الناصرة- “القدس العربي”: كما كان متوقعا تبدو حكومة نفتالي بينيت هشّة وغير متجانسة ومعرضة لخطر التفكك نتيجة قيامها على أغلبية صوت واحد ووجود تناقضات داخلية متنوعة منها ما ينتجه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الكبير وتصبح تهديدا مباشرا على مستقبلها نظرا لاعتمادها على أربعة نواب من القائمة العربية الموحدة الذين تحرجهم بعض قراراتها وسياساتها أمام جمهورها وتدفعهم للتصويت ضد الائتلاف الحاكم كما هدد النائب عنها وليد طه في موضوع المصادقة على قانون منع لم شمل العائلات الفلسطينية.
من جهة أخرى يسعى رئيس حكومة الاحتلال السابق رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو استغلال هشاشة “حكومة التغيير” والاستفادة من تجربته لإسقاطها بأسرع فرصة رغم أن شهوته للسلطة قد جعلت منه كابوسا لدى أوساط إسرائيلية كثيرة.
ويزداد هذا الشعور بالقلق والاشمئزاز بعدما تبين أنه مستعد للمساس باعتبارات وحسابات كانت حتى الآن تابو وبقرة إسرائيلية مقدسة كما يتجلى بتصريحاته بأن إيران فرحة الآن إزاء تشكيل حكومة ضعيفة في إسرائيل وتهديده بالتصويت ضد قانون يحرم الفلسطينيين من لم الشمل وذلك من أجل إحراج حكومة بينيت.
شهوته في البقاء في السلطة دفعته للمساس ببقرات مقدسة
وشنت الوزيرة والقيادية السابقة في حزب الليكود ليمور ليفنات هجوما لاذعا على نتنياهو، عبر سلسلة مقالات ومقابلات إعلامية. دحضت ليفنات اتهامات نتنياهو للحكومة الجديدة بأنها حكومة يسار، فأظهرت أن أكثر من 70% من أعضاء حكومة نفتالي بينيت محسوبون على كتل اليمين والوسط الصهيونيين.
وقد وبّخت ليفنات رئيسها السابق على العنف اللفظي الذي استخدمه وأجاز لأعضاء كتلته باستخدامه خلال جلسة التنصيب ولم تظهر الوزيرة التي كانت محسوبة فيما مضى على صقور الليكود أي أسف على خسارة حزبها للسلطة، بل على العكس قالت إن ما جرى أمر طبيعي ومطلوب بعد أن قام نتنياهو بتدمير الحزب.
ووجهت رسالة لنتنياهو خاطبته فيها بصفته “رئيس المعارضة” عدة مرات أيضا لوصف صاحب أطول ولاية في تاريخ حكومات إسرائيل (15 سنة) وكأن الكابوس الذي كان جاثما على صدر إسرائيل طوال الـ12 عاما الماضية قد أزيح نهائيا، وهو ما يفسر جزئيا التحالفات الغريبة التي نشأت بائتلاف الأحزاب الثمانية الذي قاد إلى تشكيل “حكومة التغيير” برئاسة نفتالي بينيت.
وذكّرت ليفنات نتنياهو في مقالها في “يديعوت أحرونوت” بتاريخ “نضالهما” المشترك لتثبيت شرعية فوز الليكود برئاسة مناحيم بيغن في انتخابات عام 1977، وكذلك فوز الليكود برئاسة نتنياهو في انتخابات 1996 بعد أشهر قليلة من اغتيال إسحق رابين، وفي الحالتين راجت ادعاءات أوساط من حزب العمل أن هذا الفوز غير شرعي، وهو ما كرره نتنياهو نفسه تجاه رئيس الحكومة الجديد بينيت، من خلال الطعن في شرعية هذا الفوز الذي سيعرض أمن إسرائيل وسلامتها للخطر، وأن هذا التغيير سوف يبهج أعداء إسرائيل وخاصة الإيرانيين الذين سيقيمون الاحتفالات.
