هنا؟ إذا كان نفتالي بينيت حتى انتهاء فرز الأصوات هو كفة الميزان، فقد أضيف اسم آخر إلى هذا التعريف وهو منصور عباس. نجم دون منازع، ليس بسبب صورته في “بلاد رائعة” فحسب، بل أصبحت طلباته مهمة. هو يعرف ذلك ويستمتع بذلك أيضاً. الطلبات بالطبع ليست طلبات بروتوكولية. أجل، قانون القومية ما زال هناك، والاحتلال أيضاً، لكنه غير موجود على رأس القائمة. ثمة مواضيع أكثر أهمية بالنسبة له ولناخبيه، وهي ليست في المجال السياسي، بل في المجال الاجتماعي: مكافحة العنف في المجتمع العربي، وإصلاحات في التخطيط والبناء، والاهتمام بمناطق الولاية القانونية، وميزانيات واعتراف بقرى في النقب. وقد يكون عدم رفعه علم فلسطين أمراً لا يأسر ناخبيه فقط، بل شركاءه المحتملين أيضاً.
حتى الآن يُطرح سؤال: إلى أي درجة يكون هذا قابلاً للتطبيق؟ هل يمكن لدولة إسرائيل التي اجتازت الانقسام والشرخ من بيت نتنياهو في العقد الأخير، أن توافق على التعاون مع العرب؟ ومع أشخاص لا يعتبرون جزءاً من حزب صهيوني؟ الإجابة المعتادة: هناك شك كبير. هذا أمر لا يخطر على البال أبداً، لا سيما في واقع الحياة هنا. ولكن هناك إجابة أخرى تتعلق برئيس الحكومة الذي ما زال يشغل منصبه، والذي يظل بقاؤه السياسي في مقدمة اهتماماته، ويبدو أن كل الاتفاقات حلال بالنسبة له.
ولكن يخطئ من يعتقد أن عباس يطمح فقط إلى حكومة ليكود. فهو ورجاله يكررون لمن يتحدث معهم بأنهم ليسوا ساذجين، فهناك باب مفتوح لليكود وآخر لـ”يوجد مستقبل”، ولكن المهم من سيصغي لقائمة طلباتهم ويعمل على تحقيقها.
بمعان معينة، يبدو أن هذا الواقع بث الشعور بالنشوة في أوساط المواطنين العرب، بالأساس في أوساط مصوتي “راعم”، وكأنهم لم يشاهدوا هذا الفيلم قبل سنة تقريباً مع القائمة المشتركة. في حينه ،كان لهم 15 مقعداً، وفي حينه عندما أسمع “أزرق أبيض” صوته انتهى ذلك دون أي شيء. والآن يقولون إن الأمر مختلف. الآن، بعد أن تبنى نتنياهو العرب في الانتخابات لم يعد بالإمكان، أو على الأقل من الصعب جداً، نزع شرعيتهم.
ليس وحده الجمهور العربي هو الذي يشاهد ثماراً شبه ناضجة، فهناك اليسار – وسط الصهيوني متحمس أيضاً. فجأة أصبحت لديهم الشجاعة للقول بأن العرب شركاء شرعيون. وكأنهم ينسون حكومة رابين التي اعتمدت على دعم الأحزاب العربية من الخارج. هذا الدعم الذي أدى إلى جانب اتفاقات أوسلو والاعتراف بـ م.ت.ف، إلى الاعتراف بعشرات القرى العربية في الجليل. هاجم اليمين في حينه الاعتماد على العرب، وقال إنه غير مشروع. وماذا بالنسبة لليسار؟ دخل إلى موقف الدفاع.