وخاطبت ليفنات رفيق دربها السابق: “يبدو أنك بملء الغرور والغطرسة، تظن أن لا أحد سواك مؤهلا لشغل منصب رئيس الحكومة، فأنت موعود لهذا المنصب وولدت من أجله، لكن خلافا للوزراء وأعضاء الكنيست الصامتين الذين يسيرون وراءك، ثمة كثيرون باتوا مقتنعين أنه آن الأوان لتغييرك واستبدالك”.
يمكن لسيرة بنيامين نتنياهو وإنجازاته وإخفاقاته أن تملأ كتبا كثيرة، فثمة الكثير من الإثارة في حياته الشخصية بعدما برز فجأة من الصفوف الثانوية لحزب الليكود في أواخر عهد إسحق شامير، ليتجاوز عددا من رؤساء المعسكرات والقادة التاريخيين في حزب الليكود أمثال أريئيل شارون ودافيد ليفي ودان مريدور، ويتقدم بسرعة من سفير إسرائيل في الولايات المتحدة إلى عضو كنيست ونائب وزير الخارجية في العام 1988.
وبرأي الباحث في الشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش من مركز “مدار” لا يقتصر تأثير نتنياهو على كونه صاحب أطول مدة بين رؤساء حكومات إسرائيل، فهو صاحب بصمات كثيرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية. كما يشير لوجود إنجازات سياسية ودبلوماسية لنتنياهو من خلال فك عزلة إسرائيل الدولية وبناء علاقات متميزة مع دول مهمة كانت تاريخيا من أنصار العرب والفلسطينيين مثل روسيا والصين والهند والبرازيل، إلى تحقيق اختراقات في العمق العربي والإسلامي وبناء علاقات صداقة مع عدد من الدول والمحاور الإقليمية الأفريقية وصولا إلى التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الإمارات العربية والبحرين والسودان والمغرب.
ويرجح أن الإنجاز الأكبر لنتنياهو خلال ولاياته المتتالية هو ما حققه مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي اعترف بالقدس عاصمة للاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، كما اعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وارتباط هذه الإنجازات بمشروع “صفقة القرن”. على المسار السياسي كانت الفترة الطويلة التي تسلم فيها نتنياهو السلطة، 1996-1999، ثم من 2009-2021 أكثر من كافية لفرض رؤية اليمين الإسرائيلي لأية تسوية محتملة والتي يمكن تلخيصها عمليا بتدمير فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة من خلال مواصلة السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضّم القدس وتهويدها، وتكثيف الاستيطان، والسيطرة على طول الحدود مع الأردن.
تفترض التسوية التي تبناها نتنياهو وعمل على تكريسها استحالة إنجاز تسوية سياسية مع الفلسطينيين في هذا الجيل، وأن أقصى ما يمكن تقديمه للفلسطينيين هو السلام الاقتصادي، في حين تتركز الجهود لإنجاز تسوية إقليمية تحقق التطبيع مع الدول العربية لمواجهة إيران وحلفائها.
ويورد أنطوان شلحت في كتابه “بنيامين نتنياهو، عقيدة اللاحل” عددا من القرائن التي توضح كيف لجأ نتنياهو إلى إطلاق تصريحات ملتبسة كما جرى في خطابه الشهير في جامعة بار إيلان (14 حزيران 2009) بهدف تجنب الضغوط الدولية أو إرضاء إدارة باراك أوباما في ذلك الوقت، وفي النتيجة لم يتعد الأمر مجرد تقديم ضريبة كلامية سرعان ما جرى التراجع عنها بالأفعال والأقوال.
وينسب له مراقبون إسرائيليون نجاحات اقتصادية عززت متانة الاقتصاد الإسرائيلي في العقدين الأخيرين منذ أن عمل وزيرا للمالية في فترة رئيس حكومة الاحتلال الراحل أرئيل شارون رغم أن سياساته النيو ليبرالية المعاكسة لـ”دولة الرفاه” قد نالت من الطبقات الفقيرة. كما يحفظ المراقبون الإسرائيليون لنتنياهو نجاحه في آخر أيامه بتوفير اللقاحات ضد الكورونا بسرعة فائقة. وإلى جانب ذلك قطع نتنياهو أشواطا بعيدة في “تهويد” المجتمع الإسرائيلي وحسم التناقض التاريخي بين يهودية الدولة وديمقراطيتها لصالح الصفة الأولى من خلال إقرار قانون أساس القومية إلى جانب سلسلة من القوانين التمييزية لصالح اليهود.