منذ ذلك الحين، تغيرت أمور كثيرة، سيقول اليسار. التطرف والكراهية والانقسام. هذه إسرائيل أخرى. شروط بداية مختلفة لشراكة تاريخية، فيها العرب (من راعم) ليسوا “يساراً أوتوماتيكياً”، ولن يضطروا لمواجهة قضايا مثل الاحتلال والمستوطنات، حتى حضور ايتمار بن غبير تم ابتلاعه بين السطور؛ هل يوجد أحد يناقش في شرعيته أو شرعية سموتريتش؟ لم يعد هذا الأمر على جدول الأعمال اليومي. السؤال هو: أين كان منصور عباس؟ ربما هذا ثمن يستحق دفعه، نوع من ضريبة الصمت. وكل ذلك من أجل أن يكون الخطاب العربي الاجتماعي جزءاً من الخطاب الإسرائيلي، وليس عدواً له.
من هنا يأتي الخلاص، هكذا يتوقع اليسار. أموال ووسائل ستكون بوفرة، وستكون ميزانيات من الولايات المتحدة وأوروبا، وسينمو المزيد من منظمات المجتمع المدني التي ستعمل باسم الشراكة من أجل دفع المجتمع العربي إلى الأمام. هذا حدث بشكل مشابه، لكن تم تغييره بعد أحداث تشرين الأول 2000. في حينه، تمت مشاهدة نتائج على الأرض مثل سنونو أمل، لكنها بقيت على المستوى المحلي المؤقت.
في جميع الجولات الانتخابية التي جاءت منذ ذلك الحين، تعزز اليمين، وتعاظم التحريض. وربما صورة المرآة المشابهة لهذه العمليات هي الكنيست المنتخبة: أكثر من ثلثي المنتخبين ينتمون ليمين الخارطة السياسية، بين داعم لنتنياهو أو معارض له. هذا التطرف نحو اليمين في الحملة الانتخابية حدث في واقع أمني إسرائيلي داخلي هادئ كلياً، بدون حافلات متفجرة مثلما كان في التسعينيات، وبدون الانتفاضة الثانية في بداية سنوات الألفين. صحيح أن هناك توتراً مع الفلسطينيين (بالأساس في قطاع غزة)، لكن يبدو أن التطرف لم يأت من هناك، كما أنه لم يأت من التهديد الإيراني أيضاً، إنما قد يكون مصدرها أقوال التحريض في شارع بلفور في القدس، التي تحولت فجأة إلى أقوال تصالحية.
غير المعروف من الذي سيشكل الحكومة القادمة، (أو إذا كانت ستكون انتخابات جديدة)، لكن من الواضح أن المحافظة هي التي فازت. هذا من الجانب اليهودي، وهكذا الأمر من الجانب العربي أيضاً. كان هذا هو أساس حملة “راعم”، الذي حصل على أربعة مقاعد، حملة جلبت تغييراً انتخابياً داخلياً. ولم يعد “حداش”، صاحب القيم الليبرالية، هو الحزب الأكبر في أوساط الجمهور العربي. وهناك بشرى ثانية، وهي أن الليكود حصل على أصوات أكثر في المجتمع العربي مقارنة مع “ميرتس” (21 ألفاً مقابل 17 ألفاً)، رغم أن لـ”ميرتس” سجل مثبت أكثر فيما يتعلق بالعرب. ومن بين العشرة الأوائل فيه هناك ثلاثة من عرب.
إذا كان اليسار الصهيوني طامحاً إلى شراكة حقيقية فعليه العمل لشراكة تسري في أجزاء المجتمع. الشرعية والتحليل اللذان جاءا من اليمين يجب ترجمتهما إلى نشاطات على الأرض في معقله، وليس في مظاهرة أو في اعتصام آخر في ميدان رابين أو في لقاء بين أصدقاء في مقهى في تل أبيب، وأيضاً ليس من خلال تجنيد عربي أليف آخر لحزب أو للهيئة التي تجلس فوق المنصة. ما هو الصحيح؟ يجب حرث الأرض اليهودية وجلب نتائج، لأن العرب سئموا من الشعارات ومن مشاعر الشراكة المزيفة. نتائج الانتخابات هي المثال الأفضل على ذلك. هناك مرغوب وهناك مألوف. وفي هذه الأثناء، اختار العرب المألوف لأن اليسار لا يقدم بديلاً.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 30/3/2021