في المقابل ورغم ذلك بات نتنياهو بالنسبة لقطاعات إسرائيلية من اليسار واليمن كابوسا أو عبئا يرغب بالتخلص منه خاصة بعدما تورط بسلسلة فضائح فساد خطيرة مما ساهم في توريط إسرائيل في أزمة سياسية لم تنته تجلت بتكرار جولات انتخابية دون حسم. وقد أدى هذا الشعور بالعبء إلى تحالف الخصوم في جبهة واحدة جمعهم الموقف المناهض لنتنياهو ولذا هناك من يرى أن تنحي نتنياهو ونزواه نهائيا عن المسرح من شأنه أن يقصّر عمر حكومة خصومه الجديدة التي ستنشغل بخلافاتها الداخلية عندئذ عندما يغيب “العدو الخارجي”.
غير أن أزمة نتنياهو تعكس أزمة أكثر عمقا لكل النظام السياسي الإسرائيلي بعدما طغت الاعتبارات والحسابات الشخصية لديه ولدى ساسة إسرائيليين آخرين يغلبون المصالح الضيقة على المصالح العليا بخلاف جيل المؤسسين الصهيونية. يتمثل ذلك بشكل فظ وبارز في منح نتنياهو شركة ألمانية بيع غواصات للجيش المصري مقابل عمولة (13 مليون يورو) لقريبه المحامي عراف الصفقة وذلك بخلاف موقف كل المؤسسة الأمنية التي تنتظر تشكيل لجنة تحقيق رسمية كما جاء على لسان وزير الأمن الحالي بيني غانتس.
وتعرب أوساط إسرائيلية سياسية وأمنية منهم رئيسا الحكومة السابقان إيهود براك وإيهود أولمرت وجنرالات في الاحتياط عن ريبتها حيال هذه الصفقة وتنادي بعدم الاكتفاء بلجنة فحص عسكرية وتطالب هي الأخرى بلجنة تحقيقي رسمية، وتقول هذه الأوساط بالتصريح تارة وبالتلميح تارة أخرى إن نتنياهو مستعد لبيع كل شيء مقابل البقاء في سدة الحكم ملكا في “مملكة إسرائيل الجديدة”.
وفي السياسة تجاه القضية الفلسطينية والاحتلال ثمة من هم على يمينه بل أشد تطرفا منه، وهناك من يطابقونه في المواقف ومن هم على يساره، وينطبق الأمر عينه على قضايا الدين والدولة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل أن نتنياهو نجح أحيانا في تقديم نفسه كمعتدل وصاحب موقف وسطي إذا ما قورن بحلفائه وشركائه في الحكم من حزبي “يمينا” و”الصهيونية الدينية”، وحتى لمن باتوا خصوما له كساعر وليبرمان. ويجمع هؤلاء أن نتنياهو مهووس بالبقاء بالسلطة بأي ثمن، حتى لو اقتضى الأمر توريط الدولة في حروب لا ضرورة لها، أو جرّها إلى انتخابات زائدة، وتعطيل جهاز الدولة بما في ذلك عدم إقرار الموازنة، وتجميد التعيينات مع كل ما يقتضيه ذلك من مصاريف باهظة وتأزيم للنظام السياسي.
وبدا أيضا أن الاتهامات بالفساد التي قد تقود إلى السجن هي التي تحرك نتنياهو وتدفعه إلى الاستماتة في التمسك بالسلطة مهما كلف الأمر. وينقل الباحث انطوان شلحت في كتابه “بنيامين نتنياهو: عقيدة اللاحل” عن المؤرخ الإسرائيلي يحيعام فايس بعد رصده لثلاث من الحكومات التي ترأسها نتنياهو أن هدفه واحد لا يتغير وهو البقاء في السلطة، مشيرا إلى أنه أول رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل يعتبر البقاء في السلطة هدفا أساسيا، وأنه ليس لديه هدف آخر يتخطى البقاء في كرسي الحكم.
ويتفق عدد كبير من المحللين الإسرائيليين على هذا التوصيف منهم الصحافي المحقق البارز رفيف دروكر في القناة 13 الذي يرى أن شهوة نتنياهو للحكم والسلطة جعلت منه مقاتلا شرسا من أجل هذه الغاية، مستعدا لفعل أي شيء ومستخدما مهاراته الخطابية في الهجوم على خصومه وإثارة حميّة الجمهور اليميني.
ويستذكر الباحث نهاد أبو غوش اصطدام نتنياهو خلال مسيرته الطويلة في الحكم مع كل مؤسسات الدولة تقريبا: مع مستشاره القانوني، ومع قضاة المحكمة العليا والجهاز القضائي بشكل عام، ومع الشرطة والأجهزة الأمنية، مع وسائل الإعلام التي ظل ينعتها بأنها يسارية وأنها هي التي لفقت له الاتهامات الباطلة، وكذلك مع الإدارات المهنية في وزارتي الصحة والمالية اللتين شهدتا سلسلة من الاستقالات بسبب خلافات مع نتنياهو، وحتى مع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية وقيادتها التي غيّبها نتنياهو عن الاتصالات التمهيدية بشأن التطبيع مع الدول العربية والإسلامية.
وأتاح عداء نتنياهو مع المؤسسة له التفلت من أي قيود وضوابط، وهذا المنهج امتد ليشمل حتى حزب الليكود بحسب الاتهام الذي وجهته ليمور ليفنات له، فقد تحول الليكود من حزب ذي مؤسسات نظامية وهيئات مقررة، ويتنافس فيه أقطاب بارزون، إلى حزب الزعيم الواحد الأوحد.
ونجح خلال مسيرته الطويلة من التخلص من قادة الحزب صفّاهم نتنياهو ونحّاهم جانبا واحدا تلو الآخر، ويمكن تعداد قائمة طويلة من هؤلاء الذين تخلص منهم نتنياهو مثل بيني بيغن ودان مريدور وسيلفان شالوم وصولا لجدعون ساعر وليمور ليفنات، وقد حلّ محل هؤلاء قادة وشخصيات هم أقرب إلى كونهم أعوانا لنتنياهو يصفقون له ويدافعون عنه في كل ما يفعل، ويتجندون لخوض المعارك والقتال نيابة عنه حتى في معاركه الشخصية ضد أجهزة الدولة والقضاء وفي مواقفه الشعبوية المتطابقة مع سلوكه حليفة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
ومع ذلك ما زال نتنياهو يحظى بشعبية غير قليلة من الإسرائيليين وحظي الليكود برئاسته في الانتخابات الأخيرة على 30 مقعدا فيما فاز حزب رئيس الوزراء الحالي بينيت بـ7 مقاعد فقط. هذه الحقيقة تشبه تلك التي تفيد أن أكثر من 70 مليون أمريكي انتخبوا دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة. ولكن في إسرائيل لا يمكن فصل ظاهرة نتنياهو عن التطورات العميقة في المجتمع الإسرائيلي الذي يتجه بشكل متسارع نحو تكريس وشرعنة نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) كما يقول أبو غوش، منوها إلى أن نظام كهذا يستدعي وجود زعامة فردية متفلتة من كل القيود والمؤسسات لا تعير أي اهتمام للقوانين ولا للمواثيق المحلية والدولية، لكن زعامة كهذه سوف تصطدم حتما مع شرائح وفئات واسعة في مجتمعها وليس فقط مع ضحاياها الفلسطينيين، وهو ما ظهر جزئيا في هذا التحالف الهجين الذين جاء بحكومة بينيت – لبيد وهو على ما يبدو لن يطول كثيرا على المنصة